محمود فوزي السيد يكتب: «دولة التلاوة» صنعه المخلصون.. وعشقه المتعطشون
محمود فوزي السيد يكتب: «دولة التلاوة» صنعه المخلصون.. وعشقه المتعطشون
أن تكتب بحب هى أصعب أنواع الكتابة؛ فالكلمات تخرج بلمحة انحياز واضحة تصيب الكاتب وتظهر علناً فى إعلان حبه للمكتوب عنه.. إذن أعلن قبل الكتابة عن برنامج «دولة التلاوة» أننى أكتب بحب وانحياز وإعجاب شديد بكل تفاصيل هذا البرنامج الذى ما أن تقع عيناك عليه لا تملك إلا الوقوع فى عشقه؛ بالخشوع وقت الاستماع لأصوات الموهوبين يرتلون آيات من الذكر الحكيم بأصوات تلمس القلب قبل الأذن، والإعجاب بهذا المحتوى الدينى البديع المقدم فى أبهى صوره، وبالقشعريرة تسرى فى أرجاء الجسد مع صعود طفل لا يتعدى عمره 12 عاماً إلى منصة القراءة تفرح به وتدعو الله فى سرك أن يرزقك طفلاً مثله محباً للقرآن وحافظاً له؛ وبالفخر بلجنة تحكيم من كبار العلماء والقراء يتمتعون بإنسانية شديدة فى التعامل مع المتسابقين دون التنازل عن حكم من أحكام التلاوة الصحيحة، لتأتى نصائحهم للمتسابقين بمبدأ «الموعظة الحسنة» والتعليم وليس مجرد التقييم وكأنهم فى جلسة علم هدفها تعليم من يجلس أمام الشاشات أحكام التلاوة الصحيحة.
لن أبالغ إن وصفت برنامج «دولة التلاوة» أنه مشروع قومى لإحياء مدرسة التلاوة المصرية العظيمة والحرص على بقائها أبداً ما حيينا؛ فدولة التلاوة المصرية هى مدرسة متفردة من القراءة المجودة والمرتلة المصحوبة بالمقامات التى أخرجت كبار المقرئين الذين ملأوا الدنيا بهاءً بأصواتهم وكأنهم أصوات من السماء ما زلنا نخشع معها ونسعد بها حتى اليوم؛ حملوا جميعهم دولة التلاوة المصرية إلى كل الدنيا وكان وجودهم فى أى بلد فى العالم يعنى احتفالاً عظيماً يحضره مئات الآلاف بل وصل إلى الملايين أحياناً للاستماع والاستمتاع بالمدرسة المصرية فى التلاوة.. ومع كل هذا الإرث العظيم الذى تركه لنا السابقون من عظماء دولة التلاوة المصرية كانت دائماً علامة الاستفهام الكبيرة؛ أين المقرئون الجدد؟.. أين الجيل الجديد القادر على حمل لواء دولة التلاوة المصرية؟ لماذا لا يسجَّل القرآن الكريم بأصوات مقرئين جدد كما كان يحدث فى الماضى؟..
ووسط كل هذه الأسئلة النابعة من عشق دولة التلاوة المصرية خرج علينا برنامج «دولة التلاوة» حاملاً مواهب «تشرح القلب» وتعطى الأمل من جديد بأن المدرسة المصرية ما زالت تنبض بالحياة وأنها قادرة على الاستمرار وأن كل ما يلزم فقط هو القليل من البحث وخلق الفرصة من قبل مبدعين من نوع خاص فى البحث وتمهيد الطريق.
لم أتعجب عندما تم الإعلان فى الحلقة الأولى أن عدد المتقدمين للمشاركة فى البرنامج تخطى حاجز الـ14 ألف متسابق؛ لأننى أعرف أن بيننا يعيش ملايين الشباب والأطفال من حمَلة القرآن الكريم ومن أصحاب الموهبة فى التلاوة، وجميعهم مرشحون لينضموا لدولة التلاوة المصرية ولا يحتاجون فقط إلا لبعض الدعم والرعاية؛ ليأتى البرنامج المنتَج من قبل وزارة الأوقاف بالتعاون مع الشركة المتحدة ليوفرا هذا الدعم والرعاية من خلال تجربة إنتاجية فريدة ينطبق عليها قول الله سبحانه وتعالى «وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الْأَرْضِ» حيث ظهر الإخلاص من القلب فى صناعة هذا البرنامج من كل صانعيه؛ بداية من الفكرة والسعى لتنفيذها مروراً بتسخير كل الإمكانيات والأدوات إنتاجياً لضمان نجاحه، ووصولاً إلى الشكل المبهر فى الديكورات والإضاءة والإخراج والموسيقى وحتى أغنية التتر بصوت الشيخ ياسين التهامى؛ كل هذه الخطوات خرجت من قلوب مخلصة وقادرة على الإبداع والتطوير.
إخلاص شديد لأساطير دولة التلاوة المصرية بعرض سيرهم بطريقة تليق بتاريخهم بروح جديدة تجعل الجيل الحالى قادراً على اكتشافهم؛ وذلك بصوت مصرى قريب من القلب هو صوت الفنانة والإعلامية الكبيرة إسعاد يونس؛ واختيار هو الأنسب لمقدمة البرنامج آية عبدالرحمن التى تتمتع بهدوء وثقة وثقافة على مستوى الحدث.. كل تلك العناصر المبهرة جعلت من البرنامج عملاً متقناً يليق بقيمة وقداسة القرآن الكريم قبل أى شىء؛ ويليق بمكانة مصر كأهم مدرسة تلاوة فى العالم.
ثم يأتى وقت جنى الثمار، نعم جنى الثمار رغم عرض حلقتين فقط من البرنامج؛ فقد رفعه المشاهد المصرى والعربى إلى المكانة الأولى فى كافة وسائل البحث عبر شبكة الإنترنت خلال الأسبوع الماضى، وهو الدليل الأهم على حالة التعطش التى يعيشها الجمهور لمحتوى هادف قادر على جذبه وإحداث حالة من التعلق به ممزوجة بالشعور بالفخر فى الوقت ذاته؛ وهو ما يعيدنا إلى نقطة البداية أن برنامج «دولة التلاوة» صنعه مجموعة من المبدعين المخلصين بكل حب؛ وعشقه متعطشون لمحتوى يحترم المشاهد من جهة، ومتعطشون لاكتشاف أصوات جديدة فى دولة التلاوة المصرية من جهة أخرى.