نهاية مؤتمر «COP 30» في البرازيل.. «انتصار» لمنتجي النفط و«انتكاسة» للعمل المناخي
نهاية مؤتمر «COP 30» في البرازيل.. «انتصار» لمنتجي النفط و«انتكاسة» للعمل المناخي
فى ختام محادثات الدورة الـ30 لمؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP 30)، التى استضافتها مدينة «بيليم» البرازيلية، على أطراف غابات الأمازون المطيرة، خرج المجتمع الدولى باتفاق وُصف بأنه «باهت» و«مخيِّب للآمال»، بعدما خلت صياغته النهائية من أى إشارة مباشرة إلى الوقود الأحفورى، العامل الرئيسى وراء الاحترار العالمى، الأمر الذى اعتبره كثير من الدبلوماسيين «انتصاراً» لمنتجى النفط، مقابل «انتكاسة جديدة» لجهود حماية المناخ.
وبحسب تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز»، فإن الاتفاق الذى جاء محملاً بالتحذيرات من كلفة التقاعس، خلا فعلياً من خطة واضحة للتعامل المباشر مع الارتفاع الخطير فى درجات الحرارة عالمياً، فى الوقت الذى يحذر فيه العلماء من أنَّ عدم الانتقال السريع بعيداً عن النفط والغاز والفحم، سيزيد من موجات الحر القاتلة والجفاف والفيضانات وحرائق الغابات، التى تضرب أجزاءً كبيرة من الكوكب.
وجاء إنقاذ المؤتمر من الانهيار الكامل، بعد سلسلة اجتماعات ماراثونية، امتدت حتى مساء اليوم الأخير الجمعة، وأصرَّت الدول المنتجة للنفط على عدم استهداف صادراتها فى أى صياغة، وسارت على خطاها دول أفريقية وآسيوية، رأت أن دول الغرب تتحمل المسئولية الأكبر عن الانبعاثات منذ الثورة الصناعية، وبالتالى يقع على عاتقها العبء الأكبر فى تمويل مواجهة تغير المناخ.
وطالبت نحو 80 دولة بخطة واضحة للتخلص التدريجى من الوقود الأحفورى. ومع ذلك، لم تشمل هذه الدول خارج أوروبا أياً من الاقتصادات الكبرى عالمياً، وما إن أُسدل الجدل بالمطرقة، معلناً ختام المفاوضات، حتى أعلن كبير المفاوضين البرازيليين، أندريه كوريّا دو لاجو، أن بلاده ستقود مساراً مستقلاً لحشد الدول لوضع خطط انتقالية بعيداً عن الوقود الأحفورى، وحماية الغابات الاستوائية، رغم أن هذه المبادرة لا تمتلك قوة قانونية مُلزمة.
لكن موجة الاعتراضات لم تتأخر، إذ عبَّرت بنما، ثم كولومبيا، ثم الاتحاد الأوروبى، عن «خيبة أمل مريرة». وقالت الدبلوماسية الكولومبية، دانييلا دوران جونزاليس، إن هذه «قمة الحقيقة»، وإن الحقيقة «لا يمكن أن تدعم نتيجة تتجاهل العلم»، وانتقدت وآخرون تجاهل رئاسة المؤتمر لملاحظاتهم قبل إقرار النص النهائى.
الناشطون من جانبهم رأوا أن ضعف الاتفاق يزيد مخاوف الدول الأكثر هشاشة، ولا سيما الجزر الصغيرة، من غياب الإرادة السياسية اللازمة للتصدى لأزمة المناخ، وقال نائب الرئيس الأمريكى السابق، آل جور، إن «الدول النفطية وحلفاءها السياسيين يفعلون كل ما بوسعهم لعرقلة التقدم العالمى»، واعتبر أن الخسارة الأكبر فى هذه القمة كانت غياب خارطة طريق واضحة للانتقال بعيداً عن الوقود الأحفورى.
وشهدت القمة انتقادات حادة بسبب غياب الولايات المتحدة عن المشاركة لأول مرة منذ 30 عاماً، حيث قاطعت إدارة الرئيس دونالد ترامب المؤتمر، فى خطوة قرأها دبلوماسيون باعتبارها إضعافاً لضغط كان ضرورياً على القوى الكبرى الملوِّثة، وقال ديفيد واسكاو، من معهد الموارد العالمية، إن غياب واشنطن «أخرج عاملاً ضاغطاً مهماً من المعادلة».
وفيما امتنعت المتحدثة باسم البيت الأبيض عن التعليق على نتائج القمة، اكتفت بالقول إن الرئيس ترامب «يقدم نموذجاً واضحاً» عبر دعم تطوير الوقود الأحفورى، وعدم التضحية بـ«الأمن الاقتصادى» من أجل «أهداف مناخية مبهمة».
أما الصين، التى وصفتها الصحيفة بأنها أكبر مصدر للانبعاثات عالمياً، فقد لعبت دوراً محدوداً، ولم تملأ الفراغ الذى خلَّفه غياب الولايات المتحدة، وبرغم هيمنتها على صناعة الطاقة النظيفة، فإنها تجنَّبت اتخاذ مواقف حاسمة بشأن تخفيض الانبعاثات، أو تمويل الدول الفقيرة، بل دفعت باتجاه تضمين الاتفاق فقرة تمنع استخدام المناخ كذريعة لفرض قيود تجارية.
وجاءت الصياغة المخففة للاتفاق كصفعة لجهود الرئيس البرازيلى، لولا دا سيلفا، الذى أراد للقمة أن تكون نقطة تحول عالمية، تُبرز دور غابات الأمازون، وكان قد دعا إلى «خارطة طريق» واضحة للانتقال بعيداً عن الوقود الأحفورى، لكن النتيجة جاءت دون توقعاته.
ولم يحصل الداعمون لهذا التوجه، ومنهم دول مثل بريطانيا وكولومبيا والدنمارك وفرنسا وألمانيا وكينيا، سوى على إشارة مقتضبة للتذكير بقرار قمة المناخ فى دبى (COP 28)، قبل عامين، بشأن «الانتقال بعيداً» عن الوقود الأحفورى بحلول منتصف القرن. ورغم ضعف اللغة، اعتبرها الأوروبيون مكسباً رمزياً.
فى المقابل، شدَّدت الدول النامية على أن الأولوية يجب أن تكون لتقديم تمويل كبير يساعدها على مواجهة الخسائر المتزايدة بسبب ارتفاع الحرارة، وهذه الدول ترى أن المسئولية المالية تقع خاصة على عاتق الولايات المتحدة والدول الأوروبية، نظراً لمساهماتها التاريخية فى الانبعاثات.
وتعثرت أيضاً مبادرة الرئيس البرازيلى لحماية الغابات الاستوائية، عبر آلية «الغابات الاستوائية إلى الأبد»، إذ لم تجمع سوى 5 مليارات دولار، تعهَّد بها عدد محدود من الدول، مقارنة بالهدف المعلن وهو 25 مليار دولار، ورغم ذلك، عزَّزت الصياغة النهائية التعهدات الخاصة بتمويل جهود التكيُّف مع تأثيرات التغير المناخى، وطالبت دول الجزر الصغيرة بضمانات لزيادة التمويل ثلاث مرات، وهو ما نص عليه الاتفاق فعلاً بحلول عام 2035.
وتختتم «نيويورك تايمز» تقريرها بالقول إن المندوبين غادروا القمة مرهقين، بعد أيام شاقة فى مدينة بعيدة ومكلفة، وتفتقر إلى البنية التحتية الكافية لاستضافة نحو 50 ألف مشارك، واضطر كثيرون إلى الإقامة على متن سفينتين أوروبيتين، جرى استئجارهما كفنادق مؤقتة، فيما لجأ آخرون للسكن فى منازل السكان المحليين، بسبب نقص أماكن الإقامة، لتنتهى قمة جديدة من قمم المناخ بخطاب دبلوماسى منمَّق، لكن بخطوات مترددة، بينما يواصل الكوكب دفع ثمن التأخير فى مواجهة أزمة وجودية، تتفاقم عاماً بعد آخر.