علي الفاتح يكتب: الشرق الأوسط على فوّهة بركان

كتب: محرر

علي الفاتح يكتب: الشرق الأوسط على فوّهة بركان

علي الفاتح يكتب: الشرق الأوسط على فوّهة بركان

تريد واشنطن إملاء شروطها على طهران، عبر بوابة المفاوضات تحت التهديد، وهو ما ترفضه الأخيرة، لأن القبول بها يعني سقوط مشروعية النظام، وسيادة الدولة، ولا يعني في المقابل إبعاد شبح الحرب، ذلك أن الكيان الصهيوني سيسارع إلى توجيه ضربات عنيفة، فالهدف هدم الدولة وتفكيكها لفتح نافذة استخباراتية على دول الخليج وتركيا وباكستان.

فيما يُعد محاولة لإثارة الفتنة بين المملكة العربية السعودية، أكبر الدول الخليجية، وإيران تورط موقع أكسيوس الأمريكي، المعروف بقربه من البيت الأبيض واللوبي الصهيوني، في تزوير تصريحات وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان بشأن موقف بلاده من العدوان على طهران.

تعاملت الرياض بذكاء وحنكة مع هذه المحاولة بنفي ما أورده أكسيوس عبر مصدر رفيع المستوى أكد موقف المملكة الرافض للحرب والداعي إلى الالتزام بنهج الدبلوماسية والتفاوض لحل كل الأزمات، وعلى ما يبدو أن الموقع المشبوه سعى إلى دق هذا الإسفين لتوريط كل دول الخليج العربي في حرب طويلة مع إيران بعد أن أعلنت كل العواصم الخليجية رفضها استخدام القواعد الأمريكية وأجوائها لشن العدوان المرتقب.

الثابت الوحيد في هذه السجالات، الدبلوماسية والعسكرية، التي تشهدها المنطقة منذ عدة أسابيع، أن الحرب على إيران ستُشن في كل الأحوال، سواء قبلت بشروط ترامب أو رفضتها.

شروط واشنطن تتلخص في إنهاء البرنامج النووي، وعدم تخصيب اليورانيوم على الأراضي الإيرانية، والقضاء على برنامج الصواريخ الباليستية، ووقف دعم حلفاء طهران، في العراق ولبنان واليمن.

ولسنا بحاجة للتذكرة بأن إيران رفضت كل هذه الشروط، وإن أعربت عن إمكانية التفاوض حول نسبة التخصيب، لتنخفض إلى 3٫75%، مبدية مرونة فيما يخص الجماعات الشيعية المدعومة من قبلها، بقول وزير الخارجية عباس عراقجي: «إن أمر هذه الجماعات يخص الدول التي توجد فيها»، ما يعني إمكانية التفاوض حول مستقبلها.

إلا أن ما تتمسك به طهران، ولا تقبل التفاوض حوله، هو برنامج صواريخها الباليستية، والذي يُعد بمثابة الدرع الواقي الذي يحفظ ميزان القوى مع الكيان الصهيوني.

تمارس حكومة الاحتلال الصهيوني ضغوطاً هائلة على الإدارة الأمريكية لتوجيه ضربة قاصمة للقضاء تماماً على قدرات إيران العسكرية، فإن لم يسقط النظام السياسي كنتيجة مباشرة لهذا العدوان الشامل، فعلى الأقل سيصبح ضعيفاً إلى درجة أن هجوماً آخر يقوم به الكيان، بالتنسيق مع عملائه في الداخل الإيراني، سيؤدي إلى إسقاطه وتفكيك الدولة، ما سيسمح للكيان الصهيوني بعمل قواعد استخباراتية متقدمة تستطيع النفاذ بعملياتها إلى تركيا وباكستان والعراق، ومن ثم تستطيع فرض نفوذها على منطقة الخليج العربي.

ما وصفه البيت الأبيض بالفرصة الأخيرة للدبلوماسية ليس إلا تكراراً لنهج الخداع الاستراتيجي، فهو يدرك، قبل غيره، أن الشروط التي وضعها تعجيزية ولا يمكن القبول بها.

كل ما هنالك أن واشنطن وتل أبيب كانتا تحتاجان فقط لبعض الوقت لإتمام الاستعدادات العسكرية، لتقليل حجم الخسائر المتوقعة جراء هذه الحرب، وتحجيم فعالية الهجمات الصاروخية، التي ستشنها إيران على الكيان الصهيوني.

بحسب الإعلام الأمريكي يُفضل الرئيس دونالد ترامب عملية محدودة سريعة تجبر النظام الإيراني على الجلوس للتفاوض تحت الضغط العسكري المباشر، فيحقق انتصاراً سريعاً على غرار ما حدث في فنزويلا، لا سيما وأنه يخشى التورط في حرب استنزاف طويلة تتسبب في خسارة انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي نوفمبر المقبل.

في المقابل، ووفقاً لتصريحات القادة العسكريين في إيران، فإن طهران لن تمنحه هذه الفرصة، فحتى إذا كانت الضربة محدودة سيأتي رد الفعل الإيراني عنيفاً وشاملاً، ما يجبره على التورط فيما يخشاه.

فيما يُعد رسالة سياسية وعسكرية مركبة، تشارك البحرية الروسية والصينية في مناورات بالذخيرة الحية مع البحرية الإيرانية في مضيق هرمز، ومنطقة بحر العرب والمحيط الهندي، ودلالة هذه الرسالة أن بكين وموسكو لن تتخليا عن حليفهما الاستراتيجي في طهران، ما يشي بأن أي هجوم أمريكي على إيران، ولو كان محدوداً، سيورط واشنطن في حرب استنزاف طويلة، وهو ما يحقق مصلحة استراتيجية للصين وروسيا.

لا بد من الأخذ في الاعتبار الـ16 طائرة شحن عسكرية، التي جاءت من الصين إلى إيران خلال 56 ساعة بحسب تقارير صحفية عديدة، وبعد اكتمال وصول تلك القافلة خرجت تصريحات من الحرس الثوري الإيراني تهدد بإغراق حاملة الطائرات الأمريكية إبراهام لينكولن.

تفاوتت التقديرات حول نوع الأسلحة التي وصلت إلى إيران من الصين وروسيا، ومدى ما تتمتع به من قدرات تدميرية، علاوة على الجانب التكنولوجي، ورغم ما أثير بشأن موعد المناورات المشتركة، يبقى أن دعم بكين وموسكو السياسي والعسكري عبر إمدادات الأسلحة التي وصلت فعلياً طهران قائم.

هذا الدعم الصيني الروسي الصامت يؤشر إلى أن الرد الإيراني، وإن جاء في البداية عنيفاً وشاملاً، إلا أنه سيلجأ في المراحل اللاحقة من الحرب إلى تكتيكات أبطأ قليلاً لجر الجيش الأمريكي لفخ الاستنزاف طويل الأمد.

ويبقى السؤال: «إذا نجحت طهران في غلق مضيق هرمز، وتوجيه ضربات موجعة إلى القوات الأمريكية، سواء في الأساطيل البحرية أو القواعد العسكرية، وتمكنت دفاعاتها الجوية، صينية الصنع، من إسقاط مقاتلات أمريكية استراتيجية، فهل نرى الرئيس الأمريكي يتدخل في الوقت المناسب، تحت أي زعم، ويُبرم اتفاقاً ما للتهدئة يُمكِّنه من الانسحاب على نحو ما جرى في باب المندب، عندما نجح الحوثي في استهداف قطعه الحربية، وأوشك على إسقاط طائرة الإف 35 الشبحية، بحسب عدة تقارير؟».

للتذكير، اضطر الأمريكيون لإنهاء الحملة على الحوثيين بتوقيع اتفاق يضمن عدم التعرض للسفن التجارية الأمريكية في البحر الأحمر وبحر العرب، دون أن يلتزم الحوثي بوقف هجماته على الكيان الصهيوني.

الجماعات المسلحة الموالية لإيران في العراق واليمن ولبنان أعلنت ما يشبه النفير العام ضد الأهداف الأمريكية والصهيونية، حال بدء الهجوم على طهران.

باستثناء حزب الله في لبنان، الذي بات محاصراً، بعد سقوط نظام الأسد، لا يُستبعد أن تكون إيران قد أمدّت الموالين لها في العراق واليمن بأسلحة نوعية من شأنها إرباك القوات الأمريكية الموجودة في المنطقة، والداخل الصهيوني، عبر توجيه ضربات عسكرية موجعة.

كل السيناريوهات والقراءات للمشهد الحالي تؤكد أن الشرق الأوسط على فوّهة بركان، وأن الكيان الصهيوني هو من يعمل على تفجيره، اعتقاداً منه أنه سيستطيع فرض سيطرته عبر الدعم الأمريكي المطلق، وفي ظل الفوضى التي ستعم المنطقة.

مجرم الحرب بنيامين نتنياهو بدأ في استثمار أجواء التوتر الحالية بإعلان الانقلاب على ما عُرف باتفاق ترامب للسلام، عبر استئناف العدوان على قطاع غزة بصورة مكثفة ووحشية، تحت زعم خرق الاتفاق من قبل حركة حماس، دون وجود وقائع حقيقية على الأرض.

نتنياهو، فيما يبدو، يسعى لإفراغ الاتفاق من مضمونه، وأغلب الظن أنه سيستأنف حرب الإبادة مع بداية العدوان على إيران، محاولة منه لاستغلال الفوضى لتهجير الفلسطينيين.

في السياق، ذكرت تقارير صحفية أن طائرات شحن عسكري، تابعة لوكيله الإقليمي، اتجهت إلى إثيوبيا لدعم الإرهاب في السودان والقرن الأفريقي، بعد أن أُغلقت في وجهها الأجواء المصرية والسعودية، ومحاصرتها في البحر الأحمر وليبيا.

التحالف «السعودي المصري التركي» مدعو لتقويض مساعي نتنياهو لإثارة الفوضى من غزة للقرن الأفريقي في خضم انشغال الجميع بتداعيات الحرب على إيران.

خلاصة القول: «إذا نجحت طهران في إطالة أمد هذه الحرب لأكثر من شهر، وغلق مضيق هرمز، فلن تأتي الرياح بما تشتهي أساطيل العدوان، ذلك أن الإدارة الأمريكية لن تتحمّل طويلاً ارتفاع سعر جالون البنزين في ظل ما تشهده بعض الولايات من توترات».


مواضيع متعلقة