تحقيق لـ«الوطن» يكشف أسرار غشه.. زيت الزيتون أمل العلاج أصبح مصدرا للأمراض
تحقيق لـ«الوطن» يكشف أسرار غشه.. زيت الزيتون أمل العلاج أصبح مصدرا للأمراض
تواصل الثلاثينى مع القائمين على الصفحة، الذين أكدوا له أن الزيوت المعروضة «بكر ممتاز»، معصورة على البارد، ليُقرر شراء عرض الـ4 لترات بسعر 840 جنيهاً وتوصيل مجانى. أخذ الشاب العبوة مُحكمة الغلق، ذات التغليف المميز، من مندوب التوصيل، وهو سعيد بأنه اشترى كمية كبيرة بسعر مُريح، خاصة أن تكلفة الـ4 لترات، ربما تعادل سعر لتر فقط من الزيوت التى تُباع فى الأماكن الشهيرة.
لكن سعادته تلك لم تدم طويلاً، فبمجرد أن فتح العبوة اشتم رائحة غريبة لم يعتد عليها، لاسيما أنه كانت له تجارب شراء سابقة من أماكن موثوق بها، لكنها تبيع بسعر مرتفع، وهو ما دفعه لتجربة الشراء «أون لاين»، قائلاً: «لون الزيت كان فاتح زيادة عن اللزوم، والقوام خفيف جداً، ولما حطيت ملعقة منه على طبق سلطة لاقيت الطعم مش طبيعى والرائحة مُنفّرة وعطنة».
«الوطن» حقّقت فى ظاهرة غش زيت الزيتون، وكشفت أنها أزمة متصاعدة بعدما انتشرت صفحات تُروج لمنتجات رخيصة تزعم أنها زيت زيتون بكر ممتاز على عكس الحقيقة، وحلّلت عينات تم شراؤها من الباعة الجائلين، وثبت أنها غير صالحة للاستهلاك الآدمى، حيث لا تتطابق المواصفات المدونة على العبوة مع المنتج نفسه، كما كشفت التحاليل الحسية عن وجود رائحة تزنخ وعطن بالعبوات، الأمر الذى يجعله مصدراً للأمراض بدلاً من العلاج.
صفحات على مواقع التواصل تقدّم عروضاً خادعة بأسعار تقل عن نصف التكلفة.. وتزعم أنها بمواصفات مثالية
بدأ الشاب محمود خالد، محاولة التعرّف على صلاحية زيت الزيتون، الذى اشتراه، للاستخدام من عدمه، وذهب إلى صديق له على دراية بالمواصفات التى يمكن من خلالها تمييز الزيت الأصلى عن المغشوش، وكانت المفاجأة أن صديقه أخبره أن الزيت مغشوش، ولكى يعلم مكوناته بالضبط لا بد من تحليله تحليلاً معملياً، لافتاً إلى أن التحليل سيُكلفه أموالاً كثيرة تفوق ثمنه بكثير، وهنا قرّر الشاب التواصل مع الصفحة التى كان قد اشترى منها، ولكنهم أكدوا له أن الزيت سليم، وليس مغشوشاً، وأنه معصور من «الزيتون الشملالى»، وهو صنف معروف بجودته، لكنه لم يقتنع، خاصة أن كل العلامات تشير إلى أن هناك مشكلة فى جودة المنتج بالفعل، وهنا قرّر التخلص من الزيت نهائياً، وأن يشارك قصته مع أصدقائه حتى لا يقع أحدهم فى فخ تلك المنتجات مرة أخرى.
محاولة شراء
ما قاله الشاب الذى تعرّض للخداع، دفع مُعد التحقيق لمحاولة الشراء «أون لاين»، وتواصل مع عدة صفحات، من بينها صفحة يبدأ اسمها بحرفى «خ. ز». وهى من الصفحات الشهيرة التى تُروج لمنتجات الزيتون، وسأل عن سعر اللتر، فأخبره مسئول الصفحة بأن هناك الكثير من العروض، من بينها عرض الـ2.5 لتر بسعر 550 والشحن مجانى، وهذا يعنى أن سعر اللتر 200 جنيهاً فقط، وهناك عرض آخر يشمل 12 لتراً وتوصيل مجانى بسعر 2199 جنيهاً وهذا يعنى أن اللتر سعره 183 جنيهاً فقط.
سعر المنتج المنخفض دفع مُعد التحقيق لمحاولة الاستفسار عن السبب وراء تدنيه فى الوقت الذى لا تقل فيه أسعار لتر زيت الزيتون الجيد عن 480 جنيهاً، طبقاً لإحدى المعاصر التابعة لوزارة الزراعة بمدينة مرسى مطروح، وهنا حاول مسئول الصفحة إقناع مُعد التحقيق بأن «الزيت أصلى معصور على البارد، وأن نسبة الحموضة به لا تزيد على 0.8%، وأنه عصره أولى بكر ممتاز حيوى أورجانيك».
«أسانس» لغش الزيت
خلال تتبّع عمليات بيع وشراء زيت الزيتون «أون لاين»، وجد معد التحقيق عدة جروبات على «فيس بوك»، تُروج لمواد يتم خلطها على أى زيوت رديئة الجودة لإكسابها طعم ورائحة زيت الزيتون، تُباع بأسعار تبدأ من 750 جنيهاً للعبوة الـ200 مللى، من خلالها يمكن الحصول على 50 كيلو زيت مغشوش.
ووفقاً لما تنشره الشركة المزعومة على صفحتها على موقع التواصل «فيس بوك»: فإنه «لا يمكن التفرقة بين الزيوت الطبيعة والأخرى التى يتم إضافة المادة إليها»، حيث تقول عبر منشوراتها: «مش هتعرف تفرقه عن الزيتون الطبيعى، السر فى أسانس زيت الزيتون الإكسترا، ده لو بتدور على طعم وريحة زيت الزيتون الطبيعى اللى بجد». وتابعت: «نفس العناصر، نفس الفوائد، موجود فيه أوميجا ومضادات أكسدة، هتحس كأنك لسه عاصر الزيتون حالاً».
رتبة «لامبانتى»!
بعد عدة جولات ميدانية قام بها مُعد التحقيق، للتعرّف على متوسط أسعار اللتر فى المناطق الشعبية التى تكثر بها ظاهرة بيع الأغذية على الرصيف، قرّر شراء عدة عبوات أوزان 250 جراماً، وذهب إلى معهد تكنولوجيا الأغذية التابع لمركز البحوث الزراعية، للتعرّف على محتويات تلك العبوات، وبيان حالتها من حيث صلاحيتها للاستخدام الآدمى من عدمه، خاصة أن سعر العبوة الواحدة سعة الربع لتر، يبلغ 35 جنيهاً فقط، وهو ما يعنى أن اللتر سعره 140 جنيهاً فقط، وهو أمر يدعو إلى الشك، خاصة مع ارتفاع أسعار زيوت الزيتون فى الأسواق الرسمية والموثوق بها.
فى معهد تكنولوجيا الأغذية التقى مُعد التحقيق بعدد من الباحثين، وبدأت عمليات التقييم الحسى للعينات المشتراة، من خلال الشم والتذوق وبيان مدى مطابقة ما جاء فى بطاقة البيانات الخاصة بها لحالة الزيت نفسه، وكانت النتائج، طبقاً لما ذكره د. منير عيد، الأستاذ بقسم بحوث الزيوت بالمعهد، كالآتى:
أولاً: مخالفة فى بيانات البطاقة التعريفية، حيث أشارت بطاقة التعريف الخاصة بإحدى العبوات إلى أن زيت الزيتون المصنّف كـ«بكر ممتاز Extra Virgin» يحتوى على نسبة حموضة قدرها 1%، فى حين أن المواصفة القياسية لزيت الزيتون البكر الممتاز تشترط ألا تتجاوز نسبة الحموضة الحرة 0.8%. وعليه، فإن القيمة المسجّلة على البطاقة تُعد مخالفة للمواصفات، وتُشير إلى تضليل فى البيانات المعروضة للمستهلك.
ثانياً: من ناحية الخصائص الحسية فإنه عند إجراء التقييم الحسى للعينة، لوحظ وجود عيوب حسية واضحة، من أبرزها ظهور رائحة التزنّخ، وهى دلالة على بدء حدوث تدهور تأكسدى فى الزيت، مما يتعارض مع التعريف الحسى لزيت الزيتون البكر الممتاز، الذى يشترط فيه خلوه التام من أى عيوب حسية، مع توافر صفات مرغوبة، مثل النكهة الفاكهية.
ثالثاً: تبين من خلال الفحص الحسى، اشتمام رائحة عفن وتخمر، حيث تشير الرائحة التى تماثل رائحة العطن أو التخمر إلى تعرّض الزيت لظروف غير مناسبة، إما أثناء أو بعد الاستخلاص. وتشمل هذه العوامل: تخزين الزيت دون تصفية، مما يؤدى إلى ترسيب محتوى من الرطوبة وبقايا العجينة، والتى تحتوى على كربوهيدرات قابلة للتخمّر، مسبّبة بذلك رائحة غير مرغوبة. كما أن ترك ثمار الزيتون بعد الحصاد فترة طويلة فى بيئة رطبة قبل الاستخلاص، يهيئ أيضاً ظروفاً مناسبة لنشاط الميكروبات وحدوث التخمر داخل الثمار نفسها، وهو ما ينعكس سلباً على جودة الزيت الناتج. ومن خلال الفحص الحسى أكد خبراء المعهد أن عينات الزيوت المعروضة بأسعار منخفضة فى الشوارع، وعلى الأرصفة غير صالحة للاستهلاك الآدمى.
ورصد معد التحقيق وجود «سيريال نمبر (باركود)» على واحدة من العبوات، فقرر فتح هذا اللينك من خلال الاستعانة بكاميرا «جوجل لينس» وتبين أنه لا بيانات على اللينك ولم يتم العثور عليه على الرغم من أن الشركة المصنعة للزيوت تضعه فى منتصف الزجاجة وتشير إلى أنه يحمل جميع البيانات المتعلقة بعمليات التصنيع والجهة المصنعة، عكس الحقيقة.
يقول د. أحمد عبدالجواد، الباحث بقسم بحوث تكنولوجيا الزيوت والدهون بمعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية، إنه بعد تحليل الحموضة لعينة زيت الزيتون المشتراة من الأسواق، اتضح كونها أنها زيت مكرر تمت معادلته كيميائياً، لافتاً إلى أن «المعادلة الكيميائية» تُعد إحدى الوسائل التقنية المستخدمة لخفض درجة الحموضة فى الزيوت النباتية، إلا أنها تُستغل فى بعض الأحيان بشكل غير مشروع فى غش زيت الزيتون، حيث تُطبق على زيت الزيتون من رتبة «اللامبانتى» وهو زيت منخفض الجودة وغير صالح للاستهلاك الآدمى المباشر وفقاً للمواصفات الدولية (الصادرة عن المجلس الدولى للزيتون) والمواصفة المصرية. وأكد أن زيت اللامبانتى يتميز بارتفاع درجة حموضته (أكثر من 3.3%)، وارتفاع رقم البيروكسيد، ووجود عيوب فى الطعم والرائحة وعادةً ما يُكرر هذا النوع من الزيت لإنتاج زيت زيتون مكرر، أو يُستخدم فى مستحضرات التجميل. ويشير الباحث إلى أن هذه الممارسة غير المشروعة تمثل إحدى طرق الغش لزيت الزيتون التى تهدف إلى تحويل زيت اللامبانتى، عبر المعادلة الكيميائية، إلى ما يُشبه زيت الزيتون البكر الفائق، الذى لا تزيد درجة حموضته على 0.8%. وينتج عن التفاعل الكيميائى بين هيدروكسيد الصوديوم والأحماض الدهنية الحرة تكوُّن «الصابون»، الذى تتم إزالته لاحقاً بعمليات الغسل والترشيح، قبل أن يُعرض الزيت على المستهلك على أنه زيت زيتون بكر فائق أو بكر.
ويضيف: «تُحظر المواصفات القياسية الدولية والمحلية بشكل قاطع أى معالجة كيميائية لزيت الزيتون من رتبتى البكر الفائق والبكر. كما أن هذه الممارسة غير المشروعة لها تبعات سلبية خطيرة على الصحة العامة، وتؤثر سلباً على الجانب الاقتصادى، وتُضر بسمعة المنتج الوطنى».
وحول خطورة استخدام زيت الزيتون المغشوش، يحذر الباحث من أنه يزيد من فرص الإصابة بالأمراض الخطيرة، قائلاً: «مصادر الأمراض مثل السرطان، تأتى من الزيوت الرخيصة غير الصالحة للاستهلاك، والمواد التى تُضاف خلال عمليات الغش».
زيوت غير مطابقة للمواصفات
الغش، بحسب المهندس عبدالله الحجاوى، رئيس الجمعية الأهلية لحماية البيئة بشمال سيناء وصاحب مزرعة زيتون، من بين الأمور التى ساهمت فى تراجع المساحات المزروعة من الزيتون، إذ يلجأ بعض التجار إلى خلط زيت الزيتون بزيوت طعام أخرى، والتى لا يتجاوز سعرها 60 جنيهاً للكيلو، حيث يضيفونها بنسبة قد تصل إلى 60% من العبوة ثم يبيعون المنتج على أنه زيت زيتون بسعر لا يزيد على 200 جنيه للكيلو.
شركة تعرض «أون لاين» مكسبات طعم ولون ورائحة «أسانس» بسعر يبدأ من 750 جنيهاً لـ200 مللى تكفى لتحويل 50 لتر زيت طعام إلى المواصفات الحسية لزيت الزيتون
وألمح إلى أن عمليات الغش تلك تسببت فى عزوف المستهلكين عن شراء زيت الزيتون، وأن حالة الخوف من عمليات الغش، التى أصبحت منتشرة مؤخراً، جعلت تسويق الزيوت صعباً للغاية، والمزارع أصبح عاجزاً عن بيع إنتاجه بعد عصره، قائلاً: «عصرت محصولى السنة اللى فاتت، ولسه باقى منه زيت كتير فى المخازن ومش عارف أبيعه، علشان الطلب قل، بسبب الخوف من الغش من ناحية ومن ناحية تانية وجود عبوات كتير مغشوشة بأسعار رخيصة، والناس بتشترى الأرخص، بيقولوا أهو زيت نمشى بيه الحال وخلاص».
وعن جودة «زيت الزيتون» الموجود بالأسواق يقول د. منير عيد، الأستاذ بقسم بحوث الزيوت بمعهد تكنولوجيا الأغذية، إنه أجرى مع زملاء له بالمعهد مسحاً على الزيوت المستوردة والمحلية، من خلال عينة عشوائية، وأظهر المسح أن هناك نحو 70% من الزيوت المباعة غير مطابقة للمواصفات المكتوبة على الزجاجة.
ويؤكد: «وجدنا عبوات مدونة عليها عبارة زيت بكر ممتاز، إلا أنه طبقاً للمواصفات الدولية لا ينطبق عليه ذلك، بل إن بعض الأنواع التى كان مكتوباً عليها هذه الصفة وجدنا أنها درجة عادية بل وتقترب أحياناً من أن تكون غير صالحة للاستهلاك الآدمى»، مشيراً فى الوقت نفسه إلى أنه بجانب رصدهم وجود «معاصر» لا تراعى الاشتراطات العلمية السليمة لإنتاج زيت الزيتون، كان هناك أيضاً منتجون يلتزمون بالتوصيات الفنية فى الإنتاج.
ويقول د. محمد فوزى، باحث أول بمعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية، قسم بحوث الزيوت والدهون، إنه نظراً للظروف الاقتصادية وارتفاع أسعار زيت الزيتون يلجأ بعض «معدومى الضمير» وباحثى «الربح الحرام» إلى الغش عن طريق خلط زيت الزيتون عالى الجودة بآخر ردىء، متحدثاً عن طرق الغش الأشهر قائلاً: «يكون من خلال إعطاء الزيت رتبة أعلى من رتبته على بطاقة البيانات الخاصة بالمنتج، على سبيل المثال تكتب عبارة زيت زيتون بكر ممتاز Extra virgin olive oil على العبوة، بينما هو أقل رتبة من ذلك، وقد يكون زيت زيتون بكر Virgin olive oil أو الرتبة العادية Ordinary olive oil».
من بين طرق الغش الأخرى التى يتحدث عنها الباحث بمعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية إضافة أوراق الزيتون أثناء الاستخلاص لإكساب الزيت الناتج صفات حسية أفضل، أو عن طريق خلط زيت الزيتون بزيت زيتون أقل جودة، أو بزيوت نباتية أخرى أقل فى القيمة الصحية والغذائية بهدف زيادة الأرباح.
مواطن يشترى «عرض أون لاين» ويفاجأ بمذاق غير طبيعى ورائحة منفّرة «خالد»: «حاولت أسترد فلوسى ففشلت وفى الآخر رميت الكمية كلها»
وأوضح أنه تم الحصول على عينات من السوق المصرية تُباع على أنها زيت زيتون أصلى وهى عبارة عن «زيت صويا» مضافة إليه مواد ملونة وأخرى مكسبات طعم ونكهة، مؤكداً: «هناك عملاء أتوا إلى معهد بحوث تكنولوجيا الأغذية لتحليل عينات زيتون تم شراؤها من مصادر مختلفة، وبالتحليل ثبت أنها ليست زيت زيتون من الأساس».
ويؤكد د. محمود بسيم، أستاذ الكيمياء العضوية التطبيقية المساعد بقسم الكيمياء - كلية العلوم - جامعة الأزهر، أن من أشهر طرق غش زيت الزيتون حالياً، خلطه بزيوت نباتية أرخص مثل دوّار الشمس أو الصويا أو النخيل وأحياناً بنسب قليلة يصعب كشفها بمجرد قياس الأحماض الدهنية، مؤكّداً أن هذا النوع من الغش يُكتشف بتحاليل متقدمة مثل قياس مستويات «الستيرولات والترايجلسريد» التى تختلف من زيت لآخر، قائلاً: «الخلط أوقات بيتم بزيوت مكررة أو مزالة الرائحة وبيعها على أنها بكر ممتاز، والبعض يلجأ إلى إضافة صبغات خضراء مثل كلوروفيلينات النحاس وهى إضافات ألوان غير مسموح بها».
ويؤكد حسين أبوصدام، نقيب الفلاحين، أن غش زيت الزيتون جريمة تؤثر على الجميع، وبشكل مباشر على المستهلك الذى يشتريه على أمل أن يُفيده صحياً، وأن هناك منتجات منخفضة السعر يتم بيعها عبر السوشيال ميديا ومع الباعة الجائلين، مصنوعة «تحت بير السلم»، قائلاً: «بننصح الناس إنها تبعد عن المنتجات المجهولة حتى وإن كانت رخيصة، لأن بعض الشركات أو التجار سيئى السمعة بيغشوا علشان يكسبوا».
عمليات غش
ويرى خبراء الزيوت أنه على الرغم من دقة عمليات الغش وصعوبة كشفها ظاهرياً لكونها تتطلب إجراء اختبارات معملية باهظة الثمن، إلا أنه يمكن للمستهلكين اختبار جودة وصلاحية الزيت بأنفسهم، حسبما يؤكد د. منير عيد، الأستاذ بقسم بحوث الزيوت بمعهد تكنولوجيا الأغذية، الذى يشير إلى أن هناك اختبارات حسية تعتمد على الطعم، يمكن الاعتماد عليها لتقدير جودة الزيت بشكل مبدئى ومعرفة العيوب التى حدثت خلال مراحل إنتاجه، بداية من وجود ثمار الزيتون على الشجر، وحتى مرحلتى العصر والتخزين.
أستاذ «بحوث الزيوت»: «أجرينا مسحاً على الزيوت المستوردة والمحلية من خلال عينة عشوائية
وبحسب د. محمد فوزى، الباحث بمعهد تكنولوجيا الأغذية، فإن هناك طرقاً أخرى للكشف عن الغش بحيث يتم وضع عبوات الزيت فى «الفريزر» لمدة لا تقل عن ساعتين، فإذا تجمد الزيت بشكل كامل وأصبح مثل السمن وانعدم به أثر الزيت السائل فهذا يعنى أنه زيت أصلى وذو جودة عالية، أما إذا مال للاصفرار وتبقت بعض أجزاء منه على شكل زيت سائل فهذا يعنى أنه غير أصلى.
وأكد أنه يمكن أيضاً تعريض زجاجة الزيت لضوء مباشر، فإذا كان لون الزيت أحمر فإنه من النوع الجيد، أما إذا تحول لونه إلى الأخضر أو الأصفر فهو زيت مغشوش، وإذا انبعث الضوء فهو مغشوش، أما إن كان الضوء مكتوماً فهو بذلك زيت جيد.
اختبار الثلاجة
لكن د. محمود بسيم، أستاذ الكيمياء العضوية التطبيقية المساعد بقسم الكيمياء - كلية العلوم - جامعة الأزهر، يؤكد أن بعض الاختبارات المنزلية المنتشرة غير موثوقة، فـ«اختبار الفريزر» على سبيل المثال يعتمد على التجمّد أو التعكير لكنه يتأثر بالسلاسل الدهنية وطبيعة الصنف، ما يعنى أن هناك زيوتاً مغشوشة يمكن أن تتجمد والعكس صحيح، كذلك اختبار الضوء أو اللون لا علاقة له بالأصالة لأن اللون يمكن التلاعب به، ومن ثم يمكن ألا تمر الشمس من الزيت رغم كونه مغشوشاً.
ويوضح أن هناك بعض العلامات الأخرى التى يمكن للمستهلك ملاحظتها عند شراء زيت الزيتون قد تساعد فى كشف الغش، قائلاً: «زيت الزيتون البكر الممتاز رائحته وطعمه ثمرى، وفيه نَفَس من العشب الأخضر أو ورق الطماطم أو الخرشوف، وشوية مرارة ولذعة واللون بيكون ذهبى وممكن أخضر بحسب الصنف وتوقيت الحصاد ودرجة الترشيح، لكن عايز أأكد إن اللون مش معيار جودة ويمكن التلاعب به من خلال إضافة الصبغات».
رئيس جمعية حماية البيئة بشمال سيناء: عصر الثمار المتساقطة من الأشجار بعد تعرّضها لظروف غير صحية يفقدها صلاحيتها للاستهلاك الآدمى
يعود المهندس عبدالله الحجاوى، رئيس جمعية الحفاظ على البيئة بشمال سيناء وأحد أصحاب مزارع الزيتون، للحديث، مؤكداً أن عمليات الغش لا علاقة للمُزارع بها، لأنه لا مصلحة له فى الغش، خاصة أنه يسلم الزيتون ثماراً سليمة منتقاة؛ حفاظاً على سمعة مزرعته، ولكن من وجهة نظره فإن هناك تجاراً يقومون بعصر الثمار المتساقطة من الأشجار منذ فترة، بعدما تعرضت لظروف غير صحية أفقدتها صلاحيتها للاستهلاك الآدمى، قائلاً: «الثمار دى بتكون تعرضت لكل أنواع الملوثات واللى منها الحشرات، ولازم تترمى ولكن منعدمى الضمير بيلموها ويعصروها، وده بخلاف إنه ضار بالصحة لكنه كمان بيزود نسبة الحموضة والتزنخ، ورغم إن الزيت بيكون غير صالح للاستخدام إلا إنه بيتباع بسعر رخيص، وهنا بيكون آه زيت زيتون لكنه مغشوش خلال مرحلة التخزين والعصر لأن الثمار نفسها مش نضيفة».
ويوضح د. محمود بسيم، أستاذ الكيمياء العضوية التطبيقية المساعد بقسم الكيمياء - كلية العلوم - جامعة الأزهر، أن سوء التخزين قد يشبه الغش فى بعض النتائج، قائلاً: «الضوء والحرارة والأكسجين بيسرعوا عملية الأكسدة، وده يؤدى لظهور عيوب التزنخ وتهبط درجة الزيت، وطبعاً دى كلها نتاج لسوء التخزين».
وهنا يحذر أيضاً المهندس عبدالله الحجاوى، رئيس جمعية الحفاظ على البيئة بشمال سيناء، من تخزين الثمار فى أكياس بلاستيكية لأنها تزيد من درجة الحرارة لعدم وجود متنفس، قائلاً: «الثمار بتتنفس علشان كده ما ينفعش تتخزن فى أكياس بلاستيك، أو تتكدس فى مساحة صغيرة، لأن ده بيرفع درجة الحرارة وبكده الحموضة والتزنخ هيزيدوا».
وأضاف مؤكداً أن أصناف الزيتون الإسبانى مثل «البيكوال والكورونيكى والكوراتينا» من أجود الأنواع عالمياً، لكونها تتميز بمواصفات عالية فى نقاء الزيت وخلوه من العوالق، موضحاً: «نسبة الزيت المستخلص من الأصناف دى بتكون 11% عند العصر فى بداية الموسم فى منتصف سبتمبر، وإذا تأخر العصر لنهاية الموسم فى نوفمبر، فإن النسبة ترتفع وتصل لـ14%، وفى بعض الأصناف زى الكوراتينا والكورونيكى ممكن توصل النسبة لـ27% فى ذروة الموسم لكن الصفات بتكون أقل شوية من باقى أنواع الزيتون، لكن الجودة بتكون معقولة برضه».
«عيد»: بعض المعاصر لا تراعى الاشتراطات العلمية السليمة للإنتاج وتستخدم تكنولوجيا متواضعة
للحفاظ على جودة زيت الزيتون خلال مراحل التخزين التى تعقب العصر، يقول د. منير عيد، الأستاذ بقسم بحوث الزيوت بمعهد تكنولوجيا الأغذية، إنه يجب عدم وضع زجاجات الزيت معرضة للشمس أو الضوء المباشر، ويجب ألا تزيد درجة حرارة المكان المحفوظة به على 25 درجة مئوية بحد أقصى، ويفضل أن تكون أقل من ذلك بكثير ولو حتى 13 درجة مئوية.
وأضاف: «الزجاج الداكن اللون الأفضل لحفظ الزيت، وإن كان سعره مرتفعاً، أما الصفيح فلا بد أن يكون مطلياً من الداخل بطبقة من القصدير، ولا يوصى باستخدام البلاستيك فى حالة التخزين لفترات طويلة، لأنه مهما كان جيداً فإن له نفاذية، وبعد فترة يمكن أن يبدأ الأكسجين من خلاله فى النفاذ للزيت ويرفع نسبة الأكسدة به بما يقلل من قيمة الزيت».
يعود المهندس عبدالله الحجاوى، صاحب مزرعة زيتون بشمال سيناء، للحديث ويؤكد أن أفضل طريقة للحفاظ على جودة الزيت وتقليل نسبة الحموضة به، عصر الثمار خلال 24 ساعة من الحصاد إن كان التاجر يبحث عن الجودة المرتفعة والحموضة القليلة، وذلك لأن التأخير يزيد من نسبة الحموضة التى تكون 0.4% فى حالة العصر المباشر بعد حصاد الثمار، إلى 0.6% إذا تأخر العصر لمدة 24 ساعة، ولكن فى حالة تأخرت عمليات عصر الثمار لأكثر من هذا فإن نسبة الحموضة قد تتجاوز الـ1.5 إلى 2% وهنا يصبح الزيت غير صالح للاستهلاك الآدمى، حسب تأكيده.
ويشير «الحجاوى» إلى أن بعض المزارعين كانوا يفرشون «مفارش» تحت الأشجار لجمع الزيتون الساقط، ظناً منهم أنه جيد طالما لم يسقط على الأرض، ولكن تحليل العينات أثبت أن الزيت الناتج من الزيتون المتساقط مرتفع الحموضة وغير صالح، والنتيجة هى أن المزارعين أصبحوا يعصرون الزيتون فور الحصاد لتقليل الحموضة، وهو ما يثبت براءتهم من عمليات الغش التى تحدث، بحسب تعبيره. وأضاف: «هناك ممارسات خاطئة تحدث بعد الحصاد خلال عمليات العصر والنقل والتوزيع، حيث تقوم بعض المعاصر بخلط الثمار التالفة مع الجيدة، بهدف زيادة الربح، وهو ما يؤدى إلى ظهور التزنخ والحموضة فى الزيت، على الرغم من أن المُزارع يكون قد سلم الثمار جيدة»، كما يلفت النظر إلى أن إضافة أى زيوت أو مواد عطرية «أسانس» للزيت بعد العصر، يعد جريمة غش أيضاً. لذلك فإن «الرقابة على المعاصر» من بين الأمور التى يطالب بها «الحجاوى» لضبط جودة زيت الزيتون، خاصة أنها تعتبر «الحلقة الأضعف»، حسب تعبيره، فى منظومة الزيتون، ولا تخضع لإشراف كافٍ من الجهات المعنية، ومنها تبدأ عمليات الغش التى تُفقد المنتج قيمته الغذائية وجودته وتؤثر على سمعته، حسب تأكيده.
وعن الجانب الاقتصادى، يقول «الحجاوى» إن تكلفة إنتاج الزيت تضاعفت بشكل كبير، إذ يحتاج الكيلو الواحد من الزيت إلى حوالى 8 كيلوات من ثمار الزيتون فى المتوسط، علماً بأن متوسط سعر الكيلو 60 جنيهاً، ومع حساب تكلفة الجمع والعمالة والتى كانت الموسم الماضى 2.5 جنيه للكيلو الواحد، وأجرة العصر 2.5 جنيه للكيلو، بخلاف نفقات النقل والكهرباء، وهنا يصل سعر الكيلو إلى نحو 520 جنيهاً فى بعض المواسم، وفى بعض الأوقات يضطر المزارع للبيع بأقل من التكلفة بسبب ضعف القوة الشرائية. قائلاً: «لو كنت بعت زيتون مزرعتى أخضر السنة اللى فاتت كنت حققت 2 مليون جنيه، لكنى عصرته وبعدها عانيت فى تسويقه ولحد دلوقتى عندى كميات من الموسم اللى فات، وكل ده بسبب عمليات الغش اللى خلت الناس تخاف تشترى، وبعد ما كان فيه زبائن كتير دلوقتى العدد محدود».
عمليات الغش فى صناعة زيت الزيتون
عمليات الغش فى صناعة زيت الزيتون تؤثر بشكل مباشر على صحة المستهلكين، فضلاً عن تأثيرها على سمعة الصناعة نفسها، ومع تزايد عمليات الغش فى هذا القطاع يستعرض مصطفى جمال، المحامى، الجهود التشريعية والتنظيمية لمكافحة هذه الظاهرة، حيث تم تطوير العديد من التشريعات التى تركز على منع الغش التجارى بكل أشكاله. ويقول إن أحد أبرز هذه الجهود يتمثل فى القانون رقم 48 لسنة 1941، المعروف باسم «قانون قمع الغش والتدليس»، وهو من أقدم القوانين التى تناولت مكافحة الغش بشكل عام، حيث وُضع لمعاقبة من يقومون بالغش التجارى فى أى منتج، بما فى ذلك زيت الزيتون، أما مع تطور السوق وازدياد الحاجة إلى تشريعات أكثر شمولاً، فقد تم تطوير القوانين لتصبح أكثر صرامة، مثل قانون حماية المستهلك رقم 67 لسنة 2006، الذى يركز على حماية حقوق المستهلك وتوفير منتجات عالية الجودة: «الجهود لم تتوقف عند هذا الحد، ففى عام 2017 تم إصدار قانون سلامة الغذاء رقم 1 لسنة 2017، الذى ينظم بشكل شامل سلامة جميع المنتجات الغذائية، بما فى ذلك زيت الزيتون، ويعزز الرقابة على كافة مراحل إنتاج وتوزيع زيت الزيتون لضمان التوافق مع المواصفات القياسية التى تحددها الهيئة المصرية للمواصفات والجودة».
يرى المحامى مصطفى جمال أن التحدى الحقيقى لا يكمن فى النص القانونى بقدر ما يكمن فى فاعلية التنفيذ، فغياب الرقابة الدورية، أو ضعف الوعى المجتمعى، والتراخى فى إنفاذ العقوبات، عوامل تقلل من الأثر الردعى للتشريعات، قائلاً: «الردع لن يتحقق إلا من خلال ثلاثية واضحة: تطبيق صارم للقانون، تعزيز مستمر للرقابة الفنية والتكنولوجية، وتوعية شاملة للمستهلكين، بهذه العناصر فقط يمكن أن تتحول النصوص من مجرد قواعد مكتوبة إلى ضمانة عملية لحماية صحة المستهلك واستقرار السوق».
وقد حاولنا الاتصال بالدكتور طارق الهوبى، رئيس الهيئة القومية لسلامة الغذاء، ثم إرسال رسالة نصية له، فى محاولة لمعرفة جهود الهيئة فى ضبط تلك الممارسات التى تهدد جودة منتج غذائى مهم كزيت الزيتون، وما يستتبع ذلك من مخاطر على صحة المواطنين، وتلقينا بعدها اتصالاً من أحد أعضاء المكتب الفنى له، ووعدنا بالرد على استفساراتنا والوقائع التى عرضناها آنفاً، إلا أنه ورغم مرور أكثر من أسبوع على اتصاله لم نتلق رداً.
وحتى يأتى الرد، يقترح المهندس عبدالله الحجاوى، رئيس الجمعية الأهلية لحماية البيئة، إنشاء جمعية تُعنى بكل ما يتعلق بالزيتون فى مصر، بجانب دعوته لوجود سياسة زراعية رشيدة تدعم الأسواق وتحدد الأصناف المناسبة وتراقب المعاصر، حتى لا تضيع سمعة زيت الزيتون المصرى عالمياً، بينما يحلم د. محمد فوزى، باحث أول بمعهد بحوث تكنولوجيا الأغذية - قسم بحوث الزيوت والدهون، بأن يكون لدى مصر كيان كبير يضم العلماء والخبراء فى مجال الزيتون ومنتجاته، وأن تكون مهمة هذا الكيان دراسة نقاط القوة والعمل على تطويرها وزيادة الفرص التصديرية ومواجهة التهديدات التى تواجه القطاع بأكمله من تغيرات مناخية ومنافسة دولية وتكويد المزارع والمعاصر، حتى تقل عمليات الغش التى تؤثر سلباً على سمعة ومكانة زيت الزيتون المصرى وصحة المستهلكين.

