معركة «الإسلام وأصول الحكم»... قديم متجدد (1)
مرت نحو خمسة وثمانين عاماً على صدور أكثر الكتب ذيوعاً فى تاريخ العرب المحدثين والمعاصرين على حد سواء. وهو كتاب صغير الحجم، مركز الفكرة، مفعم بالشجاعة، ومثير للجدل، فتح الباب لكتب أخرى نبتت على ضفافه، إما رداً عليه قدحاً، أو مساندته مدحاً، وإما معالجة فكرته الجوهرية، ومقصده الذى لم يخطئه صاحبه. إنه كتاب «الإسلام وأصول الحكم» للشيخ على عبدالرازق، الذى لا يدانيه شهرة فى العقود الأخيرة سوى كتابى «فى الشعر الجاهلى» لطه حسين، و«تحرير المرأة» لقاسم أمين.
والفكرة الأساسية للكتاب تقول إن الخلافة ليست أصلاً من أصول الإسلام، وإنما هى مسألة دنيوية وسياسية أكثر منها دينية، وإن القرآن الكريم والحديث النبوى لم يوردا ما يبين، من قريب أو بعيد، كيفية تنصيب الخليفة أو تعيينه، وذلك لأن هذا التنظيم «اختراع بشرى» أو «اجتهاد» من قبل صحابة الرسول، صلى الله عليه وسلم، لجأوا إليه ليحافظوا على تماسك الجماعة المسلمة بعد وفاة النبى. ثم اعتبر عبدالرازق الخلافة «نكبة على الإسلام والمسلمين، وينبوع شر فاسد» وراح يسرد من معطيات التاريخ ما يبرهن على هذا الرأى الصادم فى وقتها.
وينقسم الكتاب إلى ثلاثة كتب فرعية، الأول عن «الخلافة والإسلام» والثانى بعنوان «الحكومة والإسلام» أما الثالث فيدور حول «الخلافة والحكومة فى التاريخ».
وبعد تعريفه الخلافة من الناحية اللغوية والتاريخية، ثم تناول كيفية تحولها إلى «ملك» على يد الأمويين، يؤكد عبدالرازق أن القرآن الكريم قد خلا من أى إشارة إلى الخلافة، ويقول: «لم نجد فيما مر بنا من مباحث العلماء، الذين زعموا أن إقامة الإمام فرض، من حاول يقيم الدليل على فرضيته بآية من كتاب الله الكريم. ولعمرى لو كان فى الكتاب دليل واحد لما تردد العلماء فى التنويه والإشادة به، أو لو كان فى الكتاب الكريم ما يشبه أن يكون دليلاً على وجوب الإمامة لوجد من أنصار الخلافة المتكلفين، وأنهم لكثير، من يحاول أن يتخذ من شبه الدليل دليلاً. ولكن المنصفين من العلماء والمتكلفين منهم قد أعجزهم أن يجدوا فى كتاب الله تعالى حجة لرأيهم فانصرفوا عنه إلى ما رأيت من دعوى الإجماع تارة، ومن الالتجاء إلى أقيسة المنطق وأحكام العقل تارة أخرى».
ويذهب عبدالرازق إلى أن السنة أيضاً تخلو من حديث مباشر وواضح وقطعى عن الخلافة، فيقول: «ليس القرآن وحده هو الذى أهمل تلك الخلافة، ولم يتصد لها، بل السنة كالقرآن أيضاً، قد تركتها ولم تتعرض لها. يدلك على هذا أن العلماء لم يستطيعوا أن يستدلوا فى هذا الباب بشىء من الحديث، ولو وجدوا لهم فى الحديث دليلاً لقدموه فى الاستدلال على الإجماع، ولما قال صاحب المواقف إن هذا الإجماع مما لم ينقل له سند».
ويؤكد عبدالرازق أن الأصل فى الخلافة عند المسلمين أن تكون راجعة إلى اختيار أهل الحل والعقد، والبيعة الاختيارية، أما الملك فمن الطبيعى أن يقوم فى كل أمة على الغلب والقهر. وقد هبطت الخلافة فى تاريخ المسلمين إلى ملك لأنها «لم ترتكز إلا على أساس القوة الرهيبة، وأن تلك القوة كانت، إلا فى النادر، قوة مادية مسلحة». وهذا يخالف جوهر الإسلام، الذى يؤمن بالمساواة بين سائر البشر، ويمنع عبوديتهم لغير الله، و«من الطبيعى فى أولئك المسلمين الذين يدينون بالحرية رأياً، ويسلكون مذاهبها عملاً، ويأنفون الخضوع إلا لله رب العالمين، ويناجون ربهم بذلك الاعتقاد فى كل يوم سبع عشرة مرة على الأقل، فى خمسة أوقاتهم للصلاة. من الطبيعى فى أولئك الأباة الأحرار أن يأنفوا الخضوع لرجل منهم أو من غيرهم، ذلك الخضوع الذى يطالب به الملوك رعيتهم إلا خضوعاً للقوة، ونزولاً على حكم السيف القاهر».
ويستعرض عبدالرازق بعض الأدلة على فساد الحكم واستبداده بعد الخلافة الراشدة، ثم يبدى مرونة عالية فى تصور شكل الحكم فى الإسلام، فيقول: «إن يكن الفقهاء أرادوا بالإمامة والخلافة ذلك الذى يريده علماء السياسة بالحكومة كان صحيحاً ما يقولون، من أن إقامة الشعائر الدينية، وصلاح الرعية، يتوقفان على الخلافة، بمعنى الحكومة فى أى صورة كانت الحكومة، ومن أى نوع. مطلقة أو مقيدة، فردية أو جمهورية، استبدادية أو شورية. ديمقراطية أو اشتراكية أو بلشفية، لا ينتج لهم الدليل أبعد من ذلك. أما إن أرادوا بالخلافة ذلك النوع الخاص من الحكم الذى يعرفونه فدليلهم أقصر من دعواهم، وحجتهم غير ناهضة». ويذهب عبدالرازق إلى أبعد مدى فيقول: «ليس بنا من حاجة إلى تلك الخلافة لأمور ديننا، ولا لأمور دنيانا. ولو شئنا لقلنا أكثر من ذلك، فإنما كانت الخلافة ولم تزل نكبة على الإسلام وعلى المسلمين وينبوع شر وفساد».
وينتقل عبدالرازق إلى شرح وجهة نظره حول «نظام الحكم فى الإسلام» فينطلق ابتداء من أن الرسول، صلى الله عليه وسلم، لم يمارس نوعاً واضح المعالم من الحكم، أو السلطة السياسية، فيقول: «وجدنا عند البحث فى نظام القضاء فى عصر النبوة أن غير القضاء أيضاً من أعمال الحكومات ووظائفها الأساسية لم يكن فى أيام الرسالة موجوداً على وجه واضح لا لبس فيه، حتى يستطيع باحث منصف أن يذهب إلى أن النبى، صلى الله عليه وسلم، لم يعين فى البلاد التى فتحها الله له ولاة مثلاً لإدارة شئونها، وتدبير أحوالها وضبط الأمر فيها. وما يروى من ذلك فكله عبارة عن توليته أميراً على الجيش أو عاملاً على المال أو إماماً للصلاة، أو معلماً للقرآن، أو داعياً إلى كلمة الإسلام. ولم يكن شىء من ذلك مطرداً، وإنما كان يحصل لوقت محدود. .. ومن المؤكد أننا لا نجد فيما وصل إلينا من ذلك عن زمن الرسالة شيئاً واضحاً يمكننا ونحن مقتنعون ومطمئنون، أن نقول إنه كان نظام الحكومة النبوية».
ويفرق عبدالرازق بين الرسالة والملك، ويرى أن محمد، صلى الله عليه وسلم، كان رسولاً فحسب، فبالنسبة له، الرسالة مقام، والملك مقام آخر. وهناك يقول: «كم من ملك ليس نبياً ولا رسولاً. وكم لله جل شأنه من رسل لو يكونوا ملوكاً بل إن أكثر من عرفنا من الرسل إنما كانوا رسلاً فحسب... محمد ما كان إلا رسولاً لدعوة دينية خالصة للدين، لا تشوبها نزعة ملك، ولا دعوة لدولة، وإنه لم يكن للنبى صلى الله عليه وسلم ملك ولا حكومة، وأنه صلى الله عليه وسلم لم يقم بتأسيس مملكة، بالمعنى الذى يفهم سياسة من هذه الكلمة ومرادفاتها ما كان إلا رسولاً كإخوانه الخالين من الرسل. وما كان ملكاً ولا مؤسس دولة، ولا داعياً إلى ملك... القرآن صريح فى أن محمد، صلى الله عليه وسلم، لم يكن له من الحق على أمته غير حق الرسالة».
ويطلب عبدالرازق ممن يريد أن يحاججه فى هذا الأمر أن يمعن النظر فى القرآن والسنة ويبحث فيهما عن أى صيغة للحكم فى الإسلام فلن يجد شيئاً ذا بال، وهنا يتوجه إلى من يشكك فى هذا الأمر ويقول له: «التمس بين دفتى المصحف الكريم أثراً ظاهراً أو خفياً لما يريدون أن يعتقدوا من صفة سياسية للدين الإسلامى. ثم التمس ذلك الأمر مبلغ جهدك بين أحاديث النبى، صلى الله عليه وسلم،. تلك منابع الدين الصافية متناول يدك، وعلى كثب منك، فالتمس فيها دليلاً أو شبه دليل، فإنك لن تجد عليها برهاناً، إلا ظناً، وأن الظن لا يغنى من الحق شيئاً».
وينهى عبدالرازق كتابه باعتبار أن الخلافة ليست نظاماً دينياً، وليست نيابة عن صاحب الشريعة، وأن ما قيل فى هذا الاتجاه لم يكن سوى ترويج واضح لمسألة خاطئة بما يحقق مصلحة السلاطين. وهنا يقول: «الخلافة ليست فى شىء من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم ينكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وإنما تركها لنا، لنرجع فيها إلى أحكام العقل، وتجارب الأمم، وقواعد السياسة».