خبراء الذكاء الاصطناعي: «خوارزميات المنصات الرقمية» تعيد تشكيل وعي الأطفال والمراهقين
خبراء الذكاء الاصطناعي: «خوارزميات المنصات الرقمية» تعيد تشكيل وعي الأطفال والمراهقين
لم تعد الألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعيِّ مجرد أدوات للترفيه أو التواصل، بل تحولت إلى جزء فاعل من الحياة اليومية، خاصة لدى الأطفال والشباب، بما تحمله من تأثيرات عميقة تتجاوز حدود الشاشة، فمع تسارع التحول الرقميِّ واتساع رقعة الاستخدام، برزت مخاطر متنامية تتعلق بالصحة النفسية، وتشكيل الوعى، وأنماط السلوك، وصولاً إلى الإدمان والعزلة الاجتماعية وتزييف القيم.
أكد علاء الدين رجب، خبير التطبيقات الصناعية للذكاء الاصطناعيِّ والتحول الرقميِّ، لـ«الوطن» أن مخاطر الألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعيِّ لم تعد مقتصرة على إهدار الوقت، بل تمتد إلى إعادة تشكيل الوعى والسلوك اليوميِّ، خاصة لدى الأجيال الأصغر سناً، فهذه المنصات الرقمية تعمل وفق خوارزميات مصممة لجذب الانتباه لأطول فترة ممكنة، ما يرفع معدلات الإدمان الرقميِّ، ويؤثر سلباً على الصحة النفسية، ويعزز العزلة الاجتماعية، في مقابل تراجع التفاعل الإنسانى الحقيقى.
وأشار «رجب» إلى أن الألعاب الإلكترونية ومنصات التواصل تشترك في نموذج اقتصاديٍّ واحد، يقوم على تحويل المستخدم إلى منتج، حيث تستغل بياناته واهتمامه وسلوكه لتحقيق أرباح ضخمة، وهذا النموذج يرسخ قيم الفردانية والمنافسة المفرطة، حيث يعيد تعريف النجاح والقبول الاجتماعيِّ بعدد المتابعين أو الإنجازات الافتراضية، وهو ما يخلق ضغوطاً نفسية مستمرة ويشوه منظومة القيم، خصوصاً لدى المراهقين.
واستشهد «رجب» بكتاب «ألعاب الإمبراطورية» لنيك داير وذرفورد وجريج دى بوتر، الذي يقدم قراءة نقدية مبكرة لصناعة الألعاب، باعتبارها جزءاً من منظومة هيمنة أوسع، حيث تتحول المتعة إلى أداة ضبط، واللعب إلى شكل من العمل غير المرئى، مع تطبيع العنف وتسليعه داخل عوالم افتراضية تبدو بريئة في ظاهرها.
وخلص «رجب» إلى أن مواجهة مخاطر الألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعيِّ تتطلب وعياً رقمياً حقيقياً، يبدأ من الأسرة ويمتد إلى التعليم والتشريع، لضمان الاستفادة من التكنولوجيا دون الوقوع في فخ الإدمان أو التلاعب بالوعى، وبما يحقق تحولاً رقمياً أكثر إنسانية ومسؤولية.

«عزام»: الحلول بتعزيز دور الأسرة وحوار بلغة هذا الجيل لبناء وعى رقمى متوازن
فيما قال محمد عزام، الخبير التكنولوجيِّ، إن التحول الرقميَّ المتسارع حول الألعاب الإلكترونية ووسائل التواصل الاجتماعيِّ من مجرد وسائل ترفيه إلى عوالم موازية تفرض حضورها بقوة على حياة الأطفال والمراهقين، لا سيما في الفئة العمرية من 7 إلى 17 عاماً، وهي مرحلة دقيقة في تشكيل الوعى والسمات النفسية والسلوكية.
أوضح «عزام» أن الإفراط في استخدام الألعاب الإلكترونية والمنصات الرقمية ينعكس بشكل مباشر على القدرات الذهنية للأطفال، حيث تؤكد دراسات متعددة أن طول فترات التعرض للشاشات يؤدي إلى تشتيت الانتباه وضعف التركيز، وهو ما يظهر بوضوح في تراجع مستوى التحصيل الدراسيِّ ونتائج الامتحانات، مقارنة بالأطفال الأقل استخداماً لهذه الوسائط. وأضاف أن المخاطر لا تقتصر على الجانب التعليميِّ فقط، بل تمتد إلى طبيعة الفضاء الرقميِّ نفسه، الذي يفتقر في كثير من الأحيان للضوابط الكافية، فالدخول المبكر وغير الواعى لهذا العالم قد يعرض الأطفال لسلسلة من التهديدات، تبدأ بالتنمر الإلكترونيِّ وانتهاك الخصوصية وسرقة البيانات، ولا تنتهي عند انتحال الشخصية أو أشكال مختلفة من الاستغلال.
وحذر «عزام» من أن بعض الجماعات المتطرفة وجماعات الجريمة المنظمة باتت تستغل الألعاب الإلكترونية ومواقع التواصل الاجتماعيِّ كقنوات غير مباشرة للوصول إلى الأطفال والمراهقين وتجنيدهم فكرياً، مستفيدة من سهولة التواصل وضعف الرقابة، بالرغم من لجوء دول مثل أستراليا وبريطانيا وتركيا إلى سن تشريعات لتحديد سن الاستخدام، فإن تطبيق هذه القوانين يظل تحدياً حقيقياً في ظل صعوبة التحقق من الأعمار، وإمكانية الالتفاف عليها باستخدام أدوات تقنية مثل شبكات الـVPN. ويختتم «عزام» حديثه بالتأكيد على أن الحل لا يكمن في المنع الكامل، بل في تعزيز دور الأسرة والمدرسة والمجتمع، عبر حوار مفتوح بلغة يفهمها هذا الجيل، يهدف إلى بناء وعى رقميٍّ متوازن، يجعل الطفل نفسه عنصراً فاعلاً في حماية ذاته من مخاطر العالم الافتراضيِّ.
