محمود فوزي السيد يكتب: شاهين.. صانع الموسيقى

كتب: محرر

محمود فوزي السيد يكتب: شاهين.. صانع الموسيقى

محمود فوزي السيد يكتب: شاهين.. صانع الموسيقى

«فكرت في كلامه ورجعت سمعت اللحن واقتنعت برأيه.. لما سمعت تاني بوجهة نظره هو اقتنعت برأيه.. لما وافقت على تغيير كلمة في الأغنية لقيتها أحلى واقتنعت برأيه.. فوجئت بيه بيغير اللحن وطلع أحلى.. فاجأني إنه ألف ولحن وغنى أغنية في الفيلم».. تشعر للوهلة الأولى وأنت تطالع تلك الشهادات من كبار صانعي الموسيقى «كمال الطويل ويحيى الموجي وجمال بخيت ومحمد منير وعمر خيرت» وغيرهم أن من يعطي كل تلك الملاحظات التفصيلية في صميم صناعة الموسيقى هو موسيقار وشاعر وصانع موسيقى من طراز فريد؛ لكن المفاجأة أن تلك التعليقات جميعاً بطلها هو المخرج العالمي يوسف شاهين، المخرج الذي آمن بأن الموسيقى والأغنية في الأفلام تولد من رحم المشهد الدرامي.

يحكي الموسيقار يحيى الموجي، الذي تعاون مع شاهين في أفلام «المصير» و«الآخر» و«إسكندرية نيويورك»، أنه ظل لفترة طويلة يعمل على مقطوعة موسيقية جديدة لأحد أفلام شاهين، وبعد بذل الكثير من الجهد في التأليف والتسجيل ذهب لعرضها عليه، ففوجئ برأيه فيها «وحشة»، كلمة واحدة هدمت مجهود شهور من موسيقار كبير اعتاد العمل معه، يقول الموجي: سألته وحشة ليه؟ فكان الرد المفاجئ: لأنها مزيكا حلوة أوي، والناس هتسمع الموسيقى وتنسى الحوار، علشان كده وحشة، يستكمل الموجي: أعدت سماع الموسيقى على المشهد بعد تلك الواقعة واقتنعت برأيه، لأنني وجدت تعليقات الحاضرين معي تنصب على الموسيقى وليس الحوار، وكانت النتيجة حذف المقطوعة من الأحداث.

ويحكي الفنان الكبير محمد منير، صاحب الرصيد الأكبر من الأغاني في أفلام يوسف شاهين، موقفاً مشابهاً، مستدلاً على عبقرية شاهين الموسيقية التي ساهمت في تطور شخصيته الموسيقية على حد تعبيره، وبالتحديد في أغنية «حدوتة مصرية»، إذ يقول: سمعت شاهين لحناً للأغنية، لكنه فاجأني بتطويره إلى الشكل الذي ظهرت به في الفيلم، مؤكداً في الوقت ذاته أنه مهما تجادل الصناع مع شاهين في منطقة الموسيقى يكون ما يقوله شاهين هو الصحيح، ويرجع ذلك إلى أنه كان دائم البحث عن الجديد في الموسيقى حول العالم.

ولم تقتصر موهبة يوسف شاهين على الموسيقى والألحان التي وضع بعضها بالفعل في عدد من أعماله، وإنما امتدت إلى التدخل في الشعر وانتقاء الكلمات التي يشعر معها بأنها الأنسب للمشهد، فيحكي الشاعر الكبير جمال بخيت موقفاً عاشه مع شاهين في أغنية «آدم وحنان» التي كتبها لفيلم «الآخر»، حيث كتب جملة «جايين من ورا موج وبحار»، لكن شاهين ظل يبحث عن كلمة أخرى أكثر ملاءمة للحالة، وبالفعل طلب تعديلها إلى «هالين من ورا موج وبحر»، ووجدتها أنسب وأفضل فقُمنا بتغييرها، وبالمناسبة المقدمة الموسيقية للأغنية ألّفها شاهين نفسه وعزفها على البيانو وأعطاها للموسيقار يحيى الموجي، وطلب منه أن تكون بداية اللحن الذي وضعه فاروق الشرنوبي، كما لا يعرف البعض أن شاهين كتب أجزاء كبيرة من أغنية «تعرف تتكلم بلدي» للطيفة، ما جعل الشاعر الكبير جمال بخيت يطلب منه عدم كتابة اسمه على الأغنية لمشاركته في كتابة جزء كبير منها، لكنه رفض.

كما يحكي الموسيقار الكبير عمر خيرت أنه فوجئ بشاهين يقوم بالتأليف والتلحين والغناء لأغنية في فيلم «سكوت هنصور» بشكل احترافي كامل، لدرجة أنه لم يقم بأي تغييرات في اللحن، ولم يتدخل إلا بتعديلات بسيطة في التوزيع الموسيقي ليتناسب مع شكل اللحن.

كل ما سبق هي شهادات من كبار صناع الموسيقى والأغنية في تاريخ السينما العربية عن «الموسيقار» يوسف شاهين، ليس فقط المخرج السينمائي الأهم عربياً، وإنما من يتتبع مشواره مع الموسيقى يكتشف موسيقياً فذاً صاحب رؤية موسيقية شديدة الاحترافية، فهو المخرج الذي لم يتعامل يوماً مع الموسيقى أو الأغنية السينمائية باعتبارها «وردة في عروة الجاكتة» يتزين بها المشهد، وإنما تعامل معها باعتبارها أحد أبطاله المهمين، كان يعرف متى يجب أن تتدخل الموسيقى في المشهد ومتى يجب أن تصمت.

ويقول الفنان الكبير عزت العلايلي عن كواليس فيلم «الأرض» إنه أثناء تصوير مشهد «زحف» الفنان محمود المليجي على الأرض قال «شاهين»: «هنا لازم تكون في أغنية»، وكانت بالفعل أغنية «الأرض لو عطشانة»، ليخلق شاهين لوحة أيقونية لمشهد سينمائي متكامل تمثيلاً وغناءً، وسألت نفسي لماذا لم يكتفِ شاهين بموسيقى تصويرية حزينة تصاحب المشهد، لأجد ما قاله عنه الجميع: عندما يتكلم شاهين يكون رأيه هو الصحيح.

عشرات الأغنيات الخالدة في ذاكرة السينما المصرية كان بطلها هو شاهين، «يا سلام على حبي وحبك» لفريد الأطرش وشادية، «على صوتك» و«حدوتة مصرية» لمحمد منير، «تعرف تتكلم بلدي» للطيفة، «الأرض لو عطشانة»، «آدم وحنان»، «مفترق الطرق» لماجدة الرومي التي أعطاها شاهين الفرصة التي تعتبرها هي نقطة انطلاق حقيقية لها، وربما كان اختيار شاهين لأصوات جديدة وعدم التقيد بفكرة وجود نجم كبير يقدم أغنيات أفلامه واحدة من سمات منهجه الموسيقي المتفرد، ففي أغنية «انت» في فيلم «إسكندرية نيويورك» سمعها في البداية بصوت ملحنها فاروق الشرنوبي، وكان من المفترض أن يغنيها الفنان علي الحجار، لكن بعد تسجيل الأغنية بشكل احترافي فوجئ الجميع بشاهين يختار أن تُطرح في الفيلم بصوت فاروق الشرنوبي وليس علي الحجار، لأنه شعر بأنها أكثر مناسبة للإحساس الذي يريد إظهاره في المشهد.

ومن بين كل تلك الروايات التي رواها كبار الموسيقيين وصناع الموسيقى نكتشف الوجه الآخر ليوسف شاهين، الذي ربما عشقه الجميع مخرجاً لأهم أفلام السينما المصرية، لكن وجهه الآخر هو الموسيقار صانع الموسيقى، العارف بقيمتها والعازف على أجمل أوتارها، ليترك لنا إرثاً موسيقياً لا يقل قيمة وتأثيراً وتنوعاً وبهاءً عن أفلامه التي حُفرت في القلوب، فقط اترك لنفسك المساحة عند مشاهدة أفلامه للاستمتاع بموسيقاها وأغانيها، ولتعرف دائماً أن خلف تلك الروعة الموسيقية كان يقف موسيقار اسمه يوسف شاهين.


مواضيع متعلقة