أيوب نصر يكتب لـ«الوطن»: ما مستقبل الإسلام السياسي؟
أيوب نصر يكتب لـ«الوطن»: ما مستقبل الإسلام السياسي؟
الحديث فى استشراف مستقبل الإسلام السياسى فى العالم العربى هو حديث ذو شجون يتصل أوله بآخره، وتتداخل فيه أشياء كثيرة، وتتفرَّق فيه السبل، ولم أملك من فضل الوقت ورفاهيته ما يشفى غليل نفسى فيه، ولكن سأحاول وأحرص جهدى فى الإجابة عن هذا السؤال.
بعد سقوط الإخوان سنة 2013، وخسارة حزب العدالة والتنمية الانتخابات التشريعية فى المغرب فى 2021، وما حدث مع «النهضة» فى تونس، بعد كل هذا، فإن أول سؤال يسبق إلى الذهن هو: ما مستقبل الإسلام السياسى فى المنطقة العربية؟
وقبل أن ننظر فى مآلات ومستقبل هذا الفصيل السياسى، فإنه جدير وحقيق بى أن أنبه إلى أمر، وهو مسمى «الإسلام السياسى» نفسه، فهو اسم خاطئ، وذلك أنه لا يوجد فى الإسلام ولاء وبراء على السياسة، ولكن سنأخذ بهذا الاسم من باب الاصطلاح والدلالة على توجُّه سياسى.
ما هو مستقبل الإسلام السياسى فى المنطقة العربية؟ وللجواب عن هذا السؤال لا بد أن نضع بين أعيننا عدة اعتبارات، منها طبيعة المنطقة، والأحداث التى تحدث فيها، والأسس والأصول الفكرية التى تُبنى عليها الأفكار الفردية والجماعية، فهذه الأشياء وغيرها لا بد من عدم إهمالها، ونحن فى طريقنا للجواب عن هذا السؤال.
كل فكر وكل نظر عقلى له أسس تسنده وأصول يُبنى عليها، وهذه الأصول وتلكم الأسس هى العقيدة الدينية والعقيدة اللغوية والتاريخ، وغيرها مما يساهم فى تكوين الشخصية وبناء الفكر، وأساليب السياسة وطرق الحكم وكيفية التدبير هى فى أصل وضعها نتاج فكر يقوم على بديهيات ومقدمات عقدية ولغوية وتاريخية، وهذه المنطقة العربية لها تراكمات فكرية فى طرق الحكم وأساليب السياسة بُنيت على العقيدة واللغة والنتاج التاريخى، بما يجعل كل حكامها ضرباً من أضرب الإسلام السياسى، وذلك أن الإسلام السياسى لا ينحصر فى الإخوان المسلمين، وإنما الإخوان المسلمون هم جزء من هذا التوجه الموجود فى المنطقة الذى هو نتيجة هذا السيل المنحدر إلينا عبر قرون طويلة متطاولة، ولهذا لا تجد حاكماً عربياً إلا ويتقاطع كثيراً مع الإخوان المسلمين، ولا يخرج كثيراً عن مسمى الإسلام السياسى، فترى مفهوم إمارة المؤمنين وخادم الحرمين، بل حتى فشل السياسات ونجاحها كثيراً ما يبرَّر بالقضاء والقدر، وهذا التبرير لا يصدر مسايرة للجماهير أو استرضاء لها، ولكنه لما حدثتك به من تلك الأبعاد الدينية واللغوية والتاريخية القابعة فى نفوس أهل هذه المنطقة والمكوِّنة لشخصيتها، وهى تصدر عن طبع أصيل فيهم، فحتى لو غاب الإسلام السياسى أحياناً وتوارى بالحجاب باعتباره تكتلاً حزبياً أو فصيلاً سياسياً، لكنه على مستوى الأفكار وتمثلها صور فى أذهان الناس، أفراداً وجماعات، حاضر لا يغيب ولا يتوارى حتى على مستوى المؤسسات. ومن أوجه وجود الإسلام السياسى فى الحكم على مستوى الدول العربية، نجد أنه إذا غاب الإخوان فى مصر، فإنه يوجد حزب النور، وإذا رفضت جماعة العدل والإحسان فى المغرب ممارسة السياسة تحت سيادة الدولة فهناك «العدالة والتنمية» التى هى جزء من الدولة، وإذا توارت «النهضة» فى تونس فهناك قيس سعيد الذى يُعتبر خطابه أكثر حدة فى الدلالة على الإسلام السياسى، وفى قطر التى وحَّدت القطرين وأدمجت النقيضين، الإخوان والقوميين.
ولكى نتمكن مع استشراف مستقبل ما يسمى الإسلام السياسى فلا بد لنا من النظر أيضاً فى السياق الحالى الذى تمر به المنطقة، وأكثرها صعوبة وحدَّة وأثراً فى النفوس هو الإبادة الجماعية التى تحدث فى غزة، والتى لها أثر سلبى على المزاج الشعبى، وسيظهر هذا الأثر ولو بعد حين، وليس فقط نحو إحياء حركة الإسلام السياسى (بمعناه الخاص المقتصر على الإخوان)، بل سيدفع نحو الإسلام العنيف، وفى أدنى الأحوال سيساهم فى تعزيز هذا الوجود بمعناه العام، ويظهر ذلك فى حمل بعض الدول نحو إعادة التوازن الداخلى بدعم الإخوان المسلمين، كما حدث بالمغرب، حيث حرص على عودة تأثير «العدالة والتنمية» فى شخص عبدالإله بنكيران، وإعطاء مناصب سيادية لشخصيات محسوبة على الإسلام السياسى، وذلك فى ظل سيطرة الجناح الموالى لإسرائيل، وحزب الله فى لبنان الذى لا يزال له تأثير كبير رغم الضربات التى تلقاها، كما أن الحرب الإيرانية الإسرائيلية عملت عملها فى إعادة شخص الأبصار العربية نحو الإسلام السياسى، وأحيت الميول نحو هذا التوجه فى نفوس الشعوب.
أما الرئيس السورى أحمد الشرع، فكان خطابه الأخير أكثر دلالة فى وعيه على أن الإسلام السياسى لا ينحصر فى الإخوان أو غيرهم وإنما يشمل كل مشتغل بالسياسة فى عالمنا العربى، ولهذا قال إنه ليس امتداداً للإخوان ولا للحركات الجهادية، وإنما أراد القول إنه يشمل كل هؤلاء وغيرهم من أبناء المنطقة وتوجهاتها الفكرية والسياسية، والتى هى فى الأول والأخير نتاج عقيدة ولغة وتاريخ، إلا ما شذ عنها من بعض الأصوات.
ولهذا فإننى لا أتوقع أن يُسدل الستار على الإسلام السياسى فى العالم العربى لأنه -على اختلاف مسميات المنتمين إليه- جزء أصيل فى هذه الأمة التى تسودها معتقدات الإسلام وأثر اللغة وذلك السيل الفكرى المتراكم عبر تاريخ طويل متقادم، والذى أرى أنه سيحافظ على أدنى درجات وجوده، إذا لم تؤثر الأحداث الحالية فى زيادته وتقويته.