أنوار «السد»

بقلم: د. محمود خليل كتب: محرر

أنوار «السد»

أنوار «السد»

شارع السد واحد من أشهر الشوارع بحي السيدة زينب، وهو شارع طويل يمتد من منطقة «أبوالريش» حتى ميدان السيدة، وتستطيع أن تصفه بـ«العاصمة الرمضانية» لهذا الحي. قبل بضعة أسابيع من شهر رمضان يسبح هذا الشارع في طوفان من البشر، الذين جاءوا من كل حدب وصوب من قرى مصر ونجوعها، لحضور مولد السيدة زينب بنت علي، رضى الله عنها وأرضاها، الذي يوافق الثلاثاء الأخير من شهر رجب من كل عام، وبعده بأيام قليلة يطل علينا شهر شعبان.


يقول أهل السيدة إنّ الناس «تسلت يدها» من «مولد السيدة» لتضعها في شهر رمضان، والسر في ذلك «شارع السد»، الذي كان يعج بالأمس بالبشر من أحباب السيدة، ويتزاحم اليوم بالفوانيس من كل حجم ونوع، وبزينة رمضان من كل شكل ولون، وبأصناف لا تنتهي من «ياميش رمضان». مع مطلع شهر شعبان يسبح «شارع السد» في النور، بل ويصبح قطعة من النور، النور في كل الأنحاء، والبشر الذين كانوا بالأمس يتزاحمون حول المسجد لمشاهدة المولد الشريف يتزاحمون اليوم لمشاهدة هذا الكم الهائل من الفوانيس التي تتراص داخل شوادر، تقبع إلى جوار بعضها البعض. وكما يأتي الناس من كل حدب وصوب لحضور المولد، يأتون أيضاً من أحياء القاهرة المختلفة لمشاهدة هذا العرض الرائع لفوانيس وزينة رمضان، والتقاط الصور والفيديوهات والسيلفي وغير ذلك، من أجل «بروزة» الحدث.


المصريون يحبون البهجة وأبواب البهجة، ويجدون في طقوس رمضان ما يسعد قلوبهم، وهم يعلمون جيداً عواصم السعادة الرمضانية داخل الكثير من الشوارع، مثل شارع باب البحر، وشارع الخيامية، بالإضافة بالطبع إلى شارع السد الذي يجمع «حُسن رمضان» كاملاً، إذ تتزاحم فيه كل البضائع التي يحتاجها الصائم، التي تتناغم مع طقوس البهجة الرمضانية المعتادة. والسبب في ذلك الطبيعة التجارية الغالبة على الشارع، وقد عالج أحد الأفلام السينمائية الشهيرة التفاعلات الإنسانية بالشارع، وهو فيلم «شارع السد»، بطولة فاروق الفيشاوي وشريهان.


احتضان شارع السد للكثير من الطقوس الرمضانية الشهيرة مسألة قديمة تعود إلى ثلاثينات وأربعينات القرن الماضي، ولو أنك طالعت رواية «قنديل أم هاشم» للمبدع الراحل «يحيى حقي»، فستجده قد رسم بقلمه الرائق الرشيق الكثير من المشاهد الرمضانية التي تتفاعل داخل شارع السد وفي الأنحاء الأخرى من حي السيدة زينب، بدءاً من بائع العرقسوس، ومروراً بمواكب الأطفال، وهم يحملون الفانوس الشمعة ويغنون للشهر الكريم، وانتهاءً بالصلاة في مسجد «أم هاشم».


المسألة إذًا قديمة، وكل من عاش أو تجول في أنحاء شارع السد يتأثر بالحالة الرمضانية الفريدة التي تميّزه، وما زال هذا الشارع يحتضن الكثير الظواهر الرمضانية القديمة، مثل الفانوس الشمعة، واللوحات الرمضانية التي تحمل صور نجوم رمضان أيام الزمن الماضي، مثل: فؤاد المهندس، وبوجي وطمطم، وشريهان، وغيرهم، حتى أغاني رمضان القديمة تسمعها في كل اتجاه داخل شوادر بيع الفوانيس والزينة والياميش.


في كل خطوة تخطوها داخل «شارع السد» تجد رمضان.