الرئيس السابق لـ«المحطات النووية»: «الضبعة» مشروع عابر للأجيال ويعيد تشكيل الصناعة الوطنية
الرئيس السابق لـ«المحطات النووية»: «الضبعة» مشروع عابر للأجيال ويعيد تشكيل الصناعة الوطنية
أكد الدكتور أمجد الوكيل الرئيس السابق لمجلس إدارة هيئة المحطات النووية لتوليد الكهرباء وعضو مجلس إدارة الجهاز التنفيذى للإشراف على مشروعات إنشاء المحطات النووية لتوليد الكهرباء، خلال حواره مع «الوطن» أن «الضبعة» مشروع عابر للأجيال يُعيد تشكيل الصناعة الوطنية ويضمن أمن الطاقة المستقبلية، فالمحطة النووية مصممة لتتحمل أقصى الظروف المحتملة وفق معايير معتمدة دولياً تتجاوز التوقعات الإقليمية.. وإلى نص الحوار:
■ كيف يسهم مشروع الضبعة فى تنفيذ خطة الدولة للتنمية المستدامة؟
- يُعد مشروع محطة الضبعة النووية نقطة تحول مفصلية وخياراً استراتيجياً لا رجعة فيه، يرسخ مكانة مصر على خارطة التكنولوجيا المتقدمة. فالمشروع لم يأتِ من فراغ، بل هو تتويج لمسيرة طموحة بدأت منذ خمسينات القرن الماضى، وتمثل اليوم العودة الحقيقية للحلم النووى السلمى، واليوم، تمضى مصر بثقة نحو إدماج الطاقة النووية ضمن مزيجها الطاقى، باعتبارها ركيزة أساسية لدعم الاقتصاد والمجتمع و«قاطرة حقيقية للتنمية».
■ ماذا عن البُعد الزمنى والرسالة الاستراتيجية؟
- عند النظر إلى المشروع فى سياقه التاريخى، نجد أن إحياء البرنامج النووى السلمى بصورة جادة تحقق بعد أن أعاد الرئيس عبدالفتاح السيسى إطلاق المشروع عام 2014، وهذا المسار أثبت التزام الدولة بإقامة مشروع متكامل يستغرق عقوداً، وهو دليل على الثقة فى استقرار المناخ الاقتصادى والسياسى، كما أن اختيار يوم 19 نوفمبر ليكون العيد السنوى للطاقة النووية فى مصر ليس إجراءً رمزياً فحسب، بل يرتبط بحدث محورى فى تاريخ المشروع: توقيع ثلاث اتفاقيات حاسمة فى 19 نوفمبر 2015؛ وهى الاتفاقية الحكومية، والاتفاقية المالية للقرض، والاتفاقية الرقابية بين هيئة الرقابة النووية والإشعاعية المصرية ونظيرتها الروسية، فهذه الاتفاقيات نقلت المشروع من مرحلة التخطيط إلى مرحلة التنفيذ الفعلى، وفى هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن فكرة تخصيص يوم للطاقة النووية ومقترح أن يكون 19 نوفمبر تحديداً جاءت منِّى شخصياً، وقد تم تبنِّى النسخة الأولى من هذا الاحتفال بناءً على هذا المقترح فى 2021، ليصبح اليوم رمزاً مؤسسياً لمسيرة البرنامج النووى المصرى.
مستوى الأمان فى المشروع يضع المحطة فى طليعة المنشآت النووية عالمياً.. واختيار روسيا شريكاً لتنفيذه قرار استراتيجى وتتويج لمسيرة طموحة منذ الخمسينات
■ ما رسالة احتفال 2025 الخاصة بالانتقال إلى العمق النووى؟
- جاء احتفال هذا العام برسالة واضحة تؤكد الالتزام الزمنى، وهى أن مصر انتقلت رسمياً من مرحلة الأعمال الإنشائية المدنية إلى مرحلة تركيب المعدات النووية الثقيلة، وقد تجسّد ذلك فى تركيب وعاء ضغط المفاعل للوحدة الأولى فى نوفمبر 2025، وهو حدث يمثل نقطة تحول هندسية كبرى تؤكد بدء العد التنازلى للوصول إلى التشغيل التجارى للوحدة الأولى فى نهاية 2028، حيث البعد التقنى وأعلى مستويات الأمان، فاختارت مصر مفاعلات VVER-1200 من الجيل الثالث المطوّر (+Gen 3)، وهو تصميم يُعد اليوم من الأكثر أماناً واعتمادية عالمياً، ويعتمد على فلسفة «الدفاع متعدد المستويات» أو «الدفاع فى العمق» وكذا مبدأ التكرارية فى وسائل الأمان، والسمة الأبرز هى الاعتماد على أنظمة سلامة سلبية تعمل تلقائياً بدون كهرباء أو تدخل بشرى.
■ ماذا عن متانة التصميم والصمود أمام الظروف القاسية القصوى؟
- صُممت محطة الضبعة لتحمّل أقصى الظروف المحتملة، وفق معايير معتمدة دولياً تتجاوز التوقعات الإقليمية، فهى مُصممة لتحمل اصطدام طائرة تجارية ثقيلة وزنها 400 طن بسرعة تصل إلى 150 متراً/ثانية (540 كم/ساعة) محملة بالوقود، ومقاومة زلازل بقيمة تصميمية تصل إلى 0.3g، وهى أعلى من أى قيمة مسجّلة تاريخياً على الساحل الشمالى المصرى، كذلك القدرة على تحمل أعاصير بسرعة رياح تصل إلى 310 كم/ساعة، وتحمل أمواج تسونامى بارتفاع يصل إلى 14 متراً، بجانب وجود منظومة مصيدة القلب (Core Catcher)، فوجود هذه المنظومة لضمان احتواء قلب المفاعل فى الحالات شديدة الندرة وغير المحتملة تقريباً ويمثل طبقة أمان إضافية لضمان سلامة البيئة، فهذه الأرقام تؤكد أن مستوى الأمان فى مشروع الضبعة ليس فقط متوافقاً مع المعايير الدولية، بل يضع المحطة فى طليعة المنشآت النووية عالمياً.
■ وكيف تسهم محطة الضبعة فى توجه الدولة للتحول للاقتصاد الأخضر؟
- الضبعة قرار استراتيجى للتحول إلى اقتصاد أخضر ومنخفض الكربون. فالمحطة بقدرة 4800 ميجاوات ستُجنّب مصر نحو 15 مليون طن من ثانى أكسيد الكربون سنوياً مقارنة بمحطات الغاز التقليدية، ولتقريب حجم هذا الأثر البيئى الإيجابى: هذا الخفض يعادل الأثر البيئى الناتج عن زراعة نحو 600 مليون شجرة سنوياً، كما يعادل إخراج نحو 3 ملايين سيارة بنزين من الخدمة. هذا الإنجاز يعزز موقف مصر الريادى فى المؤتمرات المناخية الدولية، كما أن المشروع برنامج لتطوير الجودة الصناعية المصرية يتم العمل على رفع نسب المشاركة المحلية تدريجياً، فنسبة المشاركة المحلية فى الوحدة الأولى تبلغ 20% على الأقل، وترتفع هذه النسبة إلى ما لا يقل عن 35% فى الوحدة الرابعة، وقد انخرط القطاع الخاص المصرى بالفعل عبر عشرات العقود مع الجانب الروسى فى الإنشاءات والمكونات الكهربائية والخدمات الهندسية. الأهم من ذلك، أن هذا التعاون يخلق قاعدة صناعية مؤهلة للعمل وفقاً لأقصى معايير الجودة النووية العالمية، وهو مكسب استراتيجى يضمن استدامة البرنامج النووى المصرى فى المستقبل.
■ وماذا عن الشراكة مع روسيا؟
- اختيار روسيا شريكاً لتنفيذ المحطة لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل كان قراراً استراتيجياً قائماً على تقييم شامل من ناحية التقنية (Gen 3+)، والتمويل (عرض ميسر طويل الأجل)، والقدرة التصنيعية، فروسيا هى الدولة الوحيدة القادرة على تصنيع 100% من مكونات المحطة النووية داخل حدودها، بما يضمن استقلالية المشروع وحمايته من أى ضغوط خارجية أو تغيرات فى سلاسل الإمداد العالمية، ومشروع الضبعة فى جوهره ليس مشروعاً كهربائياً فقط، بل «مشروع عابر للأجيال» يُعيد تشكيل الصناعة الوطنية، ويضمن أمن الطاقة المستقبلى، ويُسهم بقوة فى بناء مستقبل أكثر استدامة وازدهاراً للأجيال القادمة.
رؤية 2030
يمثل المشروع إحدى الركائز الرئيسية لرؤية مصر 2030، سواء من حيث أمن الطاقة، وتنويع مصادرها، أو دعم الصناعة الوطنية والتوظيف، حيث توفر المحطة طاقة مستقرة على مدار 24 ساعة لتغذية الأحمال الأساسية فى الشبكة، وهو أمر ضرورى لاستقرار الشبكة الكهربائية.