3 «أذانات»

3 أذانات ترن بشكل خاص فى أذن المستمع المصري خلال أيام الشهر الكريم. من الصعب أن نحصى الأذانات المتميزة لكبار قرائنا ومبتهلينا، فكل أذان منها وله مذاقه الخاص، لكن هذه الأذانات الثلاثة لها خصوصية رمضانية مقارنة بغيرها. أولها بالطبع أذان الشيخ محمد رفعت، وثانيها أذان الشيخ على محمود، وثالثها أذان الشيخ عبدالعظيم زاهر.


سر خاص يمتاز به أذان الشيخ محمد رفعت، سر لا يتعلق بعذوبة وسمو صوت الشيخ، قدر ما يتعلق بالحميمية، حميمية الإحساس بالأذان. بمجرد أن تسمع الأذان يأخذك إلى قلب عالمه، تشعر أن السنوات عادت بك إلى الوراء، إلى مصر الدافئة في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي، يتدفق صوت الشيخ رفعت مختلطاً بهمهمات وترديدات من يجلسون في المسجد، همسات هادئة عميقة كأنها تأتيك من عالم قدسي يتدفق بالإيمان، أصوات أناس كانوا يعيشون على مسرح الحياة فى زمن غير الزمن، ومكان غير المكان، ومع إنسان غير الإنسان، أغلبهم غادر الحياة، ولم يتبق منهم سوى صوت الهمهمات المتفاعلة مع صوت الشيخ رفعت. في خلفية الأذان تسمع كلاكس سيارة نقل أو ملاكي يأتيك من بعيد، ليمنحك شعوراً وإحساساً بأنك انتقلت فجأة إلى الشارع المصري قبل ما يزيد على 80 عاماً من الآن، أذان الشيخ محمد رفعت صوت من الماضى يضعك في قلب عالم غير العالم الذي تعيشه.


ويتشابه أذان الشيخ على محمود مع أذان الشيخ محمد رفعت في العديد من السمات، فهو صوت يتدفق إليك من الماضي، مختلطاً بهمهمات البشر وترجيعهم الهامس لكلمات الأذان، وكأنها تأتيك من العالم الآخر، وأصوات كلاكسات السيارات التي تضعك وسط الحياة التي كان يحياها الناس منذ ما يقرب من قرن من الزمان. كل شيء في الحياة يتغير إلا إحساس الناس بروحانيات مسجد الإمام الحسين. وقد كان الشيخ على محمود مؤذن مسجد الحسين، والأرجح أن الأذان الذي نسمعه منه اليوم تم تسجيله من المسجد، وبالتالي يكتسب من عبق المكان، ومن نسمات صاحب المقام الجليل، شهيد أهل بيت رسول الله، صلى الله عليه وسلم. أذان الشيخ على محمود يأتيك دائماً بصوت قادر على التسلل إلى أعمق زوايا إحساسك.


الأذان الثالث هو أذان الشيخ عبدالعظيم زاهر، وهو ليس أذاناً مباشراً من مسجد كما هو الحال في أذاني الشيخين رفعت وعلى محمود، بل الأرجح أنه مسجل في استديو، حيث يبدو فيه الصوت نقياً خالياً من أى تشويش خارجي، ورغم ذلك فإن الإحساس الرمضاني بأذان «زاهر» عالٍ جداً، وقد يكون السر في ذلك فيلم «في بيتنا رجل» الذي أنتج عام 1961، أي منذ ما يزيد على 6 عقود.

في أحد مشاهد هذا الفيلم، يخرج البطل من بيت صديقه، الذي ظل يختبئ فيه لعدة أيام خلال شهر رمضان، مع انطلاق أذان المغرب بصوت الشيخ عبدالعظيم زاهر، فيمنح المشاهد إحساساً عميقاً بالشجن، وهو يشاهد البطل يتسلل إلى الشارع والناس جميعاً في بيوتها قد آوت إلى إفطارها، ويشعر بحزن أفراد الأسرة، التي كان يختبئ عندها، على فراق إنسان عرفوه لبضعة أيام، لكنه استطاع أن يؤثر فيهم إنسانياً، وينتهى المشهد مع العبارات الأخيرة للأذان يصدح بها الشيخ، في حين يمتطي البطل السيارة التي سيفرّ فيها من ميدان القلعة.


كل صوت صورة.. وكل صورة خيال.