وليد خيري يكتب: محتوى تحت المجهر: الرواية المحرمة في الحضارة
وليد خيري يكتب: محتوى تحت المجهر: الرواية المحرمة في الحضارة
في خضم التراث الأدبي الروائي العربي، تقف «أولاد حارتنا» لنجيب محفوظ كالرواية الأشد جدلًا والأعمق رمزية، والتي لم تكتف بهز الأوساط الثقافية فحسب، بل زلزلت المؤسستين الدينية والسياسية.
ومع مرور العقود، لم يهدأ ضجيج هذه الرواية، لتعود اليوم إلى مائدة التشريح والنقد عبر منبر رقمي حديث هو برنامج «في الحضارة»، عبر منصة العربي تيوب في حلقة حملت عنوان «الرواية المحرمة». يقدم البرنامج بنعومة وانسيابية الشاب المثقف محمد السعدني، والذي تألق في هذا البرنامج منذ أن بدأه من سنوات باسم انهيار الحضارة وبلزمة صديقي الإنسان، وكتب هذه الحلقة الكاتب الصحفي محمد شعير المهتم بعمق بالشأن المحفوظي وفي وجود فريق للكتابة يرأسه الروائي المميز أحمد الفخراني. في الحلقة مراجعة متعمقة لسياق الرواية وشرارة ميلادها، متتبعًا خطى محفوظ في فترة من أكثر فترات حياته الأدبية إلهاما وقلقا. هذه المراجعة الرقمية تستحق وقفة نقدية متأنية، لأنها تُؤصل النقد لعمل أدبي كلاسيكي مُلغم في زمن اختلط فيه النقد السريع بالتحليل العميق.
تُعالج الحلقة ببراعة مرحلة «الصمت الروائي» التي اعترت نجيب محفوظ بعد ملحمته الواقعية «الثلاثية». كان محفوظ قد أعلن بلسان حاله «زهقه من الواقعية» وتطلعه لكتابة «بطريقة جديدة لم تتحدد معالمها في ذهنه حتى الآن، وإلا سيهجر الأدب إلى الأبد»، ويُركز البرنامج على أنّ محفوظًا، وهو في منتصف الأربعينات لم يكن يعاني من جفاف إبداعي بقدر ما كان يمر بـ«أزمة حقيقية» ناتجة عن التحولات الاجتماعية والسياسية.
شحذت موهبته تلك «الهوة التي تفصل الواقع عما يجب أن يكون»، وهي المسافة الشاسعة بين «وعود الثورة الكبيرة بالحرية» وما رآه يتحقق على أرض الواقع من تناقضات وقمع للحريات. تلك التناقضات كانت كما يُشير البرنامج، الوقود الذي أشعل قلمه. وكما قال محفوظ لاحقا: لا أكتب إلا إذا حدث انفصام بيني وبين المجتمع»، وهو ما يُفسر الانتقال من واقعية «الثلاثية» إلى رمزية «أولاد حارتنا».
تنجح الحلقة في إبراز الجو العام المشحون في مصر ما بعد ثورة يوليو، بدءًا من إلغاء الأحزاب، وعلى رأسها حزب الوفد الذي كان محفوظ من عشاقه، ومرورا بقمع أي محاولة للانحلال أو «الخاطرة تخطر فيشي بها الوجه»، ووصولًا إلى التدخل السريع من شيخ الأزهر لمنع تجسيد الأنبياء. كل هذا الخوف والإرهاب كان يشكل حاضنة مناسبة لولادة عمل نقدي رمزي عميق.
يُسلط البرنامج الضوء على القراءة الدينية المُبتسرة للرواية، مُبينا أنّ الأزمة بدأت فعليًا بإفشاء سر الرمزية في الصفحة الأدبية بجريدة الجمهورية. هذا «التعريض بالدين والأنبياء» هو ما حرّك موجات الشكاوى من «أدباء الجمهورية» ورجال الدين، متهمين محفوظًا بالصدمة و«الهبوط بالأنبياء إلى مستوى الناس».
لكن البرنامج، وهنا تكمن قيمته النقدية، لا يتوقف عند السطح الديني، بل يغوص في رسالة محفوظ المُبطنة. فالرسالة، حسب الناقد والمترجم جون رودن بيك، أوحت بأنّ «النظام الجديد لن يختلف كثيرا في نهاية المطاف عن النظم القديمة». كما يوضح المفكر محمود أمين العالم أنّ الرواية كانت «نقدًا رمزيا للسلطة الناصرية»، وتحديدا نقدا للتناقض بين شعارات الثورة وبعض ممارساتها.
هذا التحليل يستند إلى قول محفوظ الصريح بعد وفاة عبد الناصر: «كنت أسأل رجال الثورة هل تريدون السير في طريق الأنبياء أم الفتوات». هذه الجملة تكشف أن الرواية، التي تصور «الصراع الذي خاضه الأنبياء ضد المستغلين دفاعا عن الفقراء»، هي بالأساس دعوة سياسية مُقنعة. وقد أشار محفوظ بذكاء إلى أنّه رأى التفسير الديني «أقل ضررًا بكثير من التفسير السياسي».
الحلقة تسرد بنجاح تفاصيل الصراع الصحفي والبيروقراطي لنشر الرواية، فـ«الأهرام» ممثلة برئيس تحريرها محمد حسنين هيكل، قررت النشر اليومي «حتى لو كانت نبرة النقد فيه عالية»، في رغبة واضحة لإظهار مكانة الجريدة وقدرتها على احتضان «الأصوات المعارضة»، هذا التنافس الإعلامي بين الأهرام والجمهورية كان محركا رئيسيا للأزمة. كما أنّ رهان هيكل على البيروقراطية المصرية لتأخير قرار وقف النشر كان دليلًا على وعيه التام بخطر الرواية وعمق النقد الذي تحمله.
تُبرز الحلقة حالة الانقسام المُتعمد التي أحاطت بالرواية. من جهة، كان هناك الهجوم العلني المنظم من قبل «لجنة الدفاع عن الإسلام» التي ضمت شيوخا بارزين مثل الشيخ محمد الغزالي، حيث وصف الغزالي الرواية بأنّها إلحاد وعبث بتاريخ الديانات.
من جهة أخرى، كان هناك صمت نقدي مريب من «أسماء عملاقة زي طه حسين والعقاد» والنقاد الشباب الذين «آثروا السلامة». هذا الصمت جعل محفوظا يضطر للدفاع عن عمله بنفسه، مؤكدًا أنّ هدفه هو «لون من الروحانية في عالم القصة دون أن يخطر ببال قلمي أن يمس قداسة الأنبياء والرسل».
تستعرض الحلقة بأسلوب قصصي مشوق تفاصيل الأزمة حول النشر، وكيف انتهت بـ«اتفاق رجالة» بين محفوظ وحسن صبري الخولي «رئيس الهيئة العامة للاستعلامات» يقضي بنشر الرواية خارج مصر دون أن تُنشر فيها إلا بموافقة الأزهر. هذا الاتفاق كان بمثابة «إجهاض داخلي» للرسالة، حيث شعر محفوظ بأنّ "رسالتي لم تصل».
تُخصص الحلقة جزءا وافيا للحديث عن عودة الجدل بعد حصول محفوظ على جائزة نوبل في الأدب عام 1988. لقد أصبحت الجائزة ذريعة لـ«إحياء الجدل حوالين الرواية من ثاني بشكل أقوى وأعنف»، حيث اعتبرت الجماعات الإسلامية أنّ محفوظ نالها «تحديدا بسبب أولاد حارتنا».
تُبرز الحلقة هنا تصريحات الزعيم الروحي للجماعة الإسلامية الشيخ عمر عبد الرحمن: «لو كنا قتلنا نجيب محفوظ من 30 سنة ما كانش طلع لنا سلمان رشدي». هذه الجملة الشرطية كانت إشارة واضحة للحدث المأساوي بعد سنوات.
الذروة المأساوية للقصة تأتي في وصف محاولة اغتيال محفوظ عام 1994، حيث يتبين من التحقيقات أنّ الدافع وراء الجريمة هو رواية «أولاد حارتنا»، وأنّ الجاني لم يكن قد قرأ الرواية حتى. في هذه اللحظة، يتجلى عمق المأساة الفكرية. إن محفوظا، وهو في قمة الألم، لم يغضب من النقد بقدر ما غضب من «فتوى القتل»، وكأنّه يكرر صرخته القديمة: «الإنسان لا يستطيع أن يتراجع عن عمل كتب».
ويُختتم البرنامج بتحليل ناصع لرد محفوظ الفكري على هذا العنف، عندما أهدى المتهمين بعض كتبه وطلب أن يُكتب عليها إهداء على لسانه: «إلى من يخالفني الرأي أهدي سطورًا كتبتها.. لن ينصلح حاله إلا بالثقافة». هذا هو جوهر رسالة محفوظ التي لم تصل حينها: أن الصراع لا يكون بالسلاح، وأن «الكتابة.. كانت سبيله دائما للتعبير عن أي حاجة عايز يقولها».
لقد نجح برنامج «في الحضارة» في تقديم مراجعة ليست مجرد سرد لتاريخ «أولاد حارتنا»، بل هي تحليل نقدي للسياق الذي أنجبها، وسرد للمحركات السياسية والإعلامية والدينية التي حاصرتها. إنه يفكك حكاية الرواية المحرمة ليؤكد أن الرمزية كانت «الأسلوب الآخر» الذي استخدمه محفوظ للتعبير عن أفكاره ، مُستلهمًا من أستاذه سلامة موسى فكرة أن «مفيش رقابة تقدر تمنع الأفكار».
الأناقة في سرد الحلقة تأتي من القدرة على ربط حياة محفوظ الشخصية بإنتاجه الأدبي، وتبيان كيف أن كل عمل له سبب أزمة، حتى وهو في قمة عطائه. ولعل خير تلخيص لهذه المعركة المستمرة يأتي على لسان شخصية محفوظ الرمزية «الشيخ عبد ربه التائه» في «أصداء السيرة الذاتية»:
«كنت أقاتل قوة جاءت تروم القضاء على الناس ولكن لم يفهم عملي أحد ولم يعاوني».
هذه المقولة تُعبر بصدق عن رحلة نجيب محفوظ مع "أولاد حارتنا": عمل هدف صاحبه منه إلى مقارعة الظلم ، لكنه وُوجه بالنفور والتحريم، ليظل رمزًا لصرخة القلق في زمن الثورة الصامت.
تُعد حلقة «الرواية المحرمة» مادة مرجعية قيمة تضع عمل محفوظ في إطاره الحقيقي: عمل نقدي سياسي مُقنع ولد من رحم القلق الاجتماعي بعد الثورة، ومأساة لم تُفهم رسالتها إلا بعد فوات الأوان، ليتم في النهاية نشر الرواية في مصر في كتاب مستقل.. وبموافقة السلطات المصرية، معلنة انتصار الفكرة على الجميع.