أشرف غريب يكتب: تحية كاريوكا تبحث عن ستين صائما في كل رمضان

كتب: محرر

أشرف غريب يكتب: تحية كاريوكا تبحث عن ستين صائما في كل رمضان

أشرف غريب يكتب: تحية كاريوكا تبحث عن ستين صائما في كل رمضان

اعتادت الفنانة تحية كاريوكا منذ بداية شهرتها في منتصف ثلاثينات القرن الماضي على أن تتوقف تماماً عن العمل طوال شهر رمضان سواء كان ذلك تمثيلاً أو رقصاً، وكانت تقوم بتنظيم ارتباطاتها الفنية بحيث تنهيها قبل بداية أيام الشهر الكريم الذي تقضيه عادة في العبادة أو في إقامة موائد الرحمن، والاستماع إلى جلسات المقرئين في بيوت كبار الأعيان الذين كانت تعرفهم في تلك الفترة، وكثيراً ما شوهدت «كاريوكا» في السرادقات الشعبية بالموالد أو في ليالى شهر رمضان تذبح الذبائح وتوزع اللحوم على المحتاجين.

وكانت «تحية» مرتبطة في عام 1953 بتصوير دور كبيرة قومها «فاطمة بنت بري» ضمن أحداث فيلم «السيد أحمد البدوي» من تأليف وإخراج بهاء الدين شرف، وبطولة عباس فارس الذي قام بدور هذا الشيخ الجليل، واتفقت تحية كما هى عادتها على انتهاء التصوير قبل بداية شهر رمضان في هذه السنة، لكن مشكلات إنتاجية صادفت الفيلم، وأدت إلى تعطل التصوير، وجاء شهر رمضان وهناك مجموعة من المشاهد لا بد من الانتهاء منها في أسرع وقت خاصة أن الجهة المنتجة قد اتفقت مع بعض دور السينما على عرض الفيلم أول أيام عيد الفطر، ولم يكن أمام «كاريوكا» سوى الموافقة على الخروج عن القاعدة التي كانت تلزم بها نفسها، واستأنفت بالفعل تصوير دورها.

ولأن بعض أحداث الفيلم تدور في أجواء بدوية وقبلية في الصحراء، فقد استلزم أن تمتطي «كبيرة قومها» الحصان تحت الشمس في هذا الموقع الصحراوي، وبدأت تحية التصوير، لكنها شعرت بدوار، ولم تستطع أن تكمل ما بدأته بفعل إجهاد الصيام، وجاءها المخرج بهاء الدين شرف وطلب منها ضرورة الانتهاء من تصوير هذا المشهد، وأن عليها أن تفطر هذا اليوم إنقاذاً للتصوير، لكنها رفضت، وأصرت على موقفها، وهددت بالانسحاب نهائياً من الفيلم مهما كلفها ذلك من خسائر، وأمام إصرار «تحية» قرر المخرج الاستعانة بأحد رجال الدين كي يقنعها بمشروعية الإفطار في ذلك اليوم، وهو ما حدث بالفعل على أن تطعم ستين صائماً عوضاً عن هذا اليوم الذي أفطرته.

لكن المشكلة الطريفة أن «تحية» لم تجد ستين صائماً كي تطعمهم بناء على تلك الفتوى، حيث كان عدد عمال التصوير وطاقم الفيلم لا يزيد على خمسة وعشرين فرداً، وأخذت «تحية» تطالب بهاء الدين شرف بأن يحضر لها ما يستحق أن تطعمه، ورغم أنها أفطرت وقامت بتصوير مشهد ركوب الخيل، فقد أجبرت المخرج على إنهاء التصوير مبكراً حتى تبحث عن بقية الستين، وهى تقول له ساخرة إن التصوير في النهاية قد تعطل أيضاً، فماذا جنته غير أنها أُجبرت على الإفطار؟

وكشفت «كاريوكا» عن أنها منذ ذلك العام ألزمت نفسها على سبيل النذر أن تطعم ستين صائماً في كل رمضان سواء كانت قد أفطرت أم لا، وأنها عرفت بمساعدة آخرين كيف توفى بهذا النذر تكفيراً عن هذا اليوم الذي أفطرت فيه رغماً عنها.

هذه الحكاية حكتها لي تحية كاريوكا بنفسها حينما كنت أعد قاعدة البيانات الفيلمية لراديو وتليفزيون العرب «إيه. آر. تي» في بدايات التسعينات، وقالت إنها كلما شاهدت هذا الفيلم الديني تتذكر تلك الواقعة، وأنها تعتز كثيراً بمشاركتها في فيلم «السيد أحمد البدوي»، خاصة أنها من مريديه، وكثيراً ما كانت تحرص على حضور مولده في مدينة طنطا، وأحياناً كانت تزور مسجده بصحبة زميلها ورفيق مشوارها الفني المطرب محمد فوزي ابن مدينة طنطا، الذي روى لها أنه كان يحضر حفلات الذكر التي تقام بالمسجد، ومنها تعلم كثيراً من أصول الغناء، وأنها واظبت على هذه الزيارات معه في وجود شقيقته هدى سلطان أحياناً، إلى أن أصيب بالمرض اللعين في بداية الستينات، فأصبحت تزور السيد البدوي بمفردها، وأن «فوزي» كان في كل مرة يعلم فيها بنيَّتها زيارة مقام هذا الولي الجليل يوصيها بالدعاء له بأن يمنّ الله عليه بالشفاء، وأضافت أنها بعد رحيل «فوزي» بقيت على عهدها معه، وإن تغير الدعاء بأن ظلت تطلب له الرحمة والمغفرة وهي تقرأ له الفاتحة أمام ضريح السيد أحمد البدوي.


مواضيع متعلقة