وليد خيري يكتب.. في رثاء الدهشة

كتب: editor

وليد خيري يكتب.. في رثاء الدهشة

وليد خيري يكتب.. في رثاء الدهشة

لم تكن الدهشة يوما مجرد رد فعل عابر يرتسم على ملامحنا، بل كانت النافذة السرية التي نطل منها على اتساع الوجود، والشرارة التي توقظ في أرواحنا شغف الاكتشاف، كانت تلك الرجفة اللذيذة التي تسري في أجسادنا حين نصادف نهاية غير متوقعة، أو نلتقي بعابر سبيل يغير مسار يومنا، أو نقف أمام مشهد طبيعي لم تسبق لنا رؤيته إلا في خيالنا.

لكننا اليوم، ونحن نغوص في أعماق ما يمكن تسميته بعصر ما بعد التواصل، نقف في حالة حداد صامت على تلك الدهشة التلقائية التي تسربت من بين أصابعنا. لقد تحول العالم إلى كتاب مفتوح قرأنا ملخصه سلفا، حيث تحرق الأحداث قبل وقوعها، وتستهلك المشاعر قبل أن تولد. لم يعد هناك متسع للغموض الذي يغذي الخيال، فقد تكفلت الشاشات المضيئة بكشف كل زاوية مظلمة، وتحويل كوكبنا إلى قرية مكشوفة لا تخبئ في أزقتها أي أسرار.

إن هذا العصر الذي نعيشه يشبه إلى حد بعيد تلك اللحظة القاسية التي هوت فيها الفؤوس على أشجار الكرز في رائعة أنطون تشيخوف الخالدة، لتعلن نهاية حقبة مليئة بالرومانسية والارتباط العاطفي البكر بالأشياء، وبداية عصر مادي بارد ومحسوب بدقة.

لقد سقطت أشجار الغموض في حياتنا تحت ضربات فؤوس التدفق المعلوماتي اللحظي. قبل أن نسافر إلى مدينة جديدة، نكون قد تجولنا في شوارعها افتراضيا، وحفظنا تفاصيل مقاهيها، وتذوقنا أطباقها عبر صور الآخرين وتجاربهم.

وقبل أن نشاهد عملا سينمائيا، نكون قد تشبعنا بتحليلاته وتوقعنا مسارات شخصياته، لتنتفي تلك العلاقة الحميمة والمباشرة بين المتلقي والعمل الفني. لقد أضحينا كمن يعيش في كواليس المسرح الدائمة؛ نعرف متى يدخل الممثلون، وكيف صنعت الخدع، وماذا تخفي الستائر، ففقدنا سحر العرض ذاته، وتلاشت قدرتنا على التصديق البريء الذي يصنع متعة التلقي.

من منظور نفسي، نحن نرزح تحت وطأة المعرفة المفرطة والاستباق اللحظي لكل شيء، مما خلق بداخلنا حالة من التبلد الشعوري. إن العقل البشري الذي صقل عبر آلاف السنين ليتفاعل مع المفاجأة ويتأمل المجهول، يجد نفسه اليوم متخما بإجابات جاهزة لأسئلة لم يطرحها بعد. هذه التخمة أفقدتنا متعة التساؤل، وجعلتنا أسرى لنمط من التفكير يشبه التردد القاتل لأمير الدنمارك في تراجيديا شكسبير؛ حيث يقتل التحليل المفرط وتشريح كل تفصيلة صغيرة عفوية الفعل وحرارة التجربة. لقد استبدلنا الحضور الآني في اللحظة المشتعلة، بالتوثيق البارد والمسبق لها، وكأننا نعيش حياتنا عبر مرآة عاكسة بدلا من أن نعيشها في لحم الواقع ودمه.

وحتى في علاقاتنا الإنسانية، افتقدنا سحر الحارة القديمة التي طالما نبضت بالحياة في أدب نجيب محفوظ وكلاسيكيات السينما، تلك المساحة التي كانت تتقاطع فيها المصائر مصادفة، وتتخلق فيها الحكايات من رحم المجهول والتفاعل الحي.

أصبحت علاقاتنا اليوم مؤطرة بملفات وتحديثات تخبرنا بكل شيء عن الآخر قبل أن نلتقيه، فغاب ذلك التدرج الساحر في اكتشاف طبقات النفس البشرية، وتبخرت تلك اللهفة التي كانت تصاحب فك شفرات الشخصية المقابلة. لقد باتت وجوهنا مألوفة حتى قبل أن نلتقي، وحكاياتنا مستهلكة قبل أن تروى، لتصبح لقاءاتنا في كثير من الأحيان مجرد تأكيد لما نعرفه سلفا، لا اكتشافا لما نجهله.

في رثاء الدهشة، نحن لا نبكي فقط على المفاجآت التي غابت، بل نرثي جزءا أصيلا من طفولة أرواحنا، ذلك الجزء الذي كان قادرا على الانبهار والتسليم بسحر العالم. إننا نعيش في مفارقة قاسية؛ فبينما نملك أدوات تواصل تتيح لنا الوصول إلى أقاصي الأرض في كسر من الثانية، نجد أنفسنا أكثر عزلة وجدانية، وأقل قدرة على الشعور بوهج التجربة الإنسانية المباشرة.

لعل التحدي الأكبر الذي يواجهنا في هذا العصر ليس في كيفية الحصول على المزيد من المعرفة، بل في كيفية الحفاظ على مساحات صغيرة من الجهل الاختياري، جيوب من المجهول نحميها بوعي، لنسمح لبذور الدهشة بأن تنمو من جديد في شقوق يقيننا الصلب.


مواضيع متعلقة