علاء عابد يكتب: مصر ومسار التهدئة.. بناء البيت الفلسطينى
علاء عابد يكتب: مصر ومسار التهدئة.. بناء البيت الفلسطينى
كرّست مصر مجدداً مكانتها كفاعل رئيسى فى هندسة مسارات السلام الإقليمى، من خلال قيادتها الحاسمة لاتفاق شرم الشيخ لإنهاء الحرب فى غزة، والذى تم إبرامه فى 9 أكتوبر 2025، بوساطة كل من مصر والولايات المتحدة وقطر وتركيا، وهو الاتفاق الذى شكّل نقطة انعطاف حاسمة فى تطورات القضية الفلسطينية. وقد لعبت القاهرة دور الوسيط المحورى عبر تنسيق مكثف مع الولايات المتحدة والأطراف الإقليمية والدولية، بهدف وقف آلة العدوان الإسرائيلى على أهلنا فى غزة، وإرساء ملامح إدارة مدنية للقطاع كمدخل لمعالجة سياسية وأمنية شاملة، وتعزيز أبعاد الدولة الفلسطينية المنشودة، سواء على المستوى الجغرافى أو السكانى أو السيادى.
ومن موقعها كدولة مؤسسة لمسار السلام فى الشرق الأوسط، يعيد الرئيس القائد عبدالفتاح السيسى التأكيد على أن الدور المصرى لم يكن يوماً ردَّ فعلٍ على الأزمات أو نتاج لحظة سياسية عابرة، بل خيار تاريخى واعٍ انطلق من رؤية استراتيجية بعيدة المدى، وهو ما عبّر عنه بوضوح فى قوله: «لقد دشنت مصر مسار السلام فى الشرق الأوسط، قبل ما يقارب نصف قرن، وتحديداً فى نوفمبر عام ١٩٧٧، عندما أقدم الرئيس أنور السادات -رحمه الله- بخطى ثابتة غير مسبوقة فى تاريخ المنطقة، وبادر بزيارة تاريخية إلى «القدس».
ومنذ تلك اللحظة، أطلقت مصر عهداً جديداً، أهدى الأجيال اللاحقة فرصة للحياة، وأثبت أن أمن الشعوب لا يتحقق بالقوة العسكرية فقط، واليوم تعيد مصر التأكيد، ومعها شقيقاتها العربية والإسلامية، على أن السلام يظل خيارنا الاستراتيجى، وأن التجربة أثبتت على مدار العقود الماضية، أن هذا الخيار، لا يمكن أن يتأسس إلا على العدالة والمساواة فى الحقوق».
يرسخ التاريخ أن مصر كانت -ولا تزال- طرفاً أساسياً فى القضية الفلسطينية منذ نكبة عام 1948، وتبنت مواقف داعمة لحق الشعب الفلسطينى فى تقرير مصيره وإنشاء دولته المستقلة وفق قرارات الأمم المتحدة، واتخذت مواقف متعددة فى المحافل الدولية للدفع نحو هذا التوجّه، وذلك نتيجة ثقلها التاريخى واستقرارها السياسى ووزنها الدبلوماسى فى المنطقة، وقدرتها على جمع أطراف فلسطينية متباينة حول طاولة واحدة، وهو تحدٍّ لم تنجح فيه محاولات سابقة فى فترات الانقسام الطويلة.
وقد استضافت القاهرة منذ عهود العديد من جولات الحوار الوطنى «الفلسطينى - الفلسطينى»، بهدف تجاوز الانقسامات الداخلية التى لطالما أعاقت توحيد الصف الفلسطينى، وقد ظهر هذا الدور بقوة مؤخراً فى سياق الحرب على غزة والجهود المتعلقة بوقف إطلاق النار وإعادة الإعمار، ومتابعة المرحلة الثانية من تسوية وقف العدوان الإسرائيلى على غزة.
سادت هذه اللقاءات حالة من التوافق الواسع بين القوى الفلسطينية حول ضرورة توحيد المواقف وتشكيل آليات مؤسساتية قادرة على إدارة الأوضاع فى قطاع غزة، بالتزامن مع الحاجة إلى حماية التهدئة وتحسين الظروف الإنسانية للفلسطينيين المقيمين فى القطاع.
وقد اتفق الحاضرون فى القاهرة على دعم جهود مصر والإقليم والدول الداعمة لعملية السلام لتشكيل لجنة وطنية انتقالية لإدارة قطاع غزة، قادرة على تولى المسئوليات المدنية والإدارية، وتقديم الخدمات الأساسية لسكان القطاع، وهذا فى إطار خطة أوسع يتم تسويقها دولياً، تشمل وقفاً مستداماً لإطلاق النار، وإشراك مؤسسات فلسطينية مؤقتة فى الحكم قبل الانتقال إلى مرحلة البناء، تضم خبراء وتقنيين فلسطينيين فى شئون الإدارة والمالية والصحة والبيئة وغيرها من القطاعات، وتُعد جزءاً من خطة السلام الدولية المرتبطة أيضاً بمبادرات أمريكية وإقليمية تهدف إلى تثبيت الهدنة.
إن هذه الاجتماعات «المصرية - الفلسطينية» تأتى فى ظل حاجة ملحّة لوحدة فلسطينية حقيقية، يمكن أن تمثل رأس حربة فى مواجهة السياسات الإسرائيلية تجاه غزة، بما فى ذلك محاولات التهجير القسرى وتدمير البنى التحتية وفرض الحصار، وهو ما أكدته الكثير من القيادات الفلسطينية بأن ما تقوم به مصر من دفع الفصائل نحو توافق وطنى يعكس الإدراك الحقيقى للقيادة المصرية بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى بأن الوحدة الفلسطينية الوطنية ضرورة استراتيجية لتحقيق السلام، وإحداث تغيير ملموس فى الواقع المعيشى لأهلنا فى قطاع غزة.
وأختتم بما طرحه الرئيس السيسى من تصور متكامل لمستقبل الشرق الأوسط، وأن ما يجرى اليوم يفتح نافذة تاريخية لإعادة صياغة معادلات الأمن والسلام فى المنطقة، حيث قال: «إننا نستشرف مستقبلاً مشرقاً لمنطقتنا، تبنى مدنه بالأمل، بدلاً من أن تدفن ذكريات أصحابها تحت الأنقاض، فأمامنا فرصة تاريخية فريدة، ربما تكون الأخيرة، للوصول إلى شرق أوسط خالٍ من كل ما يهدد استقراره وتقدمه، شرق أوسط تنعم فيه جميع شعوبه بالسلام، والعيش الكريم ضمن حدود آمنة وحقوق مصانة، شرق أوسط منيع ضد الإرهاب والتطرف، شرق أوسط خالٍ من جميع أسلحة الدمار الشامل، هذا هو الشرق الأوسط الجديد، الذى تتطلع مصر إلى تجسيده، بالتعاون مع شركائها إقليمياً ودولياً».