محمد فراج.. المُتلوِّن
محمد فراج.. المُتلوِّن
ملامح مصرية أصيلة، وقدرات تمثيلية استثنائية، تُمكِّن الفنان محمد فراج من الغوص في أعماق الشخصيات الفنية التي يجسدها، سواء على المستوى النفسي أو حتى خلفياتها التاريخية وكذلك حركة الجسد، ليتلوَّن مع عالمها لدرجة التصديق، وتذوب ملامحه الأصلية لصالح ملامح الشخصية، لذا صار اسمه عنواناً لجودة المحتوى والمضمون، لا سيما أنه يبتعد دوماً عن «النمطية»، مقابل الأدوار التي تضعه في منطقة التحدي.
لم يأتِ محمد فراج بمحض المصادفة، ولم تدفعه وسامة تقليدية إلى صدارة بوسترات الأعمال الفنية، بل جاء من «رحم المسرح»، وتحديداً من مدرسة المخرج خالد جلال بمركز الإبداع الفني، حيث ظهرت براعته لأول مرة في عرض «قهوة سادة» عام 2009 تقريباً، والذي كان بمثابة شهادة ميلاد لجيل كامل. تلك النشأة التي جعلته يدرك أن الممثل هو «أداة» مرنة، يجب أن تشحن بالثقافة والمراقبة الدقيقة للأفراد قبل أن تقف أمام الكاميرا.
منذ تجاربه الأولى، كان «فراج» يهمس في أذن الجمهور بأنه ليس مجرد «وجه جديد»، بل «مشروع فنان» لا يقبل بالتكرار، إذ يميل إلى البحث دوماً عن المناطق الرمادية بعيداً عن الشخصيات ذات البعد الواحد، مثل «سوني» في «هذا المساء» عام 2017، حيث يُعد هذا المسلسل بمثابة المحطة التي غيّرت مساره، كونه استطاع تقديم الشر المستتر خلف شاشات الهواتف، محققاً نجاحاً كبيراً وقتها على المستويين النقدي والجماهيري.
ثم جاءت المحطة الفارقة في «لعبة نيوتن» عام 2021، بشخصية «الشيخ مؤنس»، حيث أثبت قدرته على التلوُّن، بنبرة صوت هادئة، ونظرات تحمل مزيجاً من التقوي والرغبة، وكذلك القدرة على إثارة الجدل في كل مشهد، فلم يُجسد شخصية الملتحي بشكله التقليدي، بل قدّم إنساناً معقداً، لذا حظيت تلك التجربة بتفاعل جماهيري كبير طوال فترة عرضها، وذلك إلى جانب «جمال الصواف» في «غرفة 207»، و«ضياء» في «بطن الحوت» وغيرها.
وفي السينما، لم يحبس نفسه في إطار معين، ففي فيلم «الممر»، قدّم دور الجندي الصعيدي «هلال» ببراعة، مجسداً الشجاعة بلهجة مصرية أصيلة، وصولاً إلى فيلم «فوي فوي فوي»، الذي مثَّل مصر في ترشيحات الأوسكار نهاية 2023، حيث لعب دور «حسن» النصاب الذي يدعي العمي للسفر لأوروبا. فقد كشف هذا الدور عن قدرته على المزج بين الكوميديا السوداء والتراجيديا الإنسانية.
تكمن عبقرية محمد فراج في قدرته الاستثنائية على استحضار «روح الشارع» أمام الكاميرا، وكأنه يراقب المارة، ويفكك شفرات لغة أجسادهم، ويختزن نبرات غضبهم المكتوم، ليعيد صياغة تلك الابتسامات المريرة على الشاشة.
وفي رمضان لهذا العام، يخوض «فراج» تحدياً جديداً بقصة تنتمي إلى الدراما الاجتماعية، بعد تجربته المميزة في «كتالوج» الذي عُرض لأول مرة في يوليو الماضي، وحقق نجاحاً ضخماً آنذاك، حيث يقدم مسلسل «أب ولكن»، ويقدم من خلاله مشروعاً فريداً يعتمد على المشاعر والأحاسيس بعيداً عن القوة والاستعراض، إذ يلمس وتراً حساساً مرتبطاً بكل بيت، ويزيح الستار لأول مرة عن المعاناة التي قد يواجهها الأب لرؤية ابنته بعد الطلاق.
«فراج» يقدم من خلال هذا المسلسل واحداً من أصعب أدواره الإنسانية، حيث تنطلق الأحداث من حياة أب مستقر، يظن أن عالمه الصغير محصن ضد العواصف، ليفاجأ بأزمة أسرية عاصفة تزلزل كيان منزله. وفي لحظة، ينتقل من «دفء البيت» إلى رتابة الإجراءات، وفي لحظات مؤلمة يجد فيها نفسه مطالباً بتقديم «كشف حساب» لمشاعره أمام جهات التحقيق، حيث يُعتبر في تلك التجربة بمثابة «صوت الآباء» الذين ضاعوا في سراديب القوانين، ليُطلق «صرخة إنسانية» تطلب إعادة النظر في القوانين بروح الإنسانية.
محمد فراج أصبح علامة بارزة للأدوار التي تحمل أبعاداً مركبة، وهو ما يضعه في منطقة منفصلة عن أبناء جيله الذين قد يفضلون الأدوار الأكثر ضماناً، لذلك لا يدخل قط في صراع «الأعلى مُشاهدة» و«الأعلى أجراً»، وتلك الصراعات الوهمية، بل يخوض مسارات طويلة لترسيخ مكانته كواحد من أهم نجوم الصف الأول في مصر.