التربة والغابات والاحتباس الحراري.. كيف يعيد الإنسان تشكيل المناخ بيده؟

كتب: editor

التربة والغابات والاحتباس الحراري.. كيف يعيد الإنسان تشكيل المناخ بيده؟

التربة والغابات والاحتباس الحراري.. كيف يعيد الإنسان تشكيل المناخ بيده؟

فى مشهد يزداد قتامة، تتقاطع أزمات التربة والغابات وفقدان التنوع البيولوجى مع ظاهرة الاحتباس الحرارى، لتكشف عن حقيقة صادمة، مفادها بأن الإنسان لم يعد مجرد متأثر بتغير المناخ، بل بات أحد مهندسيه الرئيسيين، هذا ما يحذر منه تقرير أممى حديث، يكشف أن التدهور الواسع الذى ألحقته الأنشطة البشرية بالنظم البيئية الطبيعية أطلق «حلقة مفرغة» معقدة، تتغذى فيها أزمة المناخ على تدمير الطبيعة، فيما يعمّق تغير المناخ بدوره هذا التدمير، دافعاً الكوكب نحو مسار بالغ الخطورة.

التقرير الصادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، بعنوان «التوقعات البيئية العالمية - الإصدار السابع» (GEO-7)، يؤكد أن فقدان التنوع البيولوجى وتدهور الأراضى لم يعودا مجرد نتائج جانبية لتغير المناخ، بل تحولا إلى عوامل رئيسية تؤدى إلى الإسراع فى وتيرة الاحترار العالمى، من خلال الإخلال بدورات الكربون والنيتروجين والمياه، وهى أنظمة دقيقة، تشكل العمود الفقرى لاستقرار المناخ على كوكب الأرض.

يشير تقرير البرنامج الأممى إلى أن إزالة الغابات، وتغير استخدامات الأراضى، واستنزاف التربة، أدت إلى إضعاف قدرة الطبيعة على امتصاص الكربون، وهو ما ينعكس مباشرة على تركيزات الغازات الدفيئة فى الغلاف الجوى، ورغم أن بعض النظم البيئية أظهرت استجابات تكيفية محدودة، مثل زيادة كفاءة استخدام المياه فى بعض الغابات الشمالية، نتيجة ارتفاع ثانى أكسيد الكربون، فإن هذه الاستجابات تظل غير متوازنة، ولا يمكن التعويل عليها كحل طويل الأمد، فى ظل الضغوط المتزايدة التى يتعرض لها النظام البيئى العالمى.

ويرصد التقرير تبايناً حاداً فى قدرة النظم البيئية على مواجهة الإجهاد المناخى، حيث تتفاعل الغابات والتربة والمناطق الرطبة بطرق مختلفة مع موجات الحر والجفاف والتلوث، ما يؤدى فى كثير من الأحيان إلى نتائج عكسية، وعلى الرغم من وجود استقرار نسبى فى صافى الانبعاثات الناتجة عن إزالة الغابات وتدهور الأراضى خلال العقدين الماضيين، فإن المؤشرات القادمة من مناطق حيوية، مثل غابات الأمازون، تثير قلقاً بالغاً بشأن مستقبل «مصارف الكربون» الطبيعية.

«داون تو إيرث»: فقدان التنوع البيولوجى وتدهور الأراضى يطلقان «حلقة مفرغة» تدفع بأزمة المناخ إلى «نفق مظلم»

وبحسب موقع «داون تو إيرث»، فإن غابات الأمازون، التى لطالما وُصفت بأنها «رئة الأرض»، تُظهر اليوم علامات واضحة على فقدان هذا الدور الحيوى، وأورد التقرير الأممى أن مزيجاً من إزالة الغابات، وارتفاع درجات الحرارة، وتزايد الإجهاد المائى، خاصةً فى الأجزاء الشرقية من الأمازون، خلال موسم الجفاف، أدى إلى تراجع قدرتها على امتصاص الكربون، ويقدر التقرير أن ما بين 10 و47% من غابات الأمازون باتت معرضة لمخاطر متداخلة، تشمل موجات الجفاف الشديدة، وحرائق الغابات، والاحترار المناخى، وهى عوامل قد تدفع النظام البيئى إلى تجاوز «نقاط تحول» حرجة، تؤدى إلى تغيرات لا يمكن عكسها، مع تداعيات خطيرة على المناخ الإقليمى والعالمى.

ولا تقف الأزمة عند حدود الأمازون، إذ يشير التقرير إلى أن مناطق أخرى من العالم بدأت تفقد قدرتها على العمل كمصارف للكربون؛ ففى جنوب شرق آسيا، تظهر النماذج العلمية اقتراب صافى امتصاص الكربون من الصفر خلال بعض أشهر العام، بينما أدت موجات الحر القياسية إلى فقدان نحو 1.73 جيجا طن من الكربون عبر النظم البيئية البرية عالمياً، فى إشارة واضحة إلى تآكل الدور الوقائى الذى تلعبه الأراضى فى مواجهة تغير المناخ.

يبرز تقرير «التوقعات البيئية العالمية» الدور المحورى للتربة فى هذه المعادلة المعقدة، حيث يؤكد أن مخزون الكربون فى التربة يفوق بأكثر من ثلاثة أضعاف الكمية الموجودة فى الغلاف الجوى والكتلة الحيوية مجتمعة، ورغم هذه الأهمية الاستراتيجية، فإن التربة تتعرض لضغوط متزايدة بفعل الزراعة غير المستدامة، وتغير استخدامات الأراضى، وحرق الوقود الأحفورى، ما يؤدى إلى إطلاق كميات هائلة من الغازات الدفيئة، وتشير التقديرات إلى أن انبعاثات التربة تسهم بما يتراوح بين 6.8 و7.9 جيجا طن من مكافئ ثانى أكسيد الكربون سنوياً، تشمل الميثان من الأراضى الخثية الرطبة وزراعة الأرز، وأكسيد النيتروز من التربة الزراعية، إضافة إلى الانبعاثات الناتجة عن إزالة الغابات.

ويربط التقرير بين تدهور الأراضى وفقدان غابات المانجروف وتراجع الكربون العضوى فى التربة، باعتبارها مؤشرات مباشرة على تعمق الأزمة البيئية، فى وقت تتحمل فيه دول مثل إندونيسيا والصين وروسيا نحو 31% من الانبعاثات العالمية المرتبطة بالأراضى الخثية، وفى موازاة ذلك، تسهم التغيرات المناخية وانتشار الأنواع الغازية فى تسريع فقدان التنوع البيولوجى، حتى فى مناطق كانت تُعد سابقاً معزولة نسبياً، مثل القارة القطبية الجنوبية.

ويمتد التأثير ليشمل أنماط توزيع النباتات والحيوانات، حيث يرصد التقرير تحركات جغرافية واسعة لبعض الأنواع، مثل انتقال شجرة «البتولا الهيمالايا» شرقاً، وتراجعها فى مناطق أخرى، فيما تشهد ولايات، مثل كاليفورنيا، تفاعلات معقدة بين التلوث وتغير المناخ وحرائق الغابات، أدت إلى نشوء أنماط بيئية جديدة أكثر هشاشة، تعزز بدورها دوائر التدهور البيئى.

ولا يغفل التقرير دور تلوث الهواء، خاصة «الأوزون» القريب من سطح الأرض، فى تقويض التنوع البيولوجى، حيث أظهرت البيانات تجاوز مستويات الأوزون الحدود الآمنة لحماية الغابات فى أكثر من نصف مناطق الغابات بالدول الأعضاء فى الوكالة الأوروبية للبيئة، كما تمتد آثار التغير المناخى إلى المناطق الثلجية، حيث يؤدى الاحترار المتسارع وترسب «الكربون الأسود» إلى تسريع ذوبان الجليد، وتعريض النظم البيئية الجبلية لضغوط إضافية.

ويخلص التقرير إلى رسالة واضحة مفادها أن حماية المناخ لم تعد ممكنة دون حماية التربة والغابات والتنوع البيولوجى، وأن استمرار الإنسان فى إعادة تشكيل الطبيعة بهذه الوتيرة، يدفع الكوكب إلى «نفق مظلم» تتداخل فيه الأزمات البيئية والمناخية، ما لم تُتخذ إجراءات جذرية تعيد التوازن بين الإنسان والنظم الطبيعية، التى يقوم عليها استقرار الحياة على الأرض.


مواضيع متعلقة