موت خارج السجلات (1).. حاملو الرفات يتحدثون عن مقابر سوريا الجماعية

كتب: محمد عبد العزيز

موت خارج السجلات (1).. حاملو الرفات يتحدثون عن مقابر سوريا الجماعية

موت خارج السجلات (1).. حاملو الرفات يتحدثون عن مقابر سوريا الجماعية

كانت الشمس تسقط عموديًا على الأرض المفتوحة، لا مبنى واحد يحجب وهجها، فقط مساحة قاحلة تُشبه فمًا واسعًا يستعد لابتلاع مزيد من الحكايات التي لم يُكتب لها أن تكتمل، جلس ينتظر المهمة التي لم يُفصح له عنها أحد، ينفث دخان سيجارته بقلق، وقلبه يخبره أن أمرًا ثقيلًا يقترب، وبينما يتأمل الفراغ أمامه، ظهرت الشاحنة، تحمل معها فصلًا جديدًا من الرعب الذي أصبح جزءًا من حياته، وحياة سوريا، البلد التي أنهكتها الحرب حتى صار ترابها يخزن أكثر مما يحتمل من الأسرار.

المقابر الجماعية في سوريا ليست مجرد مواقع على خريطة، بل شاهدة على سنوات من الحرب، وراء كل حفرة، هناك آلاف القصص التي لم تُروَ، أصوات ماتت قبل أن تُسمع، ووجوه دُفنت بلا أسماء.

تتنوع مواقع المقابر الجماعية، والتي ارتكبها النظام السابق خلال الحرب الأهلية السورية، بين حقول واسعة تضم عشرات الآلاف من الضحايا، وأخرى أصغر حجمًا لا تحتوي سوى على عشرات الجثث.

وخلف هذه المقابر التي ضمّت مئات الآلاف من ضحايا الحرب الأهلية حتى سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، وهو التاريخ الذي تحل ذكراه الأولى، يقف رجال، عاملون وعسكريون، لم يكن لهم خيار الرفض ولا مساحة للجدال، وجدوا أنفسهم جزءًا من آلة الدفن الكبرى، آلة لا تسأل أحدًا عن رأيه، ولا تمنح أحدًا فرصة للهرب.

المقابر الجماعية في سوريا بعيون يوسف عبيد و«أبو علي»

من بين هؤلاء تمكنا من التواصل مع شاهديّن على تلك الحقبة، أولهما يوسف عبيد، الموظف المدني في إدارة محافظة دمشق، الذي اضطر للهرب بعد عام من عمله وانتقل إلى ألمانيا مع أسرته، أما الشاهد الثاني فهو سائق عسكري يقود شاحنات التبريد المُحملة بعشرات الجثث، طلب إخفاء اسمه خوفًا من الانتقام، إذ لا يزال يعيش داخل سوريا حتى اليوم.

قبل الحرب الأهلية السورية، كان يوسف عبيد موظفًا مدنيًا عاديًا في محافظة دمشق، يعمل في الإدارة المحلية كسائق «بلدوزر» ضمن قسم البلديات، مسؤولًا عن هدم البيوت المخالفة، جزءًا من لجنة مهمتها إزالة المخالفات وتنفيذ خدمات المحافظة، وُلد في دير الزور، لكنه انتقل إلى دمشق للعمل بشكل دائم، متزوج ولديه 4 أطفال، يعيش حياة طبيعية مثل أي عائلة سورية قبل اندلاع العنف.

«بلدوزر عبيد».. أداة دفن أسرار سوريا

لم يكن يرى «عبيد» نفسه أكثر من موظف يتقاضى راتبًا نهاية كل شهر، لم يكن يتوقع أن يتحول البلدوزر الذي يقوده يوميًا إلى أداة لدفن أسرار بلد كامل، في ذلك اليوم على أطراف دمشق، لم يكن يعرف أن الساعة التي سيستدعى فيها من موقع عمله ستصبح الحد الفاصل بين حياتين، الحياة التي كان يعرفها، وتلك التي غيرتها جثث الضحايا ورائحتهم.

قصته بدأت في مارس 2011، حين كان يجلس في عمله ينتظر مهمة مدنية عادية، كهدم سور أو مبنى مخالف، ينتظر إنهاء نوبته الروتينية قبل أن يعود إلى بيته وأسرته، لكن رن هاتفه، وهنا تغير كل شيء.

يتذكر تفاصيل أول مهمة له بعد بداية القصف، تم تكليفه بالذهاب إلى بساتين الرازي خلف السفارة الإيرانية، حي كامل تعرض للقصف في شهر رمضان، وحين ذهب، وجد هناك 75 جثة، يروي: «دفنت أول 75 جثة في أول مقبرة جماعية بسوريا، دفنتهم مكان بساتين الصبارة، وهي أرض شوكية، جرفت المساحة بالبلدوزر، وحفرت المقبرة، وبدأنا بنقل الجثث إلى الحفرة، كانوا رجال من كبار السن وأطفال ونساء».

بالنسبة لـ«عبيد»، كانت هذه أول مواجهة مباشرة مع الموت، وأول مرة في حياته يرى شخص متوفي، دفن 75 جسدًا في ذلك اليوم، ولم يكن قادرًا على استيعاب حجم المأساة، ظل شهرًا كاملًا بلا إدراك لما فعله، فالعمل سريعًا، بلا وعي، بلا وقت للتفكير، لاحقًا فقط أدرك أنه دفن أمواتًا، أشخاصًا تم قصفهم، وهنا بدأت الصدمة تتغلغل في حياته.

المقابر الجماعية في سوريا

أول مقبرة جماعية في سوريا

كانت هذه أول مقبرة جماعية في سوريا خلال مارس 2011، بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب الأهلية، وكانت الأصغر بين المقابر الجماعية لاحقًا، يصف يوسف كيف كانت السلطات تختار المواقع وتصدر الأوامر شفهيًا، دون أي توضيح لطبيعة المهمة، بينما هو مجرد موظف مدني يُجبر على التنفيذ.

وفقًا لمنظمات أممية وحقوقية، تم العثور على نحو 45 مقبرة جماعية في سوريا، تحتوي على رفات 2835 ضحية بينهم نساء وأطفال، فهناك أجزاء واسعة من الأراضي السورية لا تزال غير مفتوحة للبحث والتحقيق، بسبب المخاطر أمنية، ووجود ألغام وغيرهما، كما أن بعض المقابر تم نقل رفاتها سرًا، كما كشف تحقيق سابق أجرته وكالة «رويترز»، والتي أوضحت خلالها أن النظام السابق نفذ ما سُمي «عملية نقل التربة»، حيث نقل آلاف الجثث من مقابر معروفة إلى مواقع سرية لمحاولة طمس الأدلة.

لكن، هذا الرقم أكبر بكثير مما تواصلت إليه «الوطن»، فوفقًا لمصادر خاصة والمركز الدولي للعدالة الانتقالية، ومنظمة محامون وأطباء من أجل حقوق الإنسان، تم توثيق نحو 134 مقبرة جماعية بعد مسح 5 محافظات بعد سقوط نظام بشار الأسد.

المكالمة الثانية.. موعد بدء آلة القتل

بعد أقل من شهر تقريبًا على دفن جثث الموتى السوريين في المقبرة الجماعية الأولى ببساتين الرازي، رن هاتف يوسف عبيد، كان المتصل من مهندس الصيانة في درعا بتبليغ من محافظ دمشق، أبلغه بالذهاب صباح الغد إلى ديار البيطرة بالعاصمة، استعدادًا لمهمة جديدة، لم يعرف ما هي.

في العاشرة من صباح اليوم التالي، وقف عند دوار البيطرة ينتظر مهمة لا يعرف عنها شيئًا، قبل أن يقوده الطريق إلى مقبرة الشهداء، المقبرة التي تضم ضحايا حرب 1973، هناك، أدرك المفارقة القاسية، فبينما دُفن أولئك كأبطال في معركة ضد عدو خارجي (إسرائيل)، كان هو نفسه يساق اليوم لدفن سوريين قتلوا على يد دولتهم.

في منطقة فارقة بمقابر الشهداء، بدأ حفر مساحة بعمق 6 أمتار، وبعرض 10 وبطول 15 متر، لكن قبل ذلك، اعتقد أن المهمة عبارة عن هدم سور مخالف، لكن الحقيقة كانت استكمال ما بدأه قبل نحو شهر، وهو دفن جثث ضحايا الحرب الأهلية السورية وضحايا المعتقلين في سجون دمشق، طلب منه الحفر والانتظار، وألا يتحرك من مكانه.

وقف «عبيد» قرب الحفرة التي انتهى من حفرها، مساحة معزولة تمامًا، تحيطها طبقات من الصمت، والعسكريون منتشرين حوله كجدار، يمنعون اقتراب أي عابر أو حتى نظرة يمكن أن تلتقط ما يجري هناك، لم يكن يعرف ما ينتظره، فقط جلس على كتلة إسمنتية مهجورة، يشعل سيجارة خلف أخرى.

المقابر الجماعية في سوريا

رائحة لا تشبه الحياة

عند أول هبّة هواء، وصلته الرائحة، لم تكن تشبه أي شيء يمكن للذاكرة البشرية أن تخزنه، رائحة لاذعة، تتجاوز قدرة التبغ المحترق على التغطية: «عرفت إنها رائحة أموات من زمن»، يقول مضيفًا: «رائحة ناس ماتت من شهور، رائحة الأموات ما بتتشابه مع شيء، عرفت إن في مصيبة وأموات».

ثم ظهر أول شاحنة تبريد أو كما تُعرف بـ«شاحنة الموتى»، توقف على بُعد خطوات من الحفرة، واهتز جسد الشاحنة التي يبلغ طولها نحو 12 مترًا من الحديد البارد، كما لو أنه يئنّ من ثقل ما يحمله، صعد «عبيد» إلى الجرافة، يحاول أن يشغل يديه عن الارتجاف، عندما فُتح الباب الخلفي، انسكب أول عشرات الجثث، ومعها سائل لونه بُني، كثيف، ينحدر من ميل الشاحنة، يصفها بأنها «عصارة الموت».

كانت البداية، 30 جسدًا، ثم موجات متلاحقة من الأجساد الملفوفة بأكياس نايلون شفافة، مكدسة على بعضها: «الشاحنة الواحدة فيه 200 أو 220 شخص»، يتذكر تلك اللحظات ويتوقف عن الحديث قليلًا، مطلقًا تنهيدة، يستكمل: «جلودهم ملتصقة بالعظم، في منهم معذّبين، في منهم مجوّعين، في منهم مكسورين أو معلّقين قبل ما يموتوا».

في تلك اللحظة لم يكن يفكر أو يشعر، ينظر من دون وعي، كمن يشاهد نفسه من خارج جسده، كأن جسده هو من يقود بينما عقله ظل واقفًا: «ما عندي شعور، المخ وقف، الصدمة كانت أكبر من الإنسان».

وصلت بعدها حافلة صغيرة بها عمّال مكتب الدفن، مدنيون يرتدون أكياس نايلون حول أيديهم بدل القفازات، فليست هناك معدات ولا حماية ولا وقت، صعدوا إلى داخل الشاحنة وبدأوا يدفعون الجثث نحو حافة الحفرة، الضابط، الذي عرف «عبيد» لاحقًا أنه من المخابرات الجوية، يراقب المشهد في صمت، ففي الظلام، تُطفأ الأنوار كي لا تلمح العيون ما لا ينبغي أن يُرى.

عندما امتلأت الحفرة، أشار الضابط إلى «عبيد»: «نزل بالبلدوزر، واطفشهم للآخر»، كانت الكلمات تسقط عليه كصفعة، ومع ذلك لا يوجد مساحة حتى للجدال، دفع الأجساد بأطراف الجرافة المعدنية، بعضها ينزلق بسهولة، وبعضها يعلق عند الحافة، فيصرخ الضابط: «تابع.. لا ترجع»، لم يكن مسموحًا له حتى أن يتجنّب جسدًا واحدًا، وإن مرّ الجسد تحت الآلة الثقيلة التي تزن 40 طنًا من الحديد، فهذا يعد جزءًا من العمل.

ليلة دفن 450 إنسانًا

شاحنة تبريد أولى، ثم ثانية، وعند منتصف الليل، كانت الحفرة قد ابتلعت نحو 450 إنسانًا، ردم التراب وأغلق التربة فوقهم كما لو أنه يغلق بابًا لن يُفتح أبدًا، عادوا به إلى مقرّ عمله، نام هناك، دون أن يملك الشجاعة ليفتح فمه أمام زملائه الذين سألوه: «شو صار معك؟»، كان جوابه دائمًا واحدًا: «ولا شيء.. ما في شيء».

لكن الحقيقة، كما بات يعرف، أن تلك الليلة لم تكن «شيئًا»، بل كانت الليلة التي دفن فيها جزءًا من نفسه إلى الأبد: «كيف بدي أوصفلك شعوري، يا أخي رعب وخوف وإذا تحكي كلمة يحطوك مع الأموات، كنا نعامل كعبيد، أنا موظف مدني مليش علاقة بالأمر، المخابرات الجوية كانت المسؤولة عن الأمر، كان الشعور لا يوصف، يفوق الخيال، حتى الآن عندي صدمة نفسية، بشتغل وعايش خارج سوريا، لكن عندي عقدة من اللي شوفته، أحاول أنسى، كل ما أشوف بلدوزر أو لودر يجيلي صدمة».

أوامر لا يمكن رفضها

لم يتم إعلام يوسف عبيد بطبيعة المهمة بوضوح، فقط أمر بالذهاب إلى مكان معين ثم الانتظار: «احفر احفر، ادفن ادفن، وتهديدات أمنية مستمرة، حتى زوجتك أقرب الناس ليك ما تقدر تحكي له، لو سمعوا كلمة إنك حكيت يحطوك مع الأموات، وكانت أوامر دفن جثث ضحايا الحرب الأهلية السورية تأتي من محافظ دمشق».

أثناء عمله مر بلحظات لا تمحى مهما مر عليها الوقت، كما يقول «عبيد»، فبعد شهرين من العمل، وفي مرة دفن فيها 3 شاحنات تضم نحو 600 جثة، كانوا يستعدون للمغادرة حين توقفت سيارة تبريد صغيرة، تشبه سيارات بيع الآيس كريم في الشوارع، نزل منها أحد الأفراد يصفه بأنه «عنصر أمن»، وقال إن هناك 6 جثث «مستعجلة» وصلت للتو.

مشهد لن تنساه الذاكرة

الجثث كانت حديثة الوفاة، ودماؤها لا تزال ظاهرة، 3 رجال، 3 نساء، وطفل لم يتجاوز عمره شهرًا، ملفوف بقماشة وكيس نايلون، يقول: «عرفنا النساء لأنهن مغطيات بقماش أبيض غير شفاف، بينما الرجال كانت أكياس نايلون، كان واضحًا أنهم ماتوا في المعتقل، والطفل وُلد ومات هناك أيضًا».

أمر الضابط «عبيد» بالحفر بسرعة، فحفر قبرين متجاورين، واحد للرجال وآخر للنساء، ووضع الجثث كما طُلب منه، وتحت ضغط الوقت والأوامر المشددة وُضع الطفل على صخرة بجانبه، على أن يعود لاحقًا لدفنه، لكن ضغوط المهمة وسرعتها جعلته ينسى الطفل، تاركًا الرضيع هناك بلا دفن.

يقول: «تذكرت الطفل وإحنا راجعين دمشق، قلت للضابط نسيت الطفل، قالي لا ترجع، خلصنا المهمة، كنت أعلم أن المنطقة مليانة كلاب، يشموا رائحة الجثث ويجوا، ما بيتركوا أثر».

عاد في اليوم التالي عند غروب الشمس، لكن الطفل لم يكن هناك، لم يجد سوى آثار جسد صغير مسحوب على الأرض، يخفض صوته وهو يروي: «طفل مولود في السجن، مات في السجن، وانتهى طعامًا للكلاب، هذا المشهد لا يُنسى أبدًا، كأنه يدفن جزءًا من الروح مع نفسه».

يرى «عبيد» أنه لم يكن شريكًا في شيء، بل موظفًا مدنيًا، قبل أن يصبح جزءًا فجأة إلى مهام ليست من اختصاصه، تحركه قوة السلاح وهيبة المخابرات، يقول: «كنت أتحرك مثل روبوت، ما فيك تقول كلمةـ تصير تشتغل وتستوعب بعدين، الصدمة ما بتهجم عليك إلا بعد ما تخلص، مثل الواحد لما يموت له حد قريب، أول أيام ما بيحس، بعدين بينهار».

طبقة جديدة من الصدمة

تحت هذا الضغط، ووسط مشاهد لا تحتمل، أصيب بالسكري، يقول بصوت خافت: «السكر جالي من الهم»، لكن الخضوع القسري لم يمنع الذاكرة من تسجيل كل شيء، فكل مرة يقف فيها أمام حفرة جديدة، ويستقبل شاحنة تبريد مُحملة بأجساد مجهولة، يشعر أن طبقة جديدة من الصدمة تُزرع داخله، يضيف: «المشهد ما بينمسح، مشهد الجورة، ريحة الجثث، صوت الشاحنات والسيارات، كل شيء بعلق براسك، وبعدين تبدأ تستوعب».

من عامل إلى خطر

بعد عام من العمل الإجباري، بدأت الشكوك تحوم حوله، فقد صار يعرف أشياء أكبر من وظيفته، أعداد الجثث، مصادرها، الفروع الأمنية التي أرسلتها، الضباط الذين أشرفوا على دفنها، كان هذا كافيًا ليتحول من عامل إلى خطر، فلُفِّقت له تهمة تمويل الإرهاب والجماعات المسلحة، حينها، كان في إجازة بدير الزور حين تلقى اتصالًا من رئيسه في دمشق: «تعال فورًا.. اجتماع طوارئ».

كانت مجرد ذريعة، ففي الطريق اتصل صديق ودعاه إلى الفطورفي شهر رمضان، وحين وصل وأثناء وجودهما في المنزل، اقتحم عناصر المكان وأخذوهما معًا: «قالوا 5 دقايق سؤال وجواب، بس لما وصلت فرع الأمن العسكري فهمت كل شيء، كنت معتقل وما في رجعة».

نُزع عنه كل شيء، ملابس، هوية، زمن: «ضلّينا عراة، تحت الأرض، ما نعرف ليل من نهار»، وبعد يومين، بدأ التحقيق، الضرب، الكهرباء، التعليق، الماء البارد، يصف التحقيق معه قائلًا: «والله لو عاوزني أعترف إني أنا قتلت هتلر، هعترف».

في المعتقل، فهم سر الروائح التي لاحقته في المقابر الجماعية، حيث يرى الموت يتحرك أمامه كروتين يومي، 30 إلى 40 شخصًا يموتون كل يوم، كل غرفة تضم قتلى، وكل صباح الساعة العاشرة تأتي سيارة المستشفى، تحمل من مات ليلًا، وتذهب في العاشرة و5 دقائق، وإذا تأخرت الجثة، تبقى بينهم يومًا آخر.

بعد عام، ووساطات ورشاوى دفعها والده لضابط في صيدنايا، خرج «عبيد» بوزن لا يتجاوز 30 كيلو، قال له الضابط: «لديك 48 ساعة لمغادرة دمشق، بعد الـ48 ساعة اسمك هيرجع على اللائحة وهسيبدأ البحث عنك»، فرد قائلًا: «5 ساعات فقط وأكون خارج دمشق».

المقابر الجماعية في سوريا

الهروب إلى ألمانيا

هرب إلى دير الزور، ثم من دير الزور إلى تركيا، ومنها إلى اليونان، ثم ألمانيا أواخر 2015، أخذ معه أسرته، تاركًا خلفه بلده وأهله، عمل في ألمانيا سائق سيارة أجرة، وحصل هناك على حماية ثانوية، لا تمنحه استقرارًا أو أمانًا كاملًا، تعرض للتهديدات من النظام السوري، لكنه بدأ رحلة جديدة بعد أن تعرف على محامٍ سوري هناك، لقاءات مع أعضاء الكونجرس الأمريكي من الحزبين، ومسؤولين في الخارجية الأمريكية، ثم مع وزارة الخارجية البريطانية، وحتى جلسات مع مخرجين في هوليوود، ليبدأ رحلته التي تمكنه من فضح النظام السوري.

وبعد وصوله إلى ألمانيا، قال إن محامين هناك أجروا تقديرات لعدد ضحايا الحرب الأهلية السورية الذين دفنهم، وأخبرهم أنه كان يدفن نحو 600 جثة في كل دفعة، ثلاث مرات أسبوعيًا، واستمر في هذا العمل لمدة عام كامل، ليصل بذلك إلى تقدير إجمالي يقارب 100 ألف جثة.

طوال هذه السنوات، ظل يحمل شيئًا واحدًا معه، صور الوجوه التي دُفنت دون أسماء: «كنت أحس عندي أمانة، كأنهم يقولولي لا تنسانا، خد حقنا، تنظر إلى الجثة كأنها بتقولك خذ حقنا».

اليوم بعد مرور نحو 10 سنوات على مغادرته سوريا، وأكثر من 14 سنة على أول مقبرة جماعية حفرها، ما زال كل شيء حيًا في ذاكرته: «الأكل طعمه بيتغيّر لما أتذكرهم، المشاهد اللي شفتها ما بتنوصف، كل اللي قلتلك ياه مختصر، مختصر كتير، من شيء ما بينحكى أصلًا».

أكثر ملفات الحرب السورية سرية ووحشية

ليست شهادة يوسف عبيد سوى خيط واحد من نسيج واسع من القصص المجهولة التي دُفنت مع أصحابها في ظلام المقابر الجماعية بسوريا، فخلف كل مقبرة جماعية يقف أشخاص لم يُعرفوا يومًا، أُجبروا على أدوار لم يختاروها، ووجدوا أنفسهم جزءًا من أكثر ملفات الحرب السورية سرية ووحشية.

سائق شاحنة تحمل «الموت»

من بين هؤلاء «أبو علي»، الرجل الذي لم يكن يتوقع أن تتحوّل حياته إلى ممر طويل تفوح منه رائحة الموت، رجل بسيط برتبة متواضعة في الجيش، يعمل سائقًا للضباط، يعيش مع أسرته في أحد أحياء دمشق، ويتقاسم مع إخوته، وجميعهم عسكريون، الخوف نفسه من الاقتراب أو الابتعاد عن السلطة.

اختار هذا الاسم المستعار خشية أن يطال الانتقام منه ومن عائلته، حيش يعيش معهم بسوريا حتى الآن، واستمر العمل على نقل جثث ضحايا الحرب الأهلية السورية، حتى سقوط نظام بشار الأسد، في الثامن من ديسمبر 2024، ورغم مرور سنوات على التجربة، إلا أنها حفرت داخله ندوبًا لا تلتئم.

بدأ كل شيء في أحد أيام سبتمبر أو أكتوبر 2011، لا يتذكر تحديدًا، حيث استُدعي إلى إدارة الخدمات الطبية، وقيل له إن عليه قيادة شاحنة تبريد من مستشفى تشرين العسكري إلى مقبرة نجها جنوب دمشق، لم تُشرح له التفاصيل، ولم يتخيّل طبيعتها حتى اللحظة التي فُتح فيها باب الشاحنة، فاندفعت إليه رائحة تخلط بين برودة الموت وآثار التعذيب المتجمدة على الأجساد.

منذ تلك الليلة، صار الطريق إلى مقبرة المقابر الجماعية جزءًا من روتينه القسري، يقود الشاحنة ببطء، يتوقف عند طرف الحفرة الواسعة، يرجع الشاحنة إلى الخلف بمحاذاة المكان الذي سيُلقى فيه الضحايا، ثم يبتعد مسافة قصيرة.

يخرج علبة سجائره، يشعل واحدة، وينفخ الدخان بسرعة في محاولة يائسة لحجب الروائح التي تتسرب من خلفه، لم يكن يحتمل النظر إلى الأجساد، بعضها محترق، بعضها مكبل، وبعضها لا يحمل ملامح بشرية بعد الآن.

المقابر الجماعية في سوريا

ترس صغير في آلة القتل السورية

يقول «أبو علي»، إنه لم يكن هناك خيار، مجرد التفكير في الرفض أو الانشقاق والهرب خارج سوريا يعني جرّ عائلته إلى المجهول، فخدمته أمرًا واقعًا، يُنفذها دون زيادة في الراتب، دون حماية أو القدرة على التراجع، يصف بأنه كان «ترس صغير في آلة ضخمة لا تسمح لأحد بالتوقف».

استمرت مهمته حتى سقوط نظام الأسد، وبعد التسوية مع الحكومة السورية الجديدة، مُنح عفوًا عامًا دون مساءلة أو تحقيق، كما لو أنه لم يكن سوى ظل مر من هناك دون أثر، عاد إلى بيته محاولًا استعادة حياته، لكنه وجد نفسه غارقًا في الصور نفسها التي حاول طوال سنوات الهرب منها.

اليوم يقضي معظم وقته داخل المنزل، صحته الجسدية تتراجع ببطء بسبب معاناته من بعض الأمراض، ونومه متقطع، مطارد بكوابيس تتكرر، شاحنة تبريد، وحفرة مظلمة، وأجساد بلا أسماء، يستيقظ مذعورًا، محاطًا بصمت ثقيل يشبه صمت تلك الليالي التي حمل فيها الموتى إلى مثواهم الأخير.

لم يستطع «أبو علي» إكمال حكايته، كان يتوقف بين الجمل، يحاول التقاط أنفاسه، فمرضه الجسدي بات يحد من قدرته على الكلام طويلًا، كلما اقترب من تفاصيل معينة، كان صوته يختنق، كأن الذاكرة تُهاجم جسده قبل لسانه، وبعد دقائق من الصمت المتقطع، اعتذر بصوت خافت، قائلًا إنه لم يعد قادرًا على الاستمرار.

وحصلت «الوطن» على صور المقابر الجماعية بشكل حصري من منظمة سوريا للطوارئ «SETF»، ومقرها واشنطن، وصور أخرى نقلتها عن وكالة «فرانس برس».

وسيُنشر لاحقًا جزء ثانٍ من هذا التحقيق، نكشف فيه ما جرى داخل مستشفيات سوريا خلال الحرب الأهلية، حيث تحولت بعض الأقسام إلى مجازر صامتة وعمليات قتل جماعي لم يُكشف عنها كاملًا حتى اليوم.

ولقراءة الجزء الثاني:

موت خارج السجلات (2).. صناعة القتل السرية في مستشفيات سوريا خلال الحرب الأهلية


مواضيع متعلقة