مصطفى عبادة لـ«الوطن»: الإسلام السياسي تحالف مع كل ما هو ضد مصر
مصطفى عبادة لـ«الوطن»: الإسلام السياسي تحالف مع كل ما هو ضد مصر
أجرى الحوار: السيد العديسى
تصوير - عدنان عماد
سنوات عديدة قضاها مصطفى عبادة متقصياً أثر الكاتب المصرى الكبير نجيب محفوظ دون كلل أو تعب، قرأ تقريبا كل حرف تركه أديب نوبل، حفظ عن وجه قلب افتتاحيات رواياته، وجمع أخباره، وتتبَّع سيرته، كما أنه كان المحرر المختص بتحرير وإعداد مقالاته.
الغريب فى الأمر أن «عبادة» لا يتعامل مع إرث «محفوظ» كباحث أو ناقد أو حتى كتلميذ يتقصَّى ما وصل إليه أستاذه، بل كان يتعامل كمحب، كمريد يتلمَّس خطى شيخه، وينظر إلى عالمه نظرة العاشق الذى ينهل منه ما يعينه على الطريق.. الطريق الذى بدأه الكاتب فى بلاط صاحبة الجلالة مستعيناً بالشعر والبحث والكتابة.
- هذا الكتاب جاء نتيجة تأملاتى فى الواقع المصرى بعد عام 2011، وبعد صعود جماعة الإخوان المسلمين المدعومين من جهات مختلفة، ومن كل أجهزة المخابرات فى العالم باستثناء الشرق، أى باستثناء الصين والهند والدول الشرقية. أما العالم الغربى كله فكان داعماً لصعود الإخوان، لأن الإسلام السياسى بشكل عام، ليس فى مصر فقط بل فى المنطقة العربية كلها، يمثل أداة تفتيتية، فكرة تكره القومية، وليس فكرة توحيدية، فالدين الذى نزل من عند الله ليجعل البشر جميعاً متساوين تحوَّل على أيدى هؤلاء إلى فكرة عنصرية تفتيتية.
أنا كمصرى وطنى هو مصر، ودينى هو الإسلام، ولغتى هى العربية. بالنسبة لى هذه مسألة محسومة: لا تقُل لى «الإسلام وطن»، هذه مقولة خادعة وقاتلة، فأنت يمكن أن تكون مسلماً فى إندونيسيا، لكنك إندونيسى مسلم، أى إنك إندونيسى أولاً ثم مسلم، وليس العكس، وأنا كذلك مصرى مسلم، فالهوية تسبق الدين.
هذا الكتاب «الخطاب الإسلامى» يتناول القضايا التى انشغلت بها أثناء صعود موجة الإسلام السياسى ومحاولته السيطرة على مؤسسات الدولة كافة. تناولت الموضوع من زاوية مختلفة: إذا كان هذا هو النمط من الإسلام الذى يُراد فرضه على المجتمع المصرى، وهو نمط عنيف، إقصائى، نفعى، وبراجماتى، فإن هناك فى المقابل مشروعات فكرية كثيرة حاولت تجديد الفكر الإسلامى على مدى القرن العشرين كله.
رصدت فى الكتاب ثمانية عشر مشروعاً حاولت تجديد الفكر الإسلامى وفشلت، مثل مشاريع: شكيب أرسلان، محمد عبده، على عبدالرازق، مالك بن نبى، الطاهر الحداد من تونس، حسن حنفى، محمد إقبال، عبدالله العروى، محمد أركون، محمود محمد طه من السودان، على الوردى من العراق، زكى نجيب محمود، حسين مروة، ونصر حامد أبوزيد، وهو من أبرز من حاولوا تجديد الفكر الإسلامى، وكان أحد أعمدة ما يسمى الخطاب الإسلامى الجديد.
ومن ضمن ما تناولته فى الكتاب الإشارة إلى كتاب لمحمد إقبال بعنوان «تجديد الفكر الدينى فى الإسلام»، وهو فى الأصل باكستانى، هذا الكتاب -بالمناسبة- صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ثم سُحب من الأسواق أثناء حكم الإخوان، كنت أبحث عنه، ثم حصلت عليه بعد ذلك من بائع كتب قديمة، اشتريته كنسخة مستعملة.
الكاتب الكبير: أفكار «الإخوان» خرَّبت الوعي.. وأدت إلى انفلات سلوكي خطير.. وفكرة «المصرية» تسبب الرعب لهم
■ لماذا يخاطر الإخوان بمصادرة كتاب ما على عكس الشعارات التى كانوا يرددونها فى ذلك الوقت؟
- لأن الكتاب يضرب أفكارهم فى مقتل، ويُعرِّى الكثير من أهدافهم الدنيئة، كما أنه يحوى أفكاراً جريئة منفتحة جداً، وتعبِّر عن اتجاهات مستنيرة ترى الإسلام دين حياة ودنيا، لا دين آخرة فقط، أما الإسلام السياسى فيتعامل مع الإسلام كدين آخرة، ويرى أن كل تخلف العالم الإسلامى ناتج عن الابتعاد عن الدين، فى حين أن العالم المتقدم اليوم هو فى معظمه العالم الشرقى، كاليابان والصين والهند، وهى دول بوذية فى الأساس، على سبيل المثال 70% من مهندسى شركة مايكروسوفت من أتباع الديانة البوذية، أى من ثقافة لا علاقة لها بالأديان السماوية.
هذا الكتاب كان تجربة أحببتها جداً، وعملت عليها بجد، وبالمناسبة نشرتُ أجزاءً منه على حلقات فى «الأهرام العربى»، وحصلت بسببه على جائزة الصحافة العربية، وقد عبَّرت فيه عن آرائى الأساسية حول حضور الدين فى المجال العام، وقلت إن المجال العام ملك للجميع: المسلم، والمسيحى، والملحد، والشيوعى، واليسارى، وغيرهم، وإنه لا بد إذاً من إخراج الدين من المجال العام، لأن المجال العام هو مساحة مشتركة بين جميع المواطنين، بغضِّ النظر عن عقائدهم، وأى حكومة فى العالم مسئوليتها الأساسية هى حماية المجال العام والمال العام، فإذا فشلت فى ذلك فقدت مبرر وجودها.
■ هذا التشدد كان يخدم تياراً بعينه وهو ما تسبَّب فى مشكلات كثيرة وانفلات دينى!!
- ذلك الانفلات الدينى الذى حدث، وذلك «الإسلام الشكلى» الذى لا يمت إلى الحياة بصلة، كشف لنا بوضوح لأول مرة أن جماعة الإخوان تمثل نوعاً غريباً من الإسلام، غريباً تماماً عن الروح المصرية، ومنفصلاً عن الواقع، يعتمد وجودهم على استمرار الفقر، لأن وجود الفقراء هو ضمان لبقاء مشروعهم، ولذا فإن أى تقدم أو تنمية هو ضد فكرة الإخوان، مع أنهم كجماعة وكأشخاص ينتمون للرأسمالية العالمية، ويعبِّرون عن فكرة الليبرالية الجديدة التى يتبناها متطرفو الرأسمالية.
لقد كانوا سبباً رئيسياً فى إعاقة التنمية فى مصر، منذ أن بدأوا عملياتهم الإرهابية فى الشوارع، وضربوا السياحة منذ الثمانينات حتى أحداث 2011. كانت الحرب ضد الإرهاب هى العنوان الدائم، لأن الإرهاب كان منتجاً لواقع ثقافى متخلف، وهم نموا فى هذا الواقع، فى واقع متراجع ومتخلف فكرياً وإنسانياً. العمليات الإرهابية فى الثمانينات كانت التمهيد الأخطر لما جرى فى عام 2011، بسبب الأثر الاجتماعى لتلك العمليات التى تسللت إلى المجتمع، فأغرقت الناس فى الغيبيات، وغابت الرؤية التحديثية الحقيقية.
كانت مصر فى تلك الفترات متقدمة اقتصادياً، وشهدت حركة ثقافية نشطة، لكن الإخوان ظلوا طوال الوقت يقفون بالمرصاد، يعترضون على الكتب، ويهاجمون المثقفين من خلال أعضائهم فى البرلمان، وكانت معارك كثيرة تدور حول حرية الفكر والنشر فى التسعينات وبداية الألفية الجديدة. لقد كان الإخوان بالفعل مرآةً تعكس الصراع بين الفكر الحر والانغلاق، حتى إنهم كوَّنوا لجاناً خاصة مهمتها قراءة كل المجلات والصحف، وإرسال رسائل بريدية للرد على ما يُنشر فيها، وكنتُ أثناء عملى فى بعض مجلات الأدب أتلقى شهرياً خطابات نقد لكل ما ننشره.
لا بد من إخراج الدين من المجال العام لأنه مساحة مشتركة بين جميع المواطنين أياً كانت عقائدهم
■ بعد عام 2011 كشف الواقع المصرى عن أمراض كثيرة لم يكن أحد يتخيلها فى مجتمع حضارى كمجتمعنا، ما السبب فى ذلك؟
- السبب المباشر كان أفكار الإسلام السياسى التى خرَّبت الوعى، وأدت إلى انفلات سلوكى خطير، إذ دمَّر الإسلام السياسى المجتمع من الداخل، وتحالف مع كل أعداء الوطن، حتى صار ما يقوم به اليوم يرقى إلى حد الخيانة الفعلية، الإسلام السياسى يتحالف مع كل ما هو ضد مصر، لأن فكرة «المصرية» فى حد ذاتها مرعبة له.
الهوية المصرية ليست مجرد جنسية، بل هى مجموعة من القيم والأفكار التى تؤمن بالحب والتسامح والفهم والبساطة والرقى والروحانية الصافية، الروحانية التى تأسست عليها أول حضارة فى العالم آمنت بالحياة الأخرى، وقد تجلى ذلك فى الفنون والموسيقى والشعر وكل مكونات الإبداع المصرى، ولهذا السبب يتآمر الإسلام السياسى على كل ما يرمز إلى هذه الهوية، لأنها ببساطة ضد وجوده.
وحين نتحدث عن الهوية تعرف أنه ليس من قبيل الصدفة أن يختار الرئيس السيسى شعار أعمدة الشخصية المصرية السبعة شعاراً لمنتدى شباب العالم فى دورته الثانية فى الفترة من الثالث حتى السادس من نوفمبر من عام 2018.
ضع هذا الشعار العظيم إلى جوار جملة الرئيس السيسى التى وردت فى خطابه فى المنتدى ذاته بشأن «الوعى الحقيقى والوعى الزائف» وستعرف أن مصر تتغير، ضع منتدى شباب العالم بجوار كل ما يتحقق على الأرض من أمن واستقرار وستعرف أن مصر تمارس دورها المعهود عنها، والمعروف بصنع الحضارة وتوزيعها على الناس، وهو دور يخفت حيناً بفعل عوامل من خارجه، لكنه يتجلى ويتضح فى كل حين بعوامل ذاتية كامنة فيه، فحين يتحدث المصرى عن نفسه لا يستجدى وجوده ولا يبرره، وهو قليل الكلام عن نفسه، وحين يفعل يخترع البلاغة الجديدة، والكلام الجديد ثم يردده الآخرون عنه.
كان شعار أعمدة الشخصية المصرية السبعة، والإشارة الذكية فى خطاب الرئيس إلى الوعى الزائف، إشارة إلى النهج الواعى بالذات ومحاولة استعادتها، وأعتقد أن ما يتم فى الثقافة والإنتاج الدرامى، وفى المشاريع الكبرى المستقبلية، هو ترجمة لهذا الوعى الجديد الذى أراد له الرئيس أن ينتشر، فحين يشعر الشعب الأصيل بأن وجوده مهدد وأن بين ظهرانيه من يتحدث لغة أجنبية، لغة لم يعرفها ولم يتعودها، سيخرج مصرى من بين المصريين، رافعاً كتابه بيمينه «هذا كتابى، وهذا أنا»، كان ذلك المصرى هو ميلاد حنا، الفرعونى القبطى، المسلم المتحضر، وكان كتابه «الأعمدة السبعة للشخصية المصرية»، واصلاً الحقب والعصور، واضعاً يده على الأعمدة الرئيسية التى تشكل وجدان المصرى، وكذلك تتشكل هذه الأعمدة أيضاً فى وعى الرئيس عبدالفتاح السيسى، الذى تجمع رئاسته بين الأعمدة السبعة، ليتصل التاريخ، وتكتمل الدائرة، وتعود مصر إلى ممارسة هوايتها، وأقدم صناعاتها، وهى صنع الحضارة.
المتحف المصرى الكبير هدية مصر للمستقبل.. ليس للأجيال المصرية والعربية فقط بل لكل أجيال العالم.. والحضارة المصرية قرنت العلم بالوجدان والفن
■ بمناسبة الحديث عن مصر الحضارة، ما شعورك ونحن نحتفل بافتتاح المتحف الكبير؟
- أقل ما يقال عن المتحف المصرى الكبير هو أنه هدية مصر للمستقبل، ليس لمستقبل الأجيال المصرية والعربية فقط، بل لكل أجيال العالم، وأوسط ما يقال أنه علامة نهضة وحفز لهمم المصريين لمواصلة صُنع الحضارة، بالعلم والفن، بالعقل والوجدان. الحضارة المصرية من أندر الحضارات التى قرنت العلم بالوجدان والفن، فكما اهتمت بالهندسة والفلك، اهتمت بالنحت والرسم، وأعلى ما يقال عن المتحف المصرى العظيم، هذه الدرة الفريدة، أنه علامة على أن ماضى مصر هو مستقبل العالم
■ سبق لك أن عملت على تحرير مقالات الكاتب الكبير نجيب محفوظ.. حدثنا عن هذا الأمر!
- نجيب محفوظ كتب تسعمائة وتسعةً وتسعين مقالاً، أى ألف مقال إلا مقالاً واحداً، منذ أيام «المجلة الجديدة» التى أسسها سلامة موسى فى عشرينات القرن العشرين وحتى مقالاته الأخيرة فى الأهرام. هذه المقالات طُبعت متفرقة فى كتب خلال حياة نجيب محفوظ.. ثم توفى فكان من الضرورى أن يُعنى المشروع بتصنيف وفهرسة وتحقيق هذه المقالات، لأن فى بعض المقالات معلومات مضى عليها الزمن، وعندما يتحدث محفوظ عن أمور قبل سنوات طويلة فإنه لا يشرح دائماً الخلفيات التاريخية. لذلك بذلت جهداً استمر أربع سنوات صنَّفتُ خلالها هذه المقالات موضوعياً، ثم صنَّفتُها تاريخياً داخل كل موضوع، ووضعت خلفية لبعض الأحداث التاريخية التى تناولتها بعض المقالات، أيضاً كتبتُ مقدمة طويلة جداً احتلت فصلاً كاملاً عن القضايا الكبرى التى عالجها نجيب محفوظ فى مقالاته، ومقارنتها بالقضايا التى عالجها فى رواياته.
أظن أن هذه الفكرة نبتت لدىَّ أثناء عملى على المقالات. واكتشفت أنه فى مقالاته كان إصلاحياً، أما فى رواياته فكان ثورياً إلى حد كبير، الرواية عنده ثورية ومحرضة على فكرة التغيير، وقد خلق شخصيةً مثل «أمينة» فى الثلاثية ليُظهر كارثية الاستسلام والضعف، فشخصية أمينة ليست شخصية نمطية عادية، وقد كان محفوظ مولعاً بتجسيد بطل مركزى فى أعماله، مثل سعيد مهران أو رؤوف علوان، شخصيات تتناقض مع بعضها، وتقديم نماذج متعددة. سعيد مهران يمثل النبل والثورية، عكس رؤوف علوان، على سبيل المثال، الذى يمثل الخيانة العارية، وفى مقابل البطل المنهزم أو الممسوح تقف شخصية «بنت الليل» عند نجيب محفوظ كنموذج للمرأة الإيجابية المتحررة، متحررة بمعنى الموقف الفكرى والأخلاقى من العالم.
نجيب محفوظ تنبأ بسقوط الإخوان.. والإخواني فى رؤيته شخص مشوه يعادي كل شيء
كما تأمَّلت حوارات نجيب محفوظ، فهو يمتلك ثلاثة مستويات فى حواراته: حين يتكلم إلى الصحف المصرية، وإلى الصحف العربية، وإلى الصحف الأجنبية. مع الصحف الأجنبية يكون أكثر حرية، ومع الصحف العربية أكثر احتراساً، ومع الصحف المصرية أكثر تحفزاً وتأثيراً. أشير هنا إلى حواره مع «شرويت شبراوى»، وهو حوار مهم يجب أن أذكره، ففيه يقول إن الدين ليس مجرد طقوس وعبادات مثل الصلاة فقط، وقال عن الحجاب إنه عادة اجتماعية تعود إلى الكسل، فحين ظهرت الصحوة الإسلامية كان الحجاب علامتها المهمة، فوجدت فيه النساء حلاً سهلاً. هذا الكلام ورد فى الصحافة الأجنبية، أما فى الصحافة العربية والمصرية فالموقف كان مختلفاً إلى حد ما. نجيب محفوظ إنسان ذكى للغاية ونموذج للمصرى الليبرالى، أذكر أنه كان له مقال بعنوان «يا زعيمى» -يقصد به زعيمين يستحقان الاحترام- وعندما تقرأ المقال تشعر أنه يلعن عبدالناصر لفظياً، فهو لا يرى زعامة فى مصر إلا لزعيمين اثنين: سعد زغلول ومصطفى النحاس. موقفه كان وفدياً بامتياز، أما موقفه من جمال عبدالناصر فكان أنه «الرئيس العسكرى الذى لم يحقق نصراً عسكرياً واحداً»، كما شبَّه أنور السادات بأنه مماثل لهتلر.
نجيب محفوظ - فى نظرى - كنز سيُكتشف أكثر فأكثر، لأمر بسيط: هذا الرجل لم يهتم على الإطلاق إلا بفكرة المصرية، بمعنى أنه كان مُنصبَّ الاهتمام على فكرة «المصرية» لا على انتماءات أخرى، لم يكن مشغولاً بفكرة الأمة العربية، بل كان مشغولاً بمصر فقط، ولم يشُب انتماءه أى تأثر آخر.
أنا أريد فقط أن أُذكِّر برواية «الشحَّاذ»، أرجو أن يقرأها أحدهم نقدياً، فهى من أعظم ما كتب نجيب محفوظ، وتستحق شرحاً وتحليلاً معمَّقاً، وكان أول من لفت النظر إلى أهميتها الدكتور محمود الربيعى، الرجل العظيم الذى أحسن الكتابة عن محفوظ بموضوعية ونزاهة. كتابه «قراءة الرواية» من أهم الكتب التى تناولت نجيب محفوظ، ثم يأتى بعده كتاب «رجال من بلادى» لرجاء النقاش الذى يُعد أيضاً من أفضل ما كُتب عن روايات نجيب محفوظ.
من قراءاتى أرى أن رواية «الشحَّاذ» جديدة تماماً فى تصوراتها، وأن نجيب محفوظ استطاع أن يخلق شخصية عظيمة، يقودنا من خلال أفكار كبرى فى القدرية والوجودية حتى نصل إلى هذا البطل المتفرد. فى المقابل، تتباين شخصيات مثل «سعيد مهران» و«رؤوف علوان» اللتين تمثلان قطبين متقابلين: الأولى تمثل النبل والثورية، والثانية تمثل مواقف الخيانة والضمور الأخلاقى، وتتنوع القراءة بين النفعية والوجودية.
■ من خلال مقالاته كيف كان موقف نجيب محفوظ من الإسلام السياسى؟
- الغريب أن محفوظ تنبأ بما حدث للإخوان، فقد كان يرى أنهم ما داموا بعيدين عن الحكم فهم شهداء ومثال يُحتذى، لكن إذا جرَّبوا الحكم فسيتم اكتشاف حقيقتهم، كما أنه كان له نظرية فى تدريس الدين والشعر فى المدارس. كان يقول: لماذا تُدرّس للولد فى مراحل الإعدادية والثانوية الشعر الجاهلى؟ بينما تُحفظه القرآن فى المراحل الابتدائية وهو طفل صغير السن طرى الأظافر، فلا يدرك معناه، فتخلق بينه وبين القرآن مهابة لا تنكسر أبداً، فيتعامل معه لا كمحبّ بل كعبد لشىء مخيف.
هذا كان رأى نجيب محفوظ فى تلك السنوات، وعبَّر عنه فى مقالاته.
بالإضافة إلى شىء مهم جداً ميَّز شخصية نجيب محفوظ، وهو أنه كان شديد الانتماء، وأقصد أنه كان ينتمى جداً إلى سلامة موسى، فسلامة موسى بالنسبة له كان فى القمة، وكان يكتب عنه بإعجاب كبير. وكان يحترم الشيخ على عبدالرازق صاحب كتاب «الإسلام وأصول الحكم». هل تعلم أن نجيب محفوظ كان موظفاً فى وزارة الأوقاف؟ وعمل مع الشيخ على عبدالرازق؟
سأخبرك بمعلومة لا يعرفها أحد عن نجيب محفوظ: كان يحب كرة القدم! وكان يريد أن يصبح لاعب كرة، وله بالفعل مقالات عن كرة القدم، وكان يحب «الشاذلى»، بل كانت له أسماء لاعبين يحبهم ويعشقهم، وكتب عنهم، هل تعلم أيضاً أن نجيب محفوظ عمل كفتوة فى كباريه، وكان يمارس رياضة الملاكمة، وكان يضرب من يسكَر أو يثير المشكلات؟ فقد كان قوياً فى شبابه.
كما أنه كتب عن النموذج الإخوانى فى إحدى رواياته (الباقى من الزمن ساعة)، وجعله شخصية تمر بمراحل وتطور، شاب يدخل الجماعة متديناً صادقاً، ثم يُعتقل، فيتملَّك منه شعور بأنه مظلوم، فيتعالى على الناس، ويعتقد أن الإسلام الذى يعتنقه هو الإسلام الصحيح الوحيد، ثم يدخل السجن فيُعذََّب، فيخرج من السجن بذات مريضة منغلقة أكثر، فيتحول إلى كائن مشوه يعادى العالم كله، وهذه كانت عظمة نجيب محفوظ، الذى لخَّص سبعين عاماً من الفكر فى رواية واحدة. إنه يشكِّل عندى الوجه الأنصع فى تاريخ الثقافة العربية عبر آلاف السنين.
الهوية المصرية ليست مجرد جنسية بل هى مجموعة من القيم والأفكار التى تؤمن بالحب والتسامح والفهم والبساطة والرقى والروحانية الصافية
■ كيف ترى تأثير القوى الناعمة فى مصر؟
- فى القرن العشرين كانت القوى الناعمة للعالم العربى كله قوى ناعمة مصرية خالصة، لكن الأجيال التى تعلمت فى الجامعات الأوروبية وعادت إلى أوطانها فى الخليج أصبحت جزءاً من هذه القوى، وزاحمت الحضور المصرى فى الثقافة، وهذا من حقها، فتم إنشاء الجوائز والمهرجانات، وبرز العديد من الكُتّاب والمثقفين العرب، بينما كانت مصر فى ذلك الوقت -بعد عام 2010 وحتى فترة قريبة قبل جائحة كورونا- غارقة فى مشكلاتها بعد ما سُمى بثورة يناير 2011، ثم الثورة العظيمة فى 30 يونيو التى أعادت للأمة المصرية ملامحها وهويتها.
الآن ألحظ ملامح نهوض ثقافى ومصالحة فكرية، فقد تعددت منابر المشروع الثقافى وتنوعت الأماكن التى تُقام فيها الندوات والأمسيات والمعارض الثقافية. تلك الحلقة كانت قد انكسرت عام 2011، قبل ذلك كانت المكتبات الخاصة والمقاهى الثقافية منتشرة فى مصر بشكل كبير جداً، لكن هذه الحلقة انكسرت بشكل مفزع بعد أحداث ما سُمِّى بـ«الربيع العربى»، ودخلنا فى مرحلة من الغيبوبة الدينية. أما الآن فمصر تستعيد ألقها الثقافى، سواء على مستوى الكتابة أو على المستوى السياسى، إذ أصبح حضورها السياسى فى العالم بارزاً، وأصبحت الصورة الذهنية عن مصر الآن هى صورة الأمة الحية والحيوية بفضل المثقفين والكُتّاب.ينقصها فقط التركيز على فكرة التنوُّع، وعلى الإنتاجات الفكرية داخل الجامعات المصرية وغيرها، والانتباه إلى الفكر والفلسفة المصريين وعلوم المصريات القديمة.
■ فى رأيك ما الدور الذى يمكن أن تؤديه الدولة لدعم القوى الناعمة لأداء دورها؟
- الدولة تتحمَّل مسئولية كبيرة جداً، فهناك مشروع تم إيقافه دون مبرر، ولا أحد سأل: لماذا توقف مشروع القراءة للجميع؟ لقد كان أحد أهم المشاريع الثقافية التى نشأت فى أواخر القرن العشرين وأوائل القرن الحادى والعشرين، لكنه توقف فجأة كأنما أصابته سكتة ثقافية. وكان إلى جانب معرض الكتاب يشكّلان الملمحين الأساسيين للثقافة المؤسسية، أى ثقافة الدولة. مشروع مكتبة الأسرة كان يضخ الدماء فى شرايين دور النشر جميعها؛ إذ كان يشترى الكتب من كل دور النشر، مما كان يخلق رواجا فى حركة النشر.