«سرطان الثدي» يصيـب الرجال أيضا.. «خروج سائل دموي من ثدي الرجل وورم تحت الإبط» أبرز الأعراض
«سرطان الثدي» يصيـب الرجال أيضا.. «خروج سائل دموي من ثدي الرجل وورم تحت الإبط» أبرز الأعراض
جلس أشرف ملاك فى ورشته القديمة بأحد شوارع منطقة «الضاهر» بمحافظة القاهرة، أمام ماكينة الخياطة التى ترافقه منذ 50 عاماً، يتذكر ذلك اليوم الذى أخبره فيه أحد الأطباء بأنه مصاب بمرض سرطان الثدى، ولا بد من بتر الناحية اليسرى للسيطرة على المرض قبل أن ينتقل خارج أنسجة الثدى إلى أجزاء أخرى من الجسم عبر الجهاز الليمفاوى أو مجرى الدم.
الرجل الستينى الذى كان يعمل مُدرس تربية رياضية بإحدى المدارس الحكومية، قبل أن يتقاعد منذ عام، لم يخطر فى باله أن يصيبه مرض معروف عنه أنه يصيب السيدات فقط، وتعتبره الثقافة الشعبية السائدة لصيقاً بهن، لذلك لم يكشف لأحد حقيقة مرضه بشكل كامل خوفاً من نظرة المجتمع، ولم يقوَ على إعلان إصابته خوفاً من نظرة مَن حوله له.
ظلت «الكلكيعة»، أو العقدة الدموية، موجودة لمدة 7 أشهر، تكبر يوماً بعد يوم، وترتفع معها معاناته عندما يزداد ألم الصدر، حتى أصبح لا يقوى على حمل واحتضان أى شىء بين يديه، حيث إن أى ملامسة عن طريق الخطأ لموضع التورم كانت تجعله يصرخ بقوة من شدة الألم.
مريض: لما بدأ شعرى يقع قررت أعترف للناس بمرضى.. وكان مستحيل يخطر فى بالى أكون مصاب بـ«مرض يصيب السيدات»
خلال تلك الفترة بدأ يفكر فى كل الاحتمالات التى يمكن أن تكون سبباً فى تكوُّن هذه العقدة، بعيداً عن سرطان الثدى، لأنه لم يخطر بباله أن الرجال يمكن أن يُصابوا بهذا النوع من السرطان. وظل يبرر لنفسه الأمر بأنه خُرَّاج أو كيس دهنى وربما تجمُّع دموى، ولكن زاد الألم ولم يعد يُحتمل، وهنا قرر أخيراً الذهاب للطبيب، بعد إلحاح من زوجته.
فى عيادة طبية خاصة كانت الصدمة الأولى عندما طلب منه الطبيب أخذ 3 عينات من أماكن مختلفة من الصدر لشكه فى أن هذا التورم من بين العلامات الظاهرية لسرطان الثدى، مؤكداً له أنه كان يجب عليه التوجه للطبيب فور ظهور هذا التورم. أُخذت منه العينات، فى تجربة يصفها بأنها أكثر ألماً من عملية البتر، قائلاً: «لما أخدوا منى العينة كانوا بيقطعوا من لحمى، وده إحساس صعب أوى، ماحسيتش بيه حتى وقت العملية نفسها».
ظهور كتلة أو جزء مختلف عن بقية نسيج الثدى، دون ألم فى الغالب
انتهى المتخصصون من أخذ العينات، وبعد أيام قليلة ظهر التشخيص وتأكدت إصابته بسرطان الثدى، عن تلك اللحظة يقول: «أخدوا 3 عينات من الثدى يمين وشمال وفى النص، وحللوها، وللأسف إللى كنت خايف ومرعوب منه حصل.. عندى سرطان ثدى».
أين يبدأ سرطان الثدى لدى الرجال؟
وبالرغم من أن أشرف ملاك لم يكن يخطر فى باله يوماً أن يُصاب بمرض يصُنَّف عادةً بأنه «مرض ستات»، إلا أن منظمة الصحة العالمية تؤكد، على موقعها الرسمى، أن «سرطان الثدى يصيب الرجال أيضاً، وإن كان بنسب قليلة، حيث تشير الأبحاث الطبية إلى أن نسبة 99% من حالات الإصابة بهذا السرطان تحدث للنساء، بينما تتراوح نسبة إصابة الرجال به بين 0.5 و1٪، وقد تزيد النسبة قليلاً بسبب إنكار الرجال للأمر، وعدم ذهابهم للأطباء، لافتة إلى أن الرجال والنساء يُولدون ولديهم نسيج ثديى واحد، ولهذا قد يُصاب أى إنسان بسرطان الثدى.
وبحسب المنظمة فإن: كل إنسان يُولد بكمية قليلة من أنسجة الثدى، التى تتكوَّن من غدد إفراز الحليب والقنوات التى تنقل الحليب إلى الحلمات، بالإضافة إلى الدهون. وخلال فترة البلوغ، تبدأ أنسجة الثدى فى النمو بكمية أكبر لدى الفتيات. أما الذكور فلا ينمو لديهم المزيد من أنسجة الثدى. لكن نظراً لأن الجميع يُولدون ولديهم ولو كمية قليلة من أنسجة الثدى، فمن المحتمل أن يصاب أى إنسان، سواء كان أنثى أو ذكراً، بسرطان الثدى، ويبدأ سرطان الثدى لدى الرجال عندما تطرأ بعض التغيرات على الحمض النووى للخلايا الموجودة فى أنسجة الثدى.
معركة «الكيماوى»
بعد أن تأكدت إصابة أشرف ملاك بسرطان الثدى، بدأت رحلة العلاج فى محاولة لتدارك الأمر قبل تدهور حالته الصحية أكثر. تنقّل الرجل بين عدة أطباء. أحدهم أخبره أن عملية إزالة الورم ستتكلف 40 ألف جنيه، وآخر قال له إن جرعات الكيماوى أصعب من عملية استئصال الثدى، وطلب منه أن يذهب للتأمين الصحى لمساعدته لأن الأمر يتطلب أموالاً كثيرة ربما تفوق قدرته المادية: «قال لى روح للتأمين الصحى فى مدينة نصر علشان تعمل الفحوصات المطلوبة، بما إنك مدرس على المعاش، فأكيد ليك تأمين، وقتها كنت صرفت أكتر من 7 آلاف جنيه فى الفترة البسيطة دى، وسمعت كلامه ورحت».
تم إجراء جراحة استئصال الثدى لأشرف أولاً قبل البدء فى جلسات العلاج الكيماوى، وهو بروتوكول متبع فى حالات السرطان، حسبما يشير الأطباء، وربما يختلف فى بعض الحالات حيث يتم البدء بالعلاج الكيماوى إذا تطلب الأمر، ولكن فى حالة أشرف ملاك، كانت الجراحة مرحلة أولى فى العلاج.
تمت إزالة الورم مع عدد من الغدد الليمفاوية فى الجانب الأيسر، وخضع الرجل بعدها لجرعات كيماوى قاسية، يقول عنها: «كنت بموت، عملت 4 جرعات كيماوى أحمر الفاصل بينهم 21 يوم، وبعد كده 12 جرعة أسبوعية من الكيماوى الأبيض».
كان يعود الستينى بعد الجلسات إلى البيت مُنهكاً، بالكاد ينام ساعتين ثم يبدأ صراعه مع الإمساك الذى يمتد يومين أو ثلاثة. ورغم ذلك كان يصر على الذهاب إلى ورشته للعمل: «بعد العملية رحت الشغل تانى يوم ومعايا الدرنقة شايلها فى جنبى، أقعد على الكرسى وهى معايا، أنا ماكنتش هبقى مرتاح لو قعدت فى السرير لأنى راجل بتاع شغل وجسمى مابيحبش الراحة».
وبحسب «الصحة العالمية» فإن «الكيماوى الأحمر» يشير إلى الأدوية الكيميائية التى تكون أكثر قوة ولها تأثيرات جانبية قوية ويُستخدم فى حالات سرطان الثدى، أما «الكيماوى الأبيض» فله آثار جانبية أقل حدة مقارنة بـ«الأحمر».
حدد الطبيب المعالج مواعيد العلاج الكيميائى وهو نوع من العلاج الطبى يستخدم الأدوية لقتل الخلايا السرطانية أو تقليص حجم الأورام. هذه الأدوية تعمل على تدمير الخلايا التى تنمو بسرعة.
«أشرف»: «أخدوا 3 عينات من صدرى وحللوها.. وأخذت 4 جرعات كيماوى أحمر و12 أبيض وبعد الجراحة رُحت الشغل تانى يوم بالدرنقة»
فحوصات طبية لأحد المرضى
الرحلة الأصعب لأشرف ملاك، بدأت مع العلاج الكيماوى. سقط شعر رأسه وحاجبيه. وخسر جزءاً من وزنه. مظهره كان كفيلاً بأن يعلن للآخرين طبيعة ما يمر به من مرض: «ماكنتش عايز حد يحس بحاجة، ولما بدأت أخس وشعرى يقع، أخدوا بالهم، فقررت أعترف بحقيقة الموضوع، حتى لو كنت هشوف فى عينهم نظرة شفقة واستغراب».
بعد انتهاء جلسات الكيماوى، دخل الرجل فى مرحلة جديدة وهى 15 جلسة إشعاع على موضع العملية، وهو علاج يستخدم الأشعة السينية أو الجزيئات عالية الطاقة لتدمير الخلايا السرطانية، وعادة ما يُستخدم بعد الجراحة أو بجانب العلاج الكيميائى لتقليل حجم الورم السرطانى أو القضاء على أى خلايا سرطانية متبقية ثم بدأت بعد ذلك مرحلة العلاج الهرمونى المستمرة حتى الآن.
الزوجة.. السند
وسط هذا كله، كانت حنان فوزى زوجته سنداً لا يميل. لم تفارقه فى جلسة واحدة. تقرأ عن الغذاء والفيتامينات حتى يتسنى لها أن تقدم له أفضل الوجبات المفيدة لحالته. تطمئنه وتنوع فى طعامه حتى تفتح شهيته.
وعن تلك الفترة تقول إنها، بحكم عملها فى أحد معاهد الأورام، توقعت عند بداية ملاحظتها لظهور «الكلكيعة» فى ثدى زوجها، أن يكون لديه ورم سرطانى، وذلك لأنها كانت تعلم من الأطباء أن سرطان الثدى يصيب الرجال بنسب منخفضة، ولأنه لا أحد يتحدث كثيراً عن الأمر ولا توجد دراسات كثيرة حوله، فإن هناك معلومات منقوصة حول طبيعة المرض لدى الرجال، على عكس النساء، حيث المعلومات الوفيرة والتوعية الإعلامية المستمرة.
تشخيص أشرف ملاك بسرطان الثدى
تقول زوجة أشرف ملاك: «ماكانش مقتنع إنه سرطان، لكنى كنت شاكة فى الموضوع وعارفة إنه عادى ممكن يصيب الرجالة، ومع ذلك ماكنتش بقول له كلام يخليه يخاف، لحد ما قررنا نروح نعمل فحوصات طبية علشان نطمئن».
وتتابع: «لما اتأكدت إنه خبيث، كنت بموت حرفياً لأنى عارفة كويس حجم العذاب والألم إللى بيحسه مريض الكانسر وصعوبة رحلة الكيماوى والإشعاع، علشان كده كنت منهارة من الداخل، لكنى كنت متماسكة قدامه علشان القلق والتوتر مايزيدش».
استشارى بـ«القومى للأورام»: قلة الأبحاث والدراسات المتاحة حوله تؤدى لمحدودية التقدم فى علاجه مقارنة بحالات السيدات.. وتقنية «الغدة الحارسة» المستخدمة لكشف الغدد المصابة للسيدات لا تُطبَّق فى الرجال بسبب عدم توافر دراسات كافية فيتم التعامل مع الغدد الليمفاوية
وتكشف أنها علمت بنتيجة الفحص قبل زوجها وفكرت أولًا ألا تخبره بالحقيقة، ولكنها وجدت أنه لا بد أن يعلم حتى تكون مراحل العلاج سهلة بعد ذلك، مؤكدة: «قعدت أهوّن عليه وأقول له ده حاجة بسيطة وهنعمل عملية، وهتبقى زى الفل. كنت بطمنه وبقول له الحمد لله إنه ورم ظاهر وعرفناه من بدرى».
تحكى الزوجة عن معاناة زوجها خلال رحلة العلاج الكيماوى التى تعتبرها الأصعب بعد إجراء الجراحة، مؤكدة: «كان بيموت حرفياً خصوصاً فى الـ4 جرعات الحمراء وكانت مأثرة على حاجات كتيرة جداً فى جسمه، وعلى أعصابه وأطرافه، وكان نفسياً مش كويس وماكانش عايز يقول لحد، علشان يمكن كل الناس ماعندهاش معلومات كافية عن المرض لما بيصيب الرجالة، لكنه فى النهاية قرر يواجه، لأن ده قدر ربنا ولازم نرضى بيه، وتجاوز مرحلة الإنكار والخوف من نظرة الناس».
هنا يتدخل د. محمد سامى، مدرس واستشارى طب أورام، ويتحدث عن اكتشاف الورم لدى الرجال، مؤكداً أنه غالباً ما يحدث فى مرحلة مبكرة، لأن أى كتلة صغيرة فى ثدى الرجل تظهر بوضوح لصغر حجمه مقارنة بالنساء، إلا أن الخوف والإنكار يدفعان كثيراً من الرجال إلى تأجيل الكشف كما حدث فى حالة أشرف ملاك، إذ لا يتوقعون إمكانية حدوث ورم سرطانى لديهم فى الثدى، كما يشعر بعضهم بالخجل عند التوجه للكشف بين السيدات.
وصمة مرض
الدكتور جمال فرويز، استشارى الطب النفسى، يرى أن سرطان الثدى لدى الرجال رغم نُدرة حدوثه إلا أنه يحمل أبعاداً نفسية أكثر صعوبة وتعقيداً مقارنة بالنساء، قائلاً: «الوصمة الاجتماعية وقلة الوعى تجعل المريض يُعانى فى صمت، وغالباً ما يتأخر التشخيص بسبب اعتقاده أن سرطان الثدى مرض ستات». وأضاف: «الرجل حين يُصاب بسرطان الثدى يواجه صدمة مضاعفة، أولاً عند تشخيص المرض نفسه، وثانياً نتيجة الإحساس بالحرج مما يرفع معدلات القلق والاكتئاب ويجعل الاستجابة للعلاج العضوى أقل فاعلية».
وأكد «فرويز» أن «القلق يُضعف المناعة النفسية والجسدية، وكلما ارتفع الضغط النفسى، قلّت قدرة الجسم على مقاومة المرض»، قائلاً: «شخصية بعض الرجال خاصة أصحاب السمات العصبية القلوقة تكون أكثر عرضة للانهيار النفسى عند مواجهة المرض، لأنهم يخشون نظرة المجتمع، مما يؤثر على التزامهم بالعلاج الطبى».
وتحدث استشارى الطب النفسى عن رحلته إلى إنجلترا مؤخراً وقال إنه وجد أن بروتوكول العلاج النفسى موازٍ للعلاج العضوى، حيث يحال مريض سرطان الثدى إلى طبيب نفسى بشكل مباشر بعد التشخيص، لأن العلاج النفسى جزء أساسى من خطة العلاج، وليس خدمة إضافية، مؤكداً «العلاج النفسى مع العلاج العضوى يرفع نسب التحسن، ويقلل الانتكاسات النفسية التى قد تُربك مسار العلاج».
وأوضح أن الأبحاث الدولية فى مجال الطب النفسى أثبتت أن الرجال المصابين بسرطان الثدى يعانون من معدلات أعلى من الاكتئاب مقارنة بالنساء، بسبب الوصمة المجتمعية وقلة التثقيف، قائلاً: «معظم الرجال المصابين بالمرض لا يعانون من الألم الجسدى فقط، بل من صراع نفسى متعلق بهويتهم وثقتهم بأنفسهم».
طبيعة المرض وخطورته
وحسب منظمة الصحة العالمية فإن سرطان الثدى مرض تنمو فيه خلايا الثدى غير الطبيعية بشكل خارج عن السيطرة وتُشكل أوراماً، ويمكن للأورام إذا تُركت دون علاج أن تنتشر فى جميع أنحاء الجسم وتُصبح قاتلة، حيث تبدأ بالظهور داخل قنوات الحليب. والشكل الأولى لها لا يهدد الحياة، ويمكن الكشف عنه فى مراحل مبكرة من خلال أخذ عينة من المريض المشتبه فى إصابته به من عدة أماكن.
ويوضح د. أحمد حجازى، استشارى ومدرس جراحة الأورام بالمعهد القومى للأورام بجامعة القاهرة، أن الحصول على العينة خطوة أساسية فى تشخيص معظم أورام السرطان، مشيراً إلى أنها لا تتسبّب فى نشر الورم كما يعتقد البعض، كما أن تحديد نوع الورم يستلزم تحليل العينات بدقة، لمعرفة ما إذا كان حميداً أو خبيثاً، وتحديد العائلة التى ينتمى إليها، لضبط بروتوكول العلاج الملائم. وأكد أن نُدرة إصابة الرجال بسرطان الثدى تجعل الأبحاث والدراسات المتاحة حوله قليلة، الأمر الذى يُؤدى إلى محدودية التقدّم فى طرق علاجه، مقارنة بحالات السيدات، موضحاً أن أغلب الرجال يُشخّصون فى المرحلة الثالثة، نظراً لاقتراب الورم من الجلد وعدم وجود مساحة كافية لتمدّده دون ظهور أعراض جلدية، مما يجعل العلامات تظهر فى مرحلة متقدمة نسبياً.
وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن سرطان الثدى له عدة مراحل، أولاها يكون فيها عرض الورم أقل من 2 سنتيمتر، ولا تكون الخلايا السرطانية قد انتشرت خارج الثدى، أما الثانية والثالثة فيكون قد صار أكبر حجماً، ووصل إلى العقد الليمفاوية فى منطقة تحت الإبط، وخلال المرحلة الرابعة يكون قد انتشر إلى مناطق أخرى من الجسم، حيث يمكنه الانتقال إلى أى جزء.
يعود د. أحمد حجازى ويوضح أن بعض حالات الرجال تبدأ العلاج بـ«الكيميائى» فى حالة ما إذا كان حجم الورم كبيراً، بهدف تصغيره والقضاء على أى خلايا سرطانية قبل الجراحة، قائلاً: «فترة العلاج الكيميائى 5 شهور، يعقبها شهر نقاهة، ثم تُعرض الحالة على لجنة طبية تضم جراحين وأطباء علاج كيميائى وإشعاعى لتقييم مرحلة التدخل الجراحى وما بعدها».
وأوضح استشارى جراحة الأورام أن العلاج الإشعاعى بعد الجراحة يهدف إلى تعقيم مكان العملية، والتعامل مع أى خلايا غير مرئية، بينما تحدّد اللجنة لاحقاً مدى احتياج المريض للعلاج الهرمونى، الذى يُمثل وسيلة للوقاية ومنع ظهور أورام جديدة، وكشف أنه عالج عدة حالات من الرجال كان الورم قد وصل فيها إلى الجلد، قائلاً: «غالباً ما يكون الموضع الأول الأكثر شيوعاً لانتشار سرطان الثدى لدى الرجال هو العقد الليمفاوية تحت الإبط، ولذلك فإن استئصال الأورام يتضمّن التعامل مع الغدد الليمفاوية، وعلى عكس الحال فى النساء ونتيجة لندرة الدراسات الخاصة بسرطان الثدى لدى الرجال، لا تطبّق تقنية الغدد الحارسة التى يتم تطبيقها على النساء وتتيح تحديد الغدد المصابة فقط، وبالتالى فإنه يتم استئصال جميع الغُدد الليمفاوية تحت الإبط لدى الرجال، وهو ما يزيد فرص تورم الذراع التى تم نزع الغدد الليمفاوية منها».
وتقول المؤسسة الوطنية الأمريكية لسرطان الثدى إن العقد الليمفاوية هى جزء من الجهاز المناعى، عبارة عن شبكة من الأوعية تمتد فى جميع أنحاء الجسم. وكما يوزع الجهاز الدورى الدموى العناصر الغذائية فى الجسم، ينقل الجهاز الليمفاوى الخلايا والسوائل المقاومة للأمراض. وتوجد تجمعات من العقد الليمفاوية، التى تشبه حبة الفاصوليا، فى مناطق مختلفة من الجهاز الليمفاوى، حيث تعمل كمرشحات تنقل الخلايا غير الطبيعية بعيداً عن الأنسجة السليمة.
انتشار سرطان الثدى
وتؤكد المؤسسة الوطنية الأمريكية لسرطان الثدى أنه: يصعب فهم نمو وانتشار سرطان الثدى، لأن نمو الخلايا السرطانية غالباً ما يتغذى على مواد كيميائية صحية طبيعية فى الجسم، مثل الاستروجين والبروجسترون. ورغم أن لكل من هذه المواد الكيميائية وظيفة صحية مهمة، فإنها قد تسرّع نمو أورام سرطان الثدى عندما تتحول الخلية إلى خلية سرطانية.
وتشير المؤسسة الأمريكية إلى أنه يُحدّد نوع سرطان الثدى بناءً على منشأ نمو الخلايا السرطانية، وعندما يُكتشف السرطان فى العقد الليمفاوية المجاورة، يُساعد ذلك الأطباء على تحديد مدى انتشاره. فإذا احتوت العقد الليمفاوية الأقرب على خلايا سرطانية، تُفحص عادة عقد ليمفاوية إضافية للتأكد من وجود أو عدم وجود خلايا سرطانية، وذلك لفهم مدى تقدم المرض.
وأشارت إلى أنه يمكن للأوعية الليمفاوية والدموية أن تنقل السرطان إلى مناطق أخرى من الجسم، ويمكن أن يُساعد فحص العقد الليمفاوية فى تحديد مدى تطور المرض. وتتابع: «لا يزال تصوير الثدى بالأشعة السينية أو الماموجرام المعيار الذهبى للكشف المبكر عن الأورام، ولا تتسبّب كمية الإشعاع المستخدمة فى تصويره فى انتشار الورم».
مرحلة العلاج الهرمونى
بعد أن انتهى أشرف ملاك من جلسات العلاج الإشعاعى، بدأ قبل أيام فى مرحلة العلاج الهرمونى، والتى ستستمر لمدة 5 أعوام، وهى المرحلة التى يتحدّث عنها د. محمد سامى، مدرس واستشارى طب أورام، قائلاً: «المريض يخضع لعلاج هرمونى لمدة لا تقل عن 5 سنوات، لأن الخلايا السرطانية فى هذا النوع تنشط بفعل الهرمونات، والهدف هو منع إعادة تنشيط أى خلايا متبقية فى الجسم».
وأوضح استشارى طب الأورام أن «ثدى الرجال تظهر به الأورام بسبب العوامل الهرمونية وحجم النسيج الثديى، والنوع الأكثر شيوعاً من أورام الثدى لدى الرجال يكون غالباً هرمونياً إيجابياً، وهو أحد الأنواع الثلاثة المعروفة لأورام الثدى، ويُعد أقلها من حيث سرعة الانتشار ومعدل التكاثر».
وأشار إلى أنه عند إصابة الرجل بسرطان الثدى يكون من الصعب استئصال الورم مع الحفاظ على الثدى، نظراً لصغر حجم الثدى، ولذلك يتم فى معظم الحالات استئصال الثدى بالكامل، مؤكداً: خلال العملية الجراحية يتم حقن صبغة زرقاء داخل الورم لتحديد العقدة الليمفاوية المصابة، وهى أول محطة يمكن أن ينتقل إليها الورم، مما يساعد على دقة الاستئصال.
ويستغرق التعافى من الجراحة، حسب استشارى طب الأورام، نحو أسبوعين، والعلاج الكيماوى يُعطى عادة بعد الجراحة، وقد يُعطى قبلها فى حالات محدّدة، مثل التصاق الورم بالجلد أو بعضلات الصدر. ويتابع: «العلاج الإشعاعى يُحدّد وفقاً لعدد الغدد الليمفاوية المصابة، فإذا كانت أكثر من 3 غدد يتم إعطاء الإشعاع، أما إذا كان الاستئصال كلياً للثدى، فقد لا يحتاج المريض إلى إشعاع».
مرضى آخرون
بينما ظن أشرف ملاك أنه الرجل الأوحد المُصاب بالمرض، نظراً لعدم وجود إحصائيات مُعلنة ومعروفة للعامة بأعداد الرجال المصابين فى مصر بمرض سرطان الثدى، فقد اكتشف أن هناك مصريين آخرين بالفعل مصابون بهذا المرض، من بينهم صبرى محمد، الذى طلب الإشارة إليه باسم مستعار، ورفض بشكل قاطع أى إشارة إلى شخصيته الحقيقية، خوفاً من نظرة المجتمع إليه، مؤكداً: «أنا مش خايف من المرض، لكنى خايف من نظرة الناس ليا».
«صبرى»: «نفسى يكون لينا مكان لوحدنا علشان مايبقاش العذاب مُضاعف.. وأكيد فيه رجالة تانية زى حالاتى ومش عايزين يكشفوا علشان مكسوفين»
لم يخطر فى بال «صبرى» أن الألم الذى يوقظه من النوم كل ليلة، ما هو إلا سرطان ثدى. ظل الأربعينى يُقنع نفسه بأن الأمر بسيط، وأن الرجال لا يصابون بما يُعرف عند الناس بأنه «مرض ستات». ويقول إن قصته بدأت قبل 3 أعوام، حين لاحظ ظهور كتلة صغيرة بالثدى، لم يُعرها اهتماماً فى البداية، لأنها لم تكن مؤلمة وقتها، وحاول أن يقنع نفسه بأنها مجرد «دمل»، قائلاً: «كنت باقول لنفسى مش معقول أبقى راجل وأروح أكشف على ثديى، طيب إزاى هاروح وسط ستات وأقعد معاهم أنتظر دورى».
عندما بدأت الكتلة الصغيرة التى ظهرت فى حلمة الثدى تكبر، قرر الذهاب إلى الطبيب، ليجد نفسه فى غرفة انتظار مزدحمة بالنساء، كما توقع، وصور توعية على الحائط كلها موجّهة للسيدات، ومنشورات عن «فحص الثدى للمرأة»، بينما كان هو الرجل الوحيد فى الانتظار.
«الصحة العالمية»: الرجال والنساء يُولدون ولديهم نسيج ثديى واحد ولهذا أى إنسان قد يُصاب بالمرض.. و1% من المصابين على مستوى العالم رجال.. ويصابون بالمرض عندما تطرأ بعض التغيرات على الحمض النووى للخلايا
وبعدما أجرى كل الفحوصات الطبية، جاءت الكلمة التى ظل لسنوات يهرب منها: «عندك سرطان فى الثدى». ضحك الرجل يومها ضحكة قصيرة تشبه البكاء، وقال للطبيب: «أنا راجل يا دكتور». ليرد الطبيب قائلاً: «سرطان الثدى لا يفرّق بين الرجال والنساء، وأنت مش أول واحد».
عاش الرجل لحظات صعبة خلال رحلة العلاج الكيماوى التى سبقت الجراحة الطبية، كان يذهب إلى المستشفى لأخذ جلسة كيماوى، مؤكداً أنه لم يكن هناك تصنيف لفئات المرض من حيث الجنس، فالجميع يدخلون من الباب نفسه ويتعاملون المعاملة نفسها ويخضعون لكل الفحوصات الطبية. ويحكى الرجل تفاصيل زيارته الأولى لأحد معاهد الأورام، ويقول: «كنت ماشى وجوايا كلام كتير ماقدرتش أقوله لمخلوق، عندى مرض المجتمع مش معترف إنه ممكن يصيب الرجال».
مدير «أورام كفر الشيخ»: السمنة تؤدى لزيادة إفراز الهرمونات ما يؤثر على احتمالية حدوث الورم وتُعد من عوامل الخطورة.. وعند إصابة الرجل يكون من الصعب استئصال الورم مع الحفاظ على الثدى نظراً لصغر حجمه.. وفى حالة انتشاره لمناطق أخرى بالجسم يمكن استخدام العلاج الموضعى
يحكى ويقول إنه عندما دخل معهد الأورام جلس فى ركن بعيد، لكونه شعر بعيون النساء تتساءل: «هو بيعمل إيه هنا؟». لكن الحقيقة: الجميع مشغولون بمرضهم، لكنه كان يسمع صدى صوته الداخلى. قائلاً: «نفسى يكون لينا يوم أو مكان لوحدنا علشان مايبقاش العذاب مُضاعف، أكيد فيه رجالة تانية زى حالاتى، ومش عايزين يكشفوا علشان محرجين».
علاجات موضعية
ويقول د. عماد صدقة، مدير مستشفى الأورام الجامعى بكفر الشيخ، إن أورام الثدى فى الرجال تُعالج بنفس بروتوكولات العلاج الكيماوى المستخدمة مع السيدات، قائلاً: «المريض يتلقى العلاج الكيماوى بنفس البروتوكولات التى تتلقاها السيدات، وقد يتلقى العلاج الهرمونى أيضاً».
وأكد أن الرجال يتم استئصال ثديهم كاملاً، لأن حجمه صغير، وبالتالى لا فائدة من الاستئصال الجزئى من ناحية الشكل. قائلاً: عند إصابة الرجل يكون من الصعب استئصال الورم مع الحفاظ على الثدى نظراً لصغر حجمه، ولذلك يتم فى معظم الحالات استئصاله بالكامل، ويتم أيضاً استئصال الغدد الليمفاوية تحت الإبط، وبعد ذلك يتلقى المريض العلاج الكيماوى والإشعاعى والهرمونى تماماً مثل النساء ويتم تطبيق نفس التوصيات العالمية الخاصة بأورام الثدى لدى النساء على الرجال.
وأكد مدير «أورام كفر الشيخ» أن السمنة تؤدى لزيادة إفراز الهرمونات، وهذا بدوره قد يؤثر على احتمالية حدوث الورم، وتُعد من عوامل الخطورة لسرطان الثدى. وعن أساليب العلاج يقول إن هناك أكثر من أسلوب من بينها العلاج الموضعى حيث يتم توجيه العلاجات الموضعية إلى المنطقة المصابة بالسرطان، كما أن الجراحة والعلاج الإشعاعى أسلوبان للعلاج الموضعى يزيلان أو يدمران السرطان. وفى حالة انتشاره إلى مناطق أخرى بالجسم يمكن استخدام العلاج الموضعى للتحكم فى المرض بهذه المناطق.
نسب الإصابة
حاول معد التحقيق معرفة أعداد الرجال المصابين بالمرض فى مصر بدقة، وتواصل مع د. حسام عبدالغفار، المتحدث الرسمى باسم وزارة الصحة، الذى قال إن أغلب الدراسات المصرية تشير إلى أن نسبة إصابة الرجال بمرض سرطان الثدى تدور حول 1% من إجمالى حالات سرطان الثدى، مؤكداً أن المرض موجود فى مصر بالفعل ويحتاج إلى وعى وتشخيص مبكر حتى لا يتفاقم الوضع الطبى للمريض.
«سامى»: المرض غالباً ما يحدث فى مرحلة مبكرة.. والمريض يخضع لعلاج هرمونى لمدة لا تقل عن 5 سنوات والهدف منع إعادة تنشيط أى خلايا متبقية فى الجسم.. وبعض المرضى يشعرون بالخجل عند التوجه إلى الطبيب للكشف بين السيدات
وأشار «متحدث الصحة» إلى وجود طفرات وراثية خاصة فى جين BRCA2، تزيد من خطر إصابة الشخص بسرطان الثدى، فضلاً عن وجود تاريخ عائلى لسرطان الثدى، ومتلازمة كلاينفلتر، التى تُعد واحدة من مجموعة المتلازمات الناتجة عن عدد غير صحيح للكروموسومات الجنسية، كما أن زيادة مستوى الأستروجين فى الجسم نتيجة أمراض الكبد أو اضطرابات الخصية أو العلاج الهرمونى من العوامل المعروفة التى تزيد من فرص الإصابة.
وأكد «المتحدث» أن الأعراض الأكثر شيوعاً عند الرجال تشمل ظهور كتلة أو تورم تحت أو قرب الحلمة، أو حدوث تغيرات فى شكلها مثل الانكماش إلى الداخل، أو خروج إفرازات منها، أو حدوث احمرار أو تقشر فى الجلد، أو تضخم فى الغدد الليمفاوية تحت الإبط، موجهاً نصيحة للمواطنين يقول فيها: «فور ظهور أى تغير فى منطقة الثدى يجب الكشف الإكلينيكى والتصوير المناسب وإجراء خزعة أو عينة للتشخيص. كما يُنصح بالتقييم الوراثى لمن لديهم تاريخ عائلى».
وعن أسس العلاج يشير إلى أنها واحدة تقريباً لدى الرجال والنساء، مؤكداً: «العلاج الجراحى غالباً يكون باستئصال الثدى بالكامل عند الرجال نظراً لصغر حجم نسيج الثدى، والعلاج الإشعاعى والكيميائى يُستخدم حسب مرحلة المرض، وأغلب أورام الرجال تستجيب للعلاج الهرمونى، لذلك التاموكسيفين يعد عنصراً أساسياً فى العلاج، كما يُمكن استخدام العلاجات الموجهة إذا كانت هناك خصائص بيولوجية تستدعى ذلك».
وهكذا تؤكد المعطيات السابقة أن سرطان الثدى لدى الرجال مرض يستحق زيادة التوعية به، وأن المصابين، وإن قل عددهم، فئة تستحق دعماً ومساندة طبية ونفسية من نوع خاص.


