سامح فايز يكتب: هل المواجهة الأمنية وحدها كافية؟
سامح فايز يكتب: هل المواجهة الأمنية وحدها كافية؟
السؤال عن: هل المواجهة الأمنية فى التعامل مع الإرهاب والتطرف وحدها هى الكافية؟ يُطرح كثيراً، وغالباً ما يُساء فهمه. فبعضهم يقرأه بوصفه تشكيكاً فى دور الدولة، أو تقليلاً من أهمية الأمن، بينما الواقع أن التجربة المصرية تحديداً أثبتت أن المواجهة الأمنية كانت شرطاً أولياً لا غنى عنه، وأنه لولاها لما كان هناك مجال أصلاً للحديث عن أى مسارات أخرى.
من المهم الانطلاق من هذه النقطة بوضوح: الدولة حين واجهت الإرهاب أمنياً لم تفعل ذلك بدافع الاستسهال أو الرغبة فى الحل السريع، بل لأن حماية المجتمع كانت أولوية لا تقبل التأجيل. فحين يكون العنف حاضراً، وحين تُستهدف مؤسسات الدولة والمواطنون، لا تملك الدولة رفاهية الانتظار أو التجريب. الأمن هنا ليس خياراً، بل ضرورة وجودية.
لكن التجربة نفسها، وبقدر ما أكدت مركزية الأمن، كشفت أيضاً أن المواجهة لا يمكن أن تتوقف عند هذا الحد. ليس لأن الأمن قاصر، بل لأن طبيعة الظاهرة أعقد من أن تُحاصر بأداة واحدة.
فالإرهاب لا يعيش فى الفراغ، بل يتغذى على أفكار، وتأويلات، وشعور بالانفصال عن المجتمع والدولة. وإذا لم يُغلق هذا المجال، تظل احتمالات إعادة الإنتاج قائمة، حتى بعد أن تُهزم التنظيمات ميدانياً.
الدولة المصرية تعاملت مع هذا التعقيد بقدر كبير من الواقعية. فالمواجهة الأمنية الصلبة سارت بالتوازى مع محاولات أوسع لإعادة ضبط المجال العام، وتجديد الخطاب الدينى، ومواجهة الأفكار المتطرفة فى التعليم والإعلام، وتعزيز حضور الدولة فى المناطق التى كانت عرضة للاختراق. هذا المسار المتوازى لا يُعلن دائماً، ولا يُقاس بنتائج سريعة، لكنه أساسى لبناء استقرار طويل المدى.
الخلط الشائع فى هذا النقاش يأتى من تصور أن طرح السؤال حول «ما بعد الأمن» يعنى التقليل من دوره. بينما الحقيقة أن الدول القوية هى التى تعرف متى تستخدم القوة، ومتى توسّع أدواتها، دون أن تتراجع عن ثوابتها.
فالأمن يحمى الإطار العام، لكنه لا يصنع وحده قناعة مجتمعية، ولا يبنى علاقة مستدامة بين الدولة والمجتمع.
فى هذا السياق، تصبح المواجهة الأمنية أشبه بالأساس الصلب الذى يُبنى عليه باقى البناء. من دون هذا الأساس، ينهار كل شىء. لكن الاكتفاء به وحده، دون استكمال المسارات الأخرى، قد يترك فراغات تستغلها الأفكار المتطرفة لاحقاً. وهذا تحديداً ما حاولت الدولة تجنبه، عبر الجمع بين الحسم والاحتواء، وبين الردع والمعالجة.
من اللافت أن المجتمعات التى تجاوزت موجات عنف مشابهة لم تفعل ذلك عبر الأمن فقط، ولا عبر الحوار وحده، بل عبر إدارة مركّبة تدرك أن الظاهرة متعددة الأبعاد. وفى الحالة المصرية، كان واضحاً أن الدولة لا تنظر إلى الإرهاب كملف طارئ، بل كتهديد طويل الأمد يتطلب صبراً، وتراكماً، واستمرارية فى السياسات.
النتيجة التى يمكن الخروج بها من هذه التجربة هى أن السؤال ليس: هل المواجهة الأمنية كافية أم لا؟ بل: كيف تُدار هذه المواجهة ضمن رؤية أوسع؟ والإجابة تشير إلى أن الدولة، وهى تحافظ على صلابة موقفها الأمنى، وسّعت فى الوقت نفسه نطاق المواجهة ليشمل الفكر، والخطاب، والتنمية، وإعادة بناء الثقة.
فى النهاية، تبقى المواجهة الأمنية حجر الأساس فى حماية الدولة والمجتمع، ولا يمكن تصور الاستقرار من دونها. لكنها، فى التجربة المصرية، لم تكن أداة معزولة، بل جزء من مقاربة أشمل أدركت أن الأمن يحمى الحاضر، بينما المعالجة الشاملة تحمى المستقبل. وهذا الفهم هو ما يمنح الدولة قدرتها على الاستمرار، ويجعل مواجهتها للإرهاب أكثر عمقاً وأقل قابلية للارتداد.