علي الفاتح يكتب: نتنياهو «غراب الشوم» ينعق في سماء الشرق الأوسط
علي الفاتح يكتب: نتنياهو «غراب الشوم» ينعق في سماء الشرق الأوسط
ينعقد، خلال الأسبوع الجاري، في واشنطن، الاجتماع الأول لمجلس السلام بشأن إتمام اتفاق غزة، وتستضيف جينيف جولة المفاوضات الثانية بين أمريكا وإيران، فيما تعهَّد نتنياهو بألا تشهد المرحلة الثانية من اتفاق ترامب إعماراً للقطاع، ونجحت ضغوطه في إرسال حاملة الطائرات الثانية «جيرارد فورد» إلى الشرق الأوسط، رغم إنهاكها في الكاريبي، وحاجتها للصيانة.
تأتي هذه الاجتماعات وسط اتهامات لمجرم الحرب بنيامين نتنياهو بالعمل على تخريب جهود السلام في الجبهتين الإيرانية والفلسطينية.
يبدو نتنياهو، الصادر بحقه أمر اعتقال من قبَل المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية وحرب إبادة ممنهجة وتجويع، يُحلق كغراب شؤم بحرية في سماء الشرق الأوسط، ما يُنذر باندلاع حرب إقليمية تُدخل المنطقة برمتها في حالة من الفوضى وعدم الاستقرار لعقود طويلة قادمة.
وها هي طائرته تخترق المجال الجوي لثلاث دول أوروبية موقعة على اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية، ما يُلزمها بتوقيفه واعتقاله، وهي اليونان وإيطاليا وفرنسا، وذلك خلال رحلته الأخيرة إلى الولايات المتحدة، وفقاً لتقارير صحفية نقلت عن مواقع رصد وتتبُّع حركة الطيران.
غير أن ذلك ليس كل شيء، فمنذ توقيع اتفاق الهدنة الهش بشأن غزة في العاشر من أكتوبر 2025، في قمة شرم الشيخ، وبحضور الرئيس الأمريكي، استمرت اعتداءات جيش الاحتلال على مخيمات الفلسطينيين المهترئة ليسقط أكثر من 600 شهيد، وفقاً لوزارة الصحة في القطاع.
علاوة على ذلك لم يلتزم نتنياهو ببنود المرحلة الأولى، والتي من بينها إدخال المساعدات الغذائية والطبية، والمنازل المؤقتة بما يكفي احتياجات سكان القطاع، حيث تشير تقارير منظمات الإغاثة الدولية إلى تدني حجم المساعدات، وترصد وصول نحو 40% فقط مما كان متفقاً عليه.
كذلك كان من المفترض فتح معبر رفح في الاتجاهين، وهو ما لم يحدث إلا مع إعلان ترامب بدء المرحلة الثانية، وبعد ممارسة ضغوط أمريكية هائلة، ومع ذلك يضع الاحتلال العراقيل أمام حركة خروج ودخول الفلسطينيين، وفقاً لآخر الإحصائيات، لم يخرج من قطاع غزة من الحالات التي تحتاج إلى تدخل طبي عاجل إلا 180 شخصاً.
مجلس السلام، الذي يسعى إلى بدء عملية الإعمار يواجه تحديات عديدة تُنذر بعرقلة جهوده، أخطرها التهديدات الأمنية التي صنعها مجرم الحرب بنيامين نتنياهو، ويكرسها جيش الاحتلال.
ففيما يطالب نتنياهو بنزع سلاح «حماس» وباقي فصائل المقاومة كشرط لبدء إعادة الإعمار، يُصدر تعليمات للعصابات الإرهابية المحلية، التي أشرف على تشكيلها وتمويلها، مثل جماعة أبوشباب وأشرف المنسي، وحسام الأسطل، والتي اتخذت لنفسها مسميات كالقوات الشعبية، أو قوات مكافحة الإرهاب... إلخ، لتقوم بعمليات خارج الخط الأصفر، الذي يحتله الكيان الصهيوني ضد عناصر المقاومة، وذلك بهدف تعقيد الحالة الأمنية، وهو ما دفع حركة «حماس» إلى الإعلان عن بدء حملة أمنية لتصفية عناصر تلك العصابات الإجرامية الإرهابية.
يُذكر أن هذه العصابات كانت تنشط في الماضي لسرقة شاحنات المساعدات وإعادة بيع حمولاتها الإغاثية بأسعار خيالية فوق طاقة الغزيين.
تتمركز هذه الجماعات داخل المناطق التي يحتلها جيش الاحتلال، الذي يوفر لها مظلة حماية جوية وبرية، ما يعني أن أي اشتباك بينها وبين فصائل المقاومة سيؤدي إلى فوضى أمنية عارمة، تحول دون بدء عملية إعادة الإعمار، ناهيك عن نشر قوات عناصر الاستقرار الدولية، أو تمكين لجنة التكنوقراط الوطنية من مباشرة عملها.
يضاف إلى هذا التهديد الأمني الخطير، إعلان رئيس أركان جيش الاحتلال يائيل زامير استعداده لاستئناف العدوان على نحو موسع بحجة تفكيك «حماس» وبنيتها التحتية، بخلاف تأكيده، غير مرة، أن الخط الأصفر يمثل الحدود النهائية للكيان الصهيوني داخل قطاع غزة، وبعبارة أخرى جيش الاحتلال لن ينسحب من القطاع وفقاً لما تم إقراره في اتفاق ترامب للسلام، وقرار مجلس الأمن رقم 2803.
أمام هذه الانتهاكات الإسرائيلية، والسياسات والخطط، التي تعمل على صناعة المزيد من التهديدات، يصبح من الصعب على «حماس» أن تقبل بنزع سلاحها، ولو على مراحل، وفقاً لخطة البيت الأبيض، إذ كيف تتخلى المقاومة عن سلاحها في ظل تهديد العصابات الإجرامية، التي صنعها بنيامين نتنياهو، وفي ظل تأكيد جيش الاحتلال عدم انسحابه من القطاع، وإعداده لخطط حربية لمواصلة العدوان، وحرب الإبادة مجدداً؟!
هذا الوضع الأمني المعقد، الذي خلقه نتنياهو في غزة، إضافة إلى التوسع في ضم أراضي الضفة الغربية، يؤكد أن مخطط تهجير الشعب الفلسطيني ما زال على أجندة الكيان الصهيوني.
تحذير الرئيس عبدالفتاح السيسي، أثناء الاحتفال بأعياد الشرطة، من أن تهجير مليون ونصف المليون فلسطيني من قطاع غزة سيؤدي لهجرة مئات الآلاف إلى أوروبا، ما يعني كلفة اقتصادية وأزمة أمنية فوق احتمال الدول الأوروبية، يؤكد أن لدى الرئيس معلومات وتقارير موثوقة مفادها أن مخطط تهجير الفلسطينيين من وطنهم في غزة والضفة قائم وقيد التنفيذ.
وهذا حديث من يمثل أعلى سلطة في البلد الملاصق لفلسطين المحتلة، وليس مجرد تصريح لدبلوماسي، أو تحليل سياسي لمراقب أو صحفي.
مجلس السلام لا يواجه فقط تهديدات وعراقيل نتنياهو في غزة، وإنما تداعيات العدوان على إيران، الذي يحرض أيضاً نتنياهو على شنِّه، فرغم انعقاد الجولة الثانية المزمع في العاصمة السويسرية جينيف إلا أن إصرار مجرم الحرب على تفكيك البرنامج الصاروخي الإيراني وتجريد طهران من سلاحها الدفاعي يؤكد أن الحرب قادمة لا محالة.
ترامب من ناحيته، وبعيداً عن الضغوط الإسرائيلية، ربما يقبل بالتفاوض على نسبة تخفيض اليورانيوم، وتعهُّد إيران بعدم استخدام صواريخها الباليستية إلا كسلاح دفاعي بضمان الدول الإقليمية الكبرى (مصر، السعودية، تركيا)، وهذا ما يشي به في تلكئه حتى الآن بشأن بدء العدوان على إيران، لكن على ما يبدو أن نتنياهو نجح خلال زيارته الأخيرة لواشنطن في ممارسة ضغوط فعالة دفعت الرئيس الأمريكي إلى الإعلان عن إرسال حاملة الطائرات جيرارد فورد إلى الشرق الأوسط، رغم حاجتها للصيانة بحسب تقارير وسائل إعلام أمريكية قالت إن قادة في البحرية الأمريكية أعربوا عن استيائهم من هذا القرار، كون «جيرارد فورد» كانت مسؤولة عن العملية العسكرية في فنزويلا، وعملت طوال ثمانية أشهر، ما يجعلها بحاجة إلى الصيانة ويجعل طاقمها بحاجة إلى الراحة.
هذا الاستعجال يؤشر إلى أن تأجيل قرار الحرب مرتبط بوصول الحاملة الثانية لضمان حشد عسكري ضخم يؤمِّن ضربة عسكرية فعالة.
المؤكد أن الرئيس الأمريكي لا يريد التورط في حرب طويلة تسفر عن خسائر في أرواح جنوده وأصوله العسكرية، لكنه حتى لو أراد ضربة واحدة محدودة، أو عدة ضربات بحيث لا تندلع حرب شاملة، فإن إيران وقبلها الكيان الصهيوني لن يُمكناه من ذلك، فالأولى ستكون حريصة على سقوطه في وحل حرب استنزاف، أما الثاني فربما يخشى عدم تكرار الضربات لاحقاً، وبالنسبة له بداية الحرب هي الفرصة الأولى والأخيرة لاستنزاف مخزون إيران من الصواريخ الباليستية والفرط صوتية، وفي الحالتين نحن بصدد حرب إقليمية يحرض عليها «غراب الشؤم»، والكل فيها مهزوم.