البرنامج النووي المصري.. 70 عامًا من الرؤية والصبر وبناء الدولة

كتب: سلامة عامر

البرنامج النووي المصري.. 70 عامًا من الرؤية والصبر وبناء الدولة

البرنامج النووي المصري.. 70 عامًا من الرؤية والصبر وبناء الدولة

قال الدكتور أمجد الوكيل، الرئيس السابق لمجلس إدارة هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء وعضو مجلس إدارة الجهاز التنفيذي للإشراف على مشروعات إنشاء المحطات النووية لتوليد الكهرباء، إنه منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، لم يكن البرنامج النووي المصري مجرد مشروع تقني لتوليد الكهرباء، بل كان ولا يزال تجسيدًا لرؤية دولة تسعى للاستقلال العلمي، والسيادة التكنولوجية، وأمن الطاقة طويل الأجل، فهي رحلة امتدت قرابة سبعة عقود، تعرّضت للتوقف والتحديات، لكنها لم تنقطع يومًا عن الوعي الاستراتيجي للدولة المصرية.

الطاقة

لجنة الطاقة الذرية.. الخطوة الأولى في الحلم

أضاف في تصريحات لـ«الوطن»، أن الشرارة الأولى انطلقت عام 1955 بإنشاء لجنة الطاقة الذرية، التي تحولت إلى مؤسسة الطاقة الذرية عام 1957، وهو نفس العام الذي شاركت فيه مصر في تأسيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية، واضعة منذ البداية موقفًا واضحًا داعمًا للاستخدامات السلمية للطاقة النووية.

الطاقة

أول مفاعل نووي للأبحاث

وقال عضو مجلس إدارة الجهاز التنفيذي للإشراف على مشروعات إنشاء المحطات النووية لتوليد الكهرباء، إن الفترة من 1958 إلى 1961، شهدت إنشاء مصر أول مفاعل نووي للأبحاث (ETRR-1) في أنشاص، لتكون من أوائل دول المنطقة امتلاكًا للبنية التحتية النووية البحثية، وتبع ذلك إنشاء قسم الهندسة النووية بجامعة الإسكندرية عام 1963، في خطوة تعكس إدراكًا مبكرًا لاهمية بناء الكوادر قبل المشروعات لافتا الي أنه في عام 1964، طرحت مصر أول مناقصة عالمية لإنشاء محطة نووية لتوليد الكهرباء وتحلية المياه في برج العرب، لكن عدوان 1967 أوقف المشروع كما أوقف كثيرًا من مسارات التنمية الوطنية.

الطاقة

هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء

أضاف أنه في سبعينات القرن الماضي، عادت مصر بقوة إلى الملف النووي؛ فطُرحت مناقصة إنشاء محطة بقدرة 600 ميجاوات في سيدي كرير عام 1974، وأُنشئت هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء عام 1976، إلى جانب المجلس الأعلى للطاقة وهيئة المواد النووية عام1977، غير أن الضغوط السياسية، خاصة الشروط الأمريكية المتعلقة بالتفتيش الشامل، أدت إلى توقف المشروع عام 1978 ثم جاء حادث «ثري مايل أيلاند» عام 1979 ليضيف بُعدًا عالميًا من الحذر، ثم كانت المحاولة الثالثة عام 1983، وبناء محطة نووية بموقع الضبعة بقدرة 1000 ميجاوات، لكن جاء حادث «تشيرنوبل» عام 1986، ليؤدي إلى تجميد جديد للبرنامج، رغم استكمال الأساس التشريعي والتخطيطي له.

الطاقة

الضبعة.. موقع انتظرته مصر

وقال إنه في عام 1980، تم اختيار موقع الضبعة، بعد دراسات فنية وبيئية موسعة، وصدر القرار الجمهوري بتخصيصه عام 1981، وهو العام نفسه الذي صدّقت فيه مصر على اتفاقية حظر الانتشار النووي، وأُقر فيه المجلس الأعلى للطاقة البرنامج النووي المصري، رسميًا، لافتا إلى أنه رغم توقف التنفيذ، استمرت مصر في تطوير قدراتها البحثية، وكان أبرزها تشغيل مفاعل الأبحاث الثاني (ETRR-2) عام 1998، بما يعكس استمرارية المعرفة النووية وعدم انقطاعها.

الطاقة

العودة الاستراتيجية (2006–2014)

أوضح أن عام 2006 شهد نقطة تحول مع مبادرة رئاسية لفتح حوار مجتمعي حول الطاقة النووية، تلاها في 2007 إعلان القرار الاستراتيجي بالبدء في برنامج بناء محطات نووية، وإنشاء المجلس الأعلى للاستخدامات السلمية للطاقة الذرية وخلال هذه المرحلة، تم اختيار الاستشاري العالمي وورلي بارسونز عام 2009، وإعداد وثائق الترخيص، وصدورقانون تنظيم الأنشطة النووية والإشعاعية عام 2010، ثم إنشاء هيئة الرقابة النووية والإشعاعية عام 2012، وهو ما أسس لإطار رقابي مستقل وفق أعلى المعايير الدولية.

الطاقة

شراكة تاريخية مع روسيا

أضاف أنه في 19 نوفمبر 2015، شهدت مصر حدثًا تاريخيًا بتوقيع الاتفاقية الحكومية مع روسيا (IGA)، ثم الاتفاقية التمويلية (CIGA)، لاختيار روسيا شريكًا استراتيجيًا لبناء محطة الضبعة النووية، وفي 31 ديسمبر 2016 تم توقيع العقد الرئيسي EPC، ودخلت العقود حيز النفاذ في 11 ديسمبر 2017، لتبدأ فعليًا المرحلة التحضيرية للمشروع، إيذانًا بالانتقال من التخطيط إلى التنفيذ.

الضبعة.. مرحلة البناء الحقيقي

ومنذ 2018، توالت الأحداث بوتيرة متسارعة فتم تسليم موقع الإنشاء للجانب الروسي في فبراير2018، ثم الحصول على إذن قبول الموقع في مارس 2019، ثم مراجعات الوكالة الدولية للطاقة الذرية للبنية التحتية النووية المصرية، وفي أكتوبر 2019، بدأ تصنيع كل المعدات طويلة الأجل، وبدءا من عام 2021 حتى عام 2023، دخلت كل المعدات طويلة الأجل من توربينات ومولدات وأوعية الضغط ومصائد قلب المفاعل ومثبتات الضغط للوحدات النووية الأربع مرحلة التصنيع، ثم بدأ تدريب الكوادر المصرية في روسيا عام 2021، ثم الحصول تباعًا على أذون الإنشاء للوحدات الأربع.

الطاقة

لحظات فارقة في مشروع محطة الضبعة

وشهدت الفترة من 2022 إلى 2025، لحظات فارقة في مشروع محطة الضبعة، مثل:

- الصبات الخرسانية الأولى للوحدات الأربع بدءا من 20 يوليو 2022 للوحدة الأولى ثم 19 نوفمبر 2022 للوحدة الثانية، ثم 3 مايو 2023 للوحدة الثالثة، وانتهاء بالوحدة الرابعة في 23 يناير 2024.

- تصنيع وتركيب مصائد قلب المفاعل في 6 أكتوبر و19 نوفمبر 2023 للوحدة الأولى والثانية، و6 أكتوبر و19 نوفمبر 2024 للوحدة الثالثة والرابعة.

- تركيب مستويات أوعية الاحتواء الداخلي.

- تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الأولى في نوفمبر 2025.

وهي خطوات لا تعبّر فقط عن تقدم إنشائي، بل عن نضج مؤسسي وتقني لمنظومة نووية متكاملة

الطاقة

البرنامج النووي.. مشروع دولة

أوضح أن استعراض هذه العلامات البارزة يؤكد أن البرنامج النووي المصري لم يكن يومًا رد فعل ظرفي، بل مشروع دولة طويلا الأجل، تراكمي، قائم على العلم، والتشريع، وبناء الإنسان، والالتزام الصارم بالأمان النووي، ومع دخول مشروع الضبعة مراحل التنفيذ المتقدمة، تنتقل مصر من مرحلة «الطموح النووي» إلى مرحلة القدرة النووية الفعلية، بما يعزز أمن الطاقة، ويدعم التنمية المستدامة، ويعيد لمصر مكانتها الطبيعية كدولة رائدة علميًا وتقنيًا في المنطقة.


مواضيع متعلقة