المستقلون «الحصان الأسود» في مجلس النواب.. 109 مقاعد بـ«الفردي والقائمة والتعيين»

كتب: يسرا البسيوني

المستقلون «الحصان الأسود» في مجلس النواب.. 109 مقاعد بـ«الفردي والقائمة والتعيين»

المستقلون «الحصان الأسود» في مجلس النواب.. 109 مقاعد بـ«الفردي والقائمة والتعيين»

بعد أطول انتخابات برلمانية فى تاريخ مصر السياسى، استمرت نحو 99 يوماً، أُسدل الستار على ماراثون انتخابى استثنائى، لتكتمل ملامح «مجلس النواب 2026»، فى مشهد يعكس تحولات لافتة فى الخريطة السياسية، ويؤشر إلى مرحلة جديدة، عنوانها الأبرز تراجع الهيمنة الحزبية التقليدية، وصعود المستقلين، وعودة فكرة التوازن والتوافق تحت قبة البرلمان، حيث كشفت النتائج النهائية عن خريطة سياسية غير تقليدية، إذ غابت للمرة الأولى منذ سنوات فكرة «حزب الأغلبية المطلقة»، بعدما حصد الحزب المتصدر 231 مقعداً فقط، وهو رقم لا يتجاوز نصف إجمالى الأعضاء المنتخبين، ما يجعله «حزب أكثرية»، لا يملك تمرير التشريعات منفرداً، ويضطر إلى بناء توافقات مع قوى سياسية أخرى داخل المجلس.

وفى المحصلة، يعكس «مجلس النواب 2026» مرحلة سياسية جديدة، يتقدم فيها المستقلون كلاعب رئيسى فى المشهد التشريعى، فى برلمان أكثر تنوعاً، وأشد ارتباطاً بقضايا الشارع، ومعادلة سياسية مفتوحة على احتمالات متعددة، بين التنسيق والتنافس، وبين التنظيم الحزبى والحضور الفردى، ويرى متابعون أن هذا الواقع يعيد الاعتبار لمنطق التفاوض والتشاور البرلمانى، ويحد من تمرير القوانين بصورة أحادية، بما ينعكس إيجاباً على جودة التشريع، وتنوع الرؤى داخل اللجان النوعية والجلسات العامة.

وفى المرتبة الثانية، بعد الحزب المتصدر، يبرز المستقلون بوصفهم الكتلة الأكثر تأثيراً داخل البرلمان الجديد، بعدما حصدوا 109 مقاعد، بواقع 96 مقعداً بالنظام الفردى، و8 مقاعد عبر القوائم، و5 مقاعد بالتعيين، لتشكل هذه الحصيلة نحو 18% من إجمالى الأعضاء المنتخبين، وتكشف المقارنة مع «برلمان 2020» عن قفزة واضحة فى أعداد المستقلين، إذ لم يتجاوز تمثيلهم حينها 72 نائباً بالنظام الفردى، إلى جانب أكثر من 20 نائباً عبر القوائم، وهو ما يؤكد أن انتخابات 2026 تمثل نقطة تحول فى الوزن النسبى للمستقلين داخل المؤسسة التشريعية، ويكتسب هذا الحضور دلالة خاصة فى ضوء أن أكثر من 80% من مرشحى الانتخابات الحالية كانوا مستقلين، حيث تجاوز عددهم 2000 مرشح، من أصل 2597، وهو ما يعكس استمرار جاذبية النظام الفردى بالنسبة للمستقلين، فى مقابل محدودية فرصهم داخل القوائم، التى يغلب عليها الطابع الحزبى والتنظيمى.

«سلامة»: «جرس إنذار» للأحزاب السياسية لمراجعة أدائها وتجديد خطابها

وتشير الأرقام إلى أن المستقلين حسموا أكثر من 30% من إجمالى مقاعد الفردى، ما يؤكد أن ثقلهم الحقيقى بات مرتبطاً بالمعركة المباشرة مع الناخب، لا بالتحالفات الحزبية أو الترتيبات المسبقة، وفى قراءة تحليلية للمشهد الانتخابى أكد الدكتور حسن سلامة، أستاذ العلوم السياسية، أن مصر نجحت فى اجتياز الاختبار الانتخابى الأطول فى تاريخها، مشيراً إلى أن انتخابات مجلس النواب 2026 تمثل «شهادة ميلاد» لممارسة ديمقراطية تتسم بالشفافية والمكاشفة.

وأوضح «سلامة» أن نسبة المشاركة، التى بلغت 32%، تعكس استعادة قطاع معتبر من المواطنين لثقتهم فى صناديق الاقتراع، مرجعاً ذلك إلى ما وصفه بـ«الفيتو الرئاسى»، الذى مثل نقطة التحول الكبرى فى ضمان نزاهة العملية الانتخابية، عبر التدخل الفورى لتصحيح المسار حال وقوع أى تجاوزات، مشيراً إلى أن النتائج النهائية كشفت عن خريطة سياسية غير تقليدية، فى ظل غياب حزب الأغلبية المطلقة، معتبراً أن هذا الوضع يدفع باتجاه برلمان التوافق، حيث يصبح تمرير القوانين مرهوناً بالحوار وبناء التحالفات، وهو ما يصب فى صالح حكمة التشريع وجودته.

ونوه أستاذ العلوم السياسية بضرورة التوقف أمام ظاهرة الصعود القوى للمستقلين، معتبراً أن وصول أكثر من 100 نائب مستقل يمثل «جرس إنذار» للأحزاب السياسية لمراجعة أدائها، وتجديد خطابها، وإعادة بناء قواعدها الشعبية داخل الشارع، وتوقع أن يسعى النواب المستقلون، إلى جانب نواب المعارضة الذين يشكلون قرابة 28% من المجلس، إلى إثبات جدارتهم أمام ناخبيهم، من خلال تفعيل أدوات الرقابة البرلمانية، بدءاً من طلبات الإحاطة والأسئلة، وصولاً إلى الاستجوابات، خاصة فى الملفات الخدمية والتنموية المرتبطة بالدوائر المحلية.

«عمران»: «الامتداد العائلى والخدمى» يرجح كفة المستقلين فى حوالى 30% من الدوائر

من جانبه، قال الدكتور هيثم عمران، أستاذ العلوم السياسية، إن بروز المستقلين بقوة فى انتخابات 2025 لا يعد ظاهرة جديدة بالكامل، لكنه يعكس تحولاً مهماً فى توجهات الناخبين، وتغيراً فى معايير الاختيار داخل الصناديق، وأوضح أن السبب الرئيسى وراء هذا التحول يعود إلى تراجع الثقة فى العمل الحزبى خلال السنوات الماضية، حيث انحصرت المنافسة، فى فترات سابقة، داخل نطاق حزب واحد، بينما بدت أحزاب أخرى أقرب إلى كيانات شخصية، أو مرتبطة بتوافقات مع الحزب الحاكم، ما أدى إلى عزوف بعض المواطنين عن الانخراط فى العمل الحزبى المنظم.

وأضاف «عمران» أن المستقلين نجحوا فى الانتخابات الأخيرة بفضل سجلاتهم السياسية أو العائلية، وحضورهم الفعلى داخل الدوائر، وقدرتهم على تقديم خدمات مباشرة للمواطنين، إلى جانب الامتداد الاجتماعى والعائلى على الأرض، وهو ما رجح كفتهم فى المنافسات الفردية، وأشار إلى أن هذه النتائج تعكس قدرة الناخبين على فرز الأصوات بعناية، واتخاذ قرارات مستقلة، بما يدل على تنامى الوعى السياسى، ويسهم فى تصحيح بعض الاختلالات، التى شهدتها التجربة الانتخابية فى مراحل سابقة.


مواضيع متعلقة