أشرف غريب يكتب: شريف منير.. الجواد الرابح
أشرف غريب يكتب: شريف منير.. الجواد الرابح
وسط هذا العدد الكبير من الأعمال الدرامية الرمضانية (يقولون إنّها تجاوزت الأربعين مسلسلاً) يصبح من الصعب التمييز بين المتنافسين أو الوقوف أمام من هو الأفضل، فكلما ازدحم مضمار السباق لا تكاد تشعر بالمسافة التى تفصل بين الجواد الرابح وبين الجياد التى تليه، وإذا حدثت تلك المسافة رغم هذا الزحام فإننا بالتأكيد حيال جواد بمواصفات خاصة له قدرة فائقة على البروز والتميّز وتجاوز كل الآخرين الذين تباروا معه فوق ذلك المضمار، وهذا ببساطة هو واقع المنافسة الحامية بين نجوم المسلسلات الرمضانية هذه السنة، وعليه فإن من يتقدّم السباق أو تبرز قدراته فهو بالتأكيد أكبر من مجرد متقدّم فى الترتيب، فكل سباق مهما كان عدد المتنافسين فيه وقوة هذا التنافس لا بد له من أول وثانٍ وهكذا، أما فى حالة الزحام وتدافع المتسابقين وضياع التفاصيل فإن للأول نقاطاً إضافية تجعله رابحاً بامتياز، وليس مجرد فائز.
وعليه فإنك إذا سألت أياً من جمهور الشاشات الفضائية عن الجواد الرابح هذه السنة بين نجوم التمثيل فى أعمال رمضان فإن الإجابة لن تخرج عن واحد من اثنين، إما ماجد الكدوانى بطل حلقات «كان ياما كان»، تأليف شيرين دياب وإخراج كريم العدل، وإما شريف منير بطل حلقات «رأس الأفعى» للثنائى هانى سرحان ومحمد بكير، مع ميل لصالح شريف منير بفضل اختلاف طبيعة الشخصيتين والفارق بين الجهد المبذول فى مسلسل عدد حلقاته ثلاثون، وآخر اكتفى بخمس عشرة حلقة فقط.
وأنا هنا لست فى مقام المقارنة بين ماجد الكدوانى وشريف منير، فكلاهما أجاد، وكلاهما برز وسط هذا الزحام، ولكننى أحب التوقف كنقطة انطلاق مبدئية أمام التحديات التى كانت فى رأس شريف منير حين وافق على القيام ببطولة هذا العمل الوطنى المهم، من بين هذه التحديات:
أولاً: يقدم شريف منير فى «رأس الأفعى» شخصية لها حساسيتها وتأثيرها الواضح فى محيطها العام، هو القيادى الإخوانى محمود عزت المرشد الفعلى للجماعة، والمخطط الأول لكل أنشطتها خلال العقود الأخيرة.
ثانياً: هو لم يقبل القيام بشخصية خيرة أو حتى رمادية، وإنما يُجسّد فى هذا العمل شخصية ثعبانية مكروهة لدى العامة بحكم تاريخه الدموى وسعيه الدائم والدؤوب طوال ما يزيد على الستين عاماً للإضرار بمصالح الوطن وبمقدّرات الشعب المصرى، وهو أمر يُقلق عادة أى ممثل يصادفه دور كهذا، مخافة أن تنسحب هذه الكراهية على الممثل الذى يؤدى الشخصية، وهناك حالات كثيرة يعرفها جيداً تاريخ الفن فى مصر، أشهرها واقعة رفض سعاد حسنى تمثيل شخصية الجاسوسة هبة سليم، أو «عبلة كامل»، حسب ما ظهرت فى فيلم «الصعود إلى الهاوية»، سنة 1978، فقبلته مديحة كامل وتحدّت تردّدها، فكان نقطة انطلاقها فى طريق النجومية.
ثالثاً: يحاكى شريف منير هنا شخصية حية وحقيقية وقائمة على أرض الواقع كانت ولا تزال واضحة الملامح والمعالم فى أذهان الجماهير بصورتها وهيئتها، وليس مجرد شخصية واقعية من التاريخ القديم، مما يُمثل صعوبة إضافية فى التشخيص والتقمّص تحتاج إلى جهد مضاعف من أجل الإفلات -قدر المستطاع- من أى مقارنات بين الواقع والتمثيل.
رابعاً: لا يمكن إغفال حقيقة أن شخصية «محمود عزت» بكل ما بها من تفاصيل هى نقلة فعلية فى مشوار شريف منير، نقلة على مستوى المرحلة العمرية التى يمر بها، فشريف منير المولود -على الأرجح- سنة 1959 هو الآن فى السابعة والستين من عمره، لكنه حتى وقت قريب كان متمسّكاً بأداء أدوار من هم أقل بكثير من هذه المرحلة العمرية، ومن هنا فإن قبول الممثل الكبير القيام بشخصية محمود عزت -المولود عام 1944- هو أمر يتجاوز الجرأة فى قبول تلك الشخصية فى ذاتها، إلى اعتراف بأن عليه تغيير جلده الفنى، والولوج إلى مرحلة أخرى من الأدوار، يستحضر فيها خبرات السنين، ونُضج التجربة، وهو بالفعل مؤهل لهذا، ولديه من الكفاءة ما يجعله ناجحاً فى تقديمها. لا سيما أنه على مدى مشواره الفنى الطويل الممتد لما يقرب من خمسة وأربعين عاماً قدّم تنويعات مختلفة فى الاختيار والأداء، حتى لو كان معظمها فى إطار مرحلة عمرية بعينها.
دخل شريف منير عالم التمثيل مع مطلع الثمانينات فى جيل كان يضم وائل نور وممدوح عبدالعليم وهشام سليم وغيرهم، وأول أدواره المهمة كان سنة 1983 فى فيلمى «عالم وعالمة» إخراج أحمد ياسين، و«الاحتياط واجب» إخراج أحمد فؤاد الذى ألحّ على تقديمه العام التالى فى فيلم «بيت القاصرات» ومنه لعب منير دوره المهم فى مسلسل «رحلة المليون» أمام محمد صبحى وإخراج أحمد بدر الدين، وكانت هذه الأدوار المتتالية كفيلة بأن ترسم لشريف منير ملامحه الفنية لذلك الشاب المستهتر الذى يعانى انحرافاً سلوكياً نتيجة غياب الرقابة الأسرية أو أى مشكلات اجتماعية من جراء قصور الوعى الأسرى تجاه الشباب فى تلك المرحلة العمرية الحرجة، مرحلة المراهقة وبداية الشباب، هذه المنطقة فى الاختيار والأداء أخذت من عمر شريف منير كثيراً من السنوات، لكنها قدّمت إليه كممثل ولنا كجمهور أكثر من تجربة ناضجة أكدت ما يملكه هذا الممثل الشاب من قدرات، ويكفيه فى هذا التوقيت تجربتاه مع المخرج عاطف الطيب فى فيلمى أبناء وقتلة وضربة معلم.
غير أن حدثاً فنياً مهماً وقع لشريف منير فى تلك الأثناء حين وافق على القيام بدور «ناجى السماحى»، بداية من الجزء الثانى من المسلسل الأشهر «ليالى الحلمية» سنة 1989، نعم كان ابن الشهيد طه السماحى شاباً أيضاً -وهذا أمر طبيعى- لكنه كان هذه المرة شاباً ناضجاً ورزيناً أقرب إلى المثالية، وأيضاً نجح شريف فى إقناع المشاهد بهذه النوعية فى الأداء، ومنه إلى دوره اللافت فى فيلم «الكيت كات» للمخرج داوود عبدالسيد، فقد جمعت شخصية «يوسف» ابن الشيخ حسنى (محمود عبدالعزيز) بين تمرّد الشباب وطموحه الجارف وبين رقة الطبع وعذوبته، ربما بفعل ما غرسه فيه أبوه من بذرة الفن، وهذا كله فى غلاف من الشجن النبيل الذى جعل لهذه الشخصية أثرها الواضح فى نفس المتلقى. الأمر الذى استمر معه فى «حكايات الغريب» و«ذئاب الجبل»، حتى إن لم يتخلَّ نهائياً عن دور الشاب العابث فى أعمال أخرى، كما فى «ديسكو ديسكو» مع المخرجة إيناس الدغيدى.
وشيئاً فشيئاً أخذ شريف منير مع مطلع الألفية يتخلى عن طيش الشباب إلى حيرته كما فى «سهر الليالى وويجا، وقص ولزق ونقطة رجوع»، أو رزانته كما فى «عريس من جهة أمنية ومسجون ترانزيت وأولاد العم»، فى هذه الفترة أخذت المسلسلات التليفزيونية بشريف منير إلى مرحلة النّضج الحقيقى فى الأداء، كما فى أعمال «قلب ميت والصفعة والزيبق ونحب تانى ليه»، وهو ما انعكس كذلك على أدائه واختياره فى الأفلام السينمائية التى قدّمها فى تلك الفترة، مثل «من 30 سنة» و«الممر» و«السرب».
ومن هنا فإن شريف منير وهو يقبل القيام بدور محمود عزت، المرشد الحقيقى للإخوان، فى حلقات «رأس الأفعى» كانت تسبقه بالتأكيد كل سنوات الخبرة التى جعلته يهضم جيداً تلك الشخصية الثعبانية بهدوئها الظاهر وغلها الكامن داخل هذه النفس المريضة، فقد نجح ليس فقط فى تقديم ملامح شكلية قريبة من عزت، ساعده عليها المكياج الجيّد، وإنما استطاع كذلك أن يعكس روح الشخصية من أول النبرة الهادئة الأقرب إلى حفيف الأفعى، والخطوات المتئدة التى تُناسب السن وتبرز رغبة رجل فى التسلل ببطء كالأفاعى إلى عقول من يُحدثهم من أجل التأثير فيهم وإجبارهم على تنفيذ أوامره، وكان طبيعياً بعد ذلك كله أن يتقدّم شريف منير السباق الرمضانى، وأن يستحق بالتأكيد أن يكون هو الجواد الرابح هذا العام.