بين الشراء بالدولار أو الاحتلال بالقوة.. «جرينلاند» تختبر حدود الطموح الأمريكي

كتب: محمود العيسوي

بين الشراء بالدولار أو الاحتلال بالقوة.. «جرينلاند» تختبر حدود الطموح الأمريكي

بين الشراء بالدولار أو الاحتلال بالقوة.. «جرينلاند» تختبر حدود الطموح الأمريكي

عاد ملف جزيرة «جرينلاند» ليحتل صدارة الجدل الدولى من جديد، بعدما أعاد الرئيس الأمريكى، دونالد ترامب، طرح فكرة ضم الجزيرة إلى الولايات المتحدة، فى خطوة بدت صادمة لكثير من العواصم الغربية، ومقلقة لخبراء القانون الدولى والنظام العالمى، فبينما حاولت بعض الأوساط التعامل مع التصريحات باعتبارها «مناورة سياسية»، أو امتداداً لأسلوب «ترامب» غير التقليدى، سرعان ما كشفت تسريبات وتقارير إعلامية، من بينها ما نشرته مجلة «نيوزويك» ووكالة «رويترز»، أن الأمر يتجاوز حدود التصريحات، إلى بحث فعلى لخيارات تتراوح بين الشراء المباشر، واستخدام أدوات ضغط اقتصادية، وصولاً إلى عدم استبعاد التدخل العسكرى.

«نيوزويك»: «ترامب» يضرب بالأعراف الدولية وقواعد السيادة الوطنية «عرض الحائط».. والتدخل العسكرى أحد الخيارات المطروحة

ووفق تقرير نشرته «نيوزويك» هذا الأسبوع، فقد أكد البيت الأبيض، فى أكثر من مناسبة، أن مسألة «جرينلاند» تحظى بمناقشات «جدية» داخل أروقة الإدارة الأمريكية، مبرراً ذلك باعتبارات تتعلق بالأمن القومى وموقع الجزيرة الاستراتيجى فى قلب القطب الشمالى، غير أن هذا التبرير لم يخفف من حدة القلق الدولى، بل زاده تعقيداً، خاصة فى ظل ما يُنظر إليه باعتباره تجاهلاً صريحاً لقواعد راسخة تحكم العلاقات بين الدول منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وعلى رأسها مبدأ احترام السيادة الوطنية وعدم جواز الاستيلاء على الأراضى بالقوة، أو تحت الإكراه.

ويكشف التقرير أن «إدارة ترامب» درست بالفعل سيناريوهات غير مسبوقة، من بينها تقديم مبالغ مالية مباشرة لسكان «جرينلاند»، البالغ عددهم نحو 57 ألف نسمة، فى محاولة لإضفاء طابع «القبول الشعبى» على فكرة الانتقال إلى السيادة الأمريكية، ووفق هذه الطروحات، تراوحت التقديرات بين 10 آلاف و100 ألف دولار لكل فرد، بما يعنى كلفة إجمالية قد تصل إلى نحو 5.7 مليار دولار، ورغم أن هذا الرقم يبدو كبيراً ظاهرياً، فإن خبراء يرون أنه لا يمثل سوى جزء ضئيل من أى صفقة محتملة، ولا يعكس بأى حال القيمة الحقيقية للجزيرة، أو تعقيد وضعها القانونى والسياسى.

الرفض الدنماركى جاء حاسماً منذ اللحظة الأولى، حيث أكدت كوبنهاجن أن الجزيرة «ليست للبيع»، وأن أى محاولة لفرض السيطرة الأمريكية، سواء عبر الضغوط الاقتصادية، أو القوة العسكرية، ستُعد انتهاكاً صارخاً للقانون الدولى، ولم تكتفِ الدنمارك بذلك، بل حذرت صراحة من أن مثل هذه الخطوة قد تقوِّض أسس حلف شمال الأطلسى «الناتو»، وتضعه أمام اختبار وجودى غير مسبوق، فكيف يمكن لحلف دفاعى، يقوم على مبدأ التضامن المشترك، أن يستمر إذا هدد أحد أعضائه سيادة عضو آخر؟

تقارير عن «صفقة» بقيمة 5.7 مليار دولار لشراء «ولاء» 57 ألف نسمة من سكان الجزيرة

القلق الأوروبى لم يقتصر على البعد القانونى، بل امتد إلى التداعيات الجيوسياسية الأوسع، حيث إن «جرينلاند» تمثل حلقة مركزية فى التوازنات الاستراتيجية داخل القطب الشمالى، وهى منطقة تشهد تنافساً متصاعداً بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، فى ظل ذوبان الجليد، وفتح مسارات بحرية جديدة، ومن هذا المنطلق يرى مراقبون أن الطموح الأمريكى لا ينفصل عن سباق النفوذ العالمى، ومحاولة تأمين موقع متقدم فى منطقة يُتوقع أن تكون إحدى ساحات الصراع الكبرى فى العقود المقبلة.

أما من حيث القيمة الاقتصادية، فإن تقدير «سعر» جرينلاند يظل مسألة إشكالية بامتياز، فالمساحة الهائلة للجزيرة، التى تتجاوز 836 ألف ميل مربع، وموقعها الجغرافى الفريد، وثرواتها الطبيعية الكامنة، تجعل من المستحيل تقريباً التعامل معها كصفقة عقارية تقليدية، وتاريخياً يعود آخر عرض أمريكى رسمى لشراء الجزيرة إلى عام 1946، حين عرض الرئيس هارى ترومان 100 مليون دولار، وهو عرض قوبل بالرفض، أما اليوم، وبعد تغير جذرى فى موازين القوى والقيمة الاستراتيجية للقطب الشمالى، فإن تقديرات الخبراء تتراوح بين عشرات ومئات المليارات من الدولارات، بل وتصل فى بعض الحسابات إلى تريليونات الدولارات.

وتشير دراسات صادرة عن مراكز أبحاث أمريكية إلى أن القيمة النظرية للموارد المعدنية فى جرينلاند قد تبلغ نحو 4.4 تريليون دولار، تشمل معادن نادرة تُعد أساسية لصناعات التكنولوجيا المتقدمة والطاقة المتجددة والدفاع، غير أن هذه التقديرات تبقى افتراضية إلى حد كبير، إذ إن الجزء القابل للاستخراج حالياً لا يتجاوز 186 مليار دولار، بسبب الظروف البيئية القاسية، وصعوبات البنية التحتية، والتكلفة الباهظة لعمليات التعدين فى بيئة قطبية شديدة الحساسية.

فى مواجهة هذه الطموحات، تتصاعد التحذيرات من خطورة اختزال القضية فى منطق «السعر المناسب»، خبراء القانون الدولى يشددون على أن فكرة بيع إقليم ذى سيادة تتعارض مع جوهر النظام الدولى الحديث، الذى يقوم على احترام الحدود المعترف بها دولياً، وحق الشعوب فى تقرير مصيرها، ويؤكد هؤلاء أن تشجيع مثل هذا المنطق قد يفتح الباب أمام سوابق خطيرة، تُضعف قواعد الاستقرار العالمى، وتعيد إحياء سياسات القوة التى سادت فى عصور سابقة.

اللافت أن الاعتراضات لم تقتصر على الخارج، بل امتدت إلى الداخل الأمريكى، حيث صدرت مواقف من الحزبين الجمهورى والديمقراطى داخل الكونجرس تحذر من التداعيات السياسية والأخلاقية لمثل هذا المسار.

وتختتم «نيوزويك» تقريرها بالقول إن الجدل الدائر حول «جرينلاند» يكشف عن مفارقة جوهرية فى السياسة الدولية المعاصرة، صراع بين منطق المصالح الجيوسياسية والاقتصادية، ومنطق القيم والمبادئ، التى يُفترض أنها تحكم النظام العالمى. وبين خيار الشراء بالدولار، أو التلويح بالقوة، تقف «جرينلاند» بوصفها اختباراً حقيقياً لحدود الطموح الأمريكى، ولمدى قدرة النظام الدولى على الصمود فى وجه عودة منطق الصفقات على حساب السيادة وإرادة الشعوب.


مواضيع متعلقة