جريمة أطفال فيصل.. كيف نفذ المتهم جريمته في 3 أيام؟
جريمة أطفال فيصل.. كيف نفذ المتهم جريمته في 3 أيام؟
لم تكن جريمة قتل أطفال فيصل ووالدتهم، وليدة لحظة غضب، بل فصولًا من مأساةٍ كُتبت على مدار ثلاثة أيام، بدأت بخدعة وانتهت باعترافٍ هزّ القلوب.
من واقع التحقيقات وتحريات مباحث الهرم، بدأ كل شيء صباح الثلاثاء، المتهم، صاحب محل للأدوية البيطرية، كان بينه وبين أم الأطفال خلافات، انتهت بسلسلة جرائم
بعد أيام من الصمت، قرر إنهاءها بطريقة قاتلة، اشترى عبوة من «الكلوزافين» – المادة الفعالة في عقار مهدئ شديد الخطورة – وأذابها في عصير، قبل أن يلتقي بها في محاولة للصلح داخل شقّتها فى منطقة اللبينى فيصل، دائرة قسم شرطة الهرم، غرب محافظة الجيزة، قدّم لها الكوب بابتسامة باردة وقال: «اشربي.. خلينا نفتح صفحة جديدة»، لم تمر دقائق حتى سقطت أمامه جثة هامدة.
ارتبك، ثم نقلها بنفسه إلى مستشفى القصر العيني، وأبلغ أنها زوجته التي توفيت بشكلٍ طبيعي، وسجّل بياناتٍ مزيفة، ثم غادر المكان. كاميرات المستشفى التقطت المشهد بالكامل: رجل يدخل حاملًا جثة، ثم يخرج بمفرده بعد دقائق، .لم يكن أحد يعرف وقتها أن تلك اللقطات ستصبح المفتاح الأول في كشف اللغز بعد أيام.
الأربعاء والخميس، صراع وقرار، عاد إلى منزله في فيصل، تملؤه الهواجس، جلس في الظلام يراقب وجوه أطفال الضحية الثلاثة في ذاكرته، في التحقيقات قال بصوتٍ منخفض: «مقدرتش أسيبهم يعيشوا لوحدهم بعد أمهم.. قلت أريّحهم هما كمان».
مساء الخميس، جهّز العصير مرة أخرى، أذاب فيه نفس المادة القاتلة وجهّز خطته الأخيرة، في صباح الجمعة جمع الأطفال الثلاثة داخل شقته بحجة أنه «عايز يقضي اليوم معاهم».. ضحكوا، لعبوا قليلًا، ثم قدّم لكلٍ منهم كوب العصير.. شرب «سيف» و«جنى»، بينما الصغير رفض الطعم الغريب، بعد دقائق سقط الاثنان بلا حراك، وبقي الثالث يبكي.
حمله المتهم بيديه، خرج به إلى الشارع، ركب «توك توك» واتجه نحو الترعة. هناك، ألقى بجسده الصغير في الماء، ثم عاد في هدوء.
صباح السبت 25 أكتوبر، تلقّى قسم شرطة الهرم بلاغًا من أحد الأهالي يُدعى إسلام (32 عاما)، لحّام يقيم أمام العقار رقم 16 بشارع محمود حربي، يفيد بانبعاث رائحة كريهة من مدخل العقار، ووجود جثتين لطفلين.
المقدّم مصطفى الدكر، رئيس مباحث الهرم، انتقل على الفور إلى المكان. المشهد كان مؤلمًا: طفل وطفلة بملابسهما الكاملة، أحدهما جثة هامدة، والآخر يلفظ أنفاسه الأخيرة، تم نقلهما إلى مستشفى الهرم، لكنهما فارقا الحياة فور الوصول.
خلال ساعات، تحولت المنطقة إلى ثكنة أمنية، حضرت قيادات أمن الجيزة، وبدأت فرق الأدلة الجنائية فحص الموقع بدقة: لا كسور، لا طعنات، لا خنق.. فقط علامات تسمم داخلي.
التقرير الأولي للطب الشرعي أكد أنّ الوفاة بسبب مادة سامة تناولها الأطفال خلال آخر 12 ساعة قبل الوفاة.
بدأت الأسئلة التي درات في ذهن فريق التحقيق تحت إشراف اللواء محمد مجدي أبو شميلة، مساعد أول وزير الداخلية لقطاع أمن الجيزة، وبقيادة المقدم مصطفى الدكر، رئيس مباحث الهرم: من الطفلان؟ أين الأم؟ أين الأخ الثالث؟. استُدعي الأب، وبصوتٍ متقطع قال: «الأطفال كانوا مع أمهم من كام يوم بعد خلاف بينا.. ومش عارف هما فين».
تحريات المقدم مصطفى الدكر كشفت المفاجأة: «الأم لم تغادر المنطقة. آخر ظهور لها كان في كاميرات القصر العيني، وهي تُنقل جثةً على يد رجل مجهول. تم فحص الكاميرات وتتبّع خط سير الرجل حتى محل أدوية بيطرية في فيصل».
هناك، تم القبض على المتهم، وبمواجهته بالأدلة اعترف فورًا: «أنا قتلتها يوم التلات.. والعيال يوم الجمعة».. 3 أيام فقط كانت كفيلة بتحويل بيتٍ بسيط إلى مسرحٍ لجريمةٍ لا يبررها عقل، من الثلاثاء إلى الجمعة، من السمّ إلى الاعتراف.
في ملف القضية الآن «تجد اعترافات كاملة.. تقرير الطب الشرعي الذي يثبت توقيت الوفاة.. تفريغ كاميرات المستشفى والمحال.. وتحريات المباحث التي أعادت بناء المشهد لحظةً بلحظة».. لكن تبقى الحقيقة الناقصة دائمًا هي صوت القتيلة التي رحلت، وبقيت الحكاية تُروى من طرفٍ واحد.
