وليد خيري يكتب.. اغتيال الصدفة
وليد خيري يكتب.. اغتيال الصدفة
في زمن ليس ببعيد، كنا نتوقف مصادفة لنتبادل حديث مع جارة مسنة تطل من شرفتها تروي حكايات من زمن ولى، أو نتفاجأ بزميل رحلة المصعد القصير وهو يلقي بيتا من الشعر الجاهلي القديم. تلك كانت دائرة المعارف الحقيقية؛ شبكة إنسانية ثرية وعشوائية في آن واحد، تنسج خيوطها ببراعة من حرير الصدفة الخام. كانت هذه الصدفة بمثابة المخرج العبقري الذي يرتجل لنا كل صباح مشهدا جديدا في حوارنا الممتد مع العالم، فتهدينا لقاءات غير مبرمجة تفتح نوافذ نور في جدران قناعاتنا الثابتة، وتغمرنا بدهشة تذكرنا دوما بأن الكون أرحب بكثير من حدود أفكارنا الضيقة.
بيد أننا اليوم، وبمجرد لمسة خفيفة على شاشاتنا المضيئة، هجرنا صخب ذلك الميدان العام لندلف إلى سكون متحف شخصي مفرط في عزلته. لقد شيدت قاعات هذا المتحف الرقمي، ونسقت زواياه، ونقشت زخارفه بعناية فائقة لتلائم مقاسنا وحدنا. وفي هذا العالم الجديد، تلعب الخوارزميات دور القيم الحازم وحارس البوابة الذي لا يغفل، مانعة دخول أي طيف فكري قد يعكر صفو ذائقتنا أو يتحدى قناعاتنا. هي لا تعرض علينا العالم كما هو بمرارته وحلاوته وتناقضاته، بل تقدم لنا نسخة معقمة ومفلترة، تتطابق كليا مع ما أبدينا إعجابنا به بالأمس. وبذلك، استبدلنا ذلك الثراء الإنساني العفوي بفقر مدقع تسوره جدران أنيقة أطلق عليها المفكر إيلي باريزر ببراعة مصطلح فقاعة الترشيح، واصفا إياها بأنها نظام بيئي ومعلوماتي صمم خصيصا ليحيط بك وحدك.
في كنف هذا النظام البيئي المنعزل، تنعدم فرص اللقاء بالأفكار الدخيلة أو الرؤى المغايرة، وتغيب تماما عواصف الفكر التي توقظ العقل من سباته. إنها بيئة مكيفة بدقة متناهية لضمان دفء عقلي زائف ومستمر، وهو ما حذر منه باريزر حين أشار إلى أنّ العالم الذي يبنى حصريا من المألوف هو عالم عقيم لا يثمر معرفة جديدة، وأن إحاطة أنفسنا بما يوافق هوانا فقط يزج بنا في حلقة مفرغة من التأكيد الذاتي الذي لا ينتهي. ولعل ما يجعل هذا الفخ شديد الجاذبية هو طبيعة النفس البشرية ذاتها، التي تميل بفطرتها إلى استسهال الإدراك وتتهرب من كل تنافر معرفي يزعج استقرارها. فمواجهة فكرة تنسف معتقدا راسخا هي عملية شاقة، تشبه الجلوس أمام عرض مسرحي عبثي لا تفهم طلاسم حواره، مما يتركك في دوامة من القلق والارتباك.
وعلى النقيض من ذلك، تقدم لك التقنية الحديثة مسرحية مألوفة المعالم، تحفظ حواراتها عن ظهر قلب، وتألف شخصياتها، وتضمن نهايتها السعيدة سلفا. في هذه المسرحية، أنت البطل الأوحد الذي يقف على خشبة المسرح ليتلقى تصفيقا حارا من جمهور ليس سوى نسخ متكررة منك في كل مشهد. إنها تمنحك يقينا معلبا وسهل الهضم في خضم عالم شديد التعقيد، ورغم أن هذا اليقين يمنحك شعورا زائفا بالانتصار، إلا أن طعمه الحقيقي ليس سوى طعم الركود الفكري. وتتجلى المأساة هنا في كونها تتجاوز حدود التقنية لتضرب بجذورها في عمق وجودنا الاجتماعي؛ فقد اغتيلت الصدفة مع سبق الإصرار، وهذا الاغتيال يفرض علينا ضريبة باهظة. فالمجتمعات الإنسانية لم تكن يوما لتتطور لولا ذلك الاحتكاك الخلاق الناجم عن الاختلاف، والديمقراطية في جوهرها تستند إلى قدرة الفرد على الاستماع لما يخالفه وصولًا إلى أرضية مشتركة. بل إن الإبداع ذاته ليس إلا ثمرة تزاوج بين فكرتين غريبتين لم تلتقيا من قبل، والتعاطف الذي يمثل أسمى معاني إنسانيتنا لا ينمو إلا حين نجبر على التخلي عن نظاراتنا لنبصر العالم بعيون الآخرين.
وإذا أردنا تقريب الصورة، فإنّ الفارق يشبه تماما التباين بين سينما الواقع العميقة والسينما الافتراضية المصممة لتدليك غرور المشاهد. فالسينما العظيمة، كتلك التي أبدعها المخرج عباس كيارستمي، تلقي بك في خضم عوالم مجهولة، وتجبرك على التيه في أزقة لم تطأها قدماك، والإصغاء لحوارات تبدو في ظاهرها بسيطة بينما تضمر في باطنها أكوانا من الفلسفة والمعاني، لتخرج من قاعة العرض إنسانا مختلفا تتسع مداركه خطوة إضافية. أما عالم المنصات الرقمية، فهو أشبه بفيلم رديء تلعب أنت فيه دور البطل والمخرج وكاتب السيناريو، بينما يقتصر دور المحيطين بك على ترديد صدى كلماتك؛ إنه باختصار عمل نرجسي مغلق لا يقودك إلى أي أفق جديد.
وتتسق هذه الحالة مع ما ذهبت إليه عالمة الاجتماع شيري توركل حين وصفت واقعنا بأننا نبتكر وهم الرفقة لنتخلى عن التزامات الصداقة الحقيقية. ويمكننا البناء على هذه الرؤية لنقرر أننا بتنا نصنع وهم المعرفة لنتنصل من مشقة التفكير العميق. نحن نتوق بشدة للشعور بالانتماء إلى حوار كوني واسع، ولكننا نرفض في الوقت ذاته تكبد عناء الإنصات للأصوات التي تقلق راحتنا، أو مواجهة الحقائق التي تعري قصورنا.
لقد استحالت صفحاتنا الشخصية إلى ما يشبه خشبة المسرح في رائعة صمويل بيكيت «في انتظار جودو» مسرح موحش وفارغ نقف عليه لنؤدي مونولوجا طويلا ومكررا نوجهه لأنفسنا، نعيد فيه اجترار الأفعال والكلمات ذاتها فجر كل يوم، متسمرين في انتظار اعتراف موهوم أو تفاعل عابر قد يطرق بابنا أو لا يأتي أبدا. وفي خضم هذا الانتظار العبثي، يمضي العالم الحقيقي من خلف الستار، بكل صخبه الجميل وثرائه اللامحدود وصدفه التي تحبس الأنفاس، دون أن نكلف أنفسنا عناء الالتفات إليه. لقد تفوقنا على أنفسنا في تشييد أكثر السجون راحة ورفاهية في تاريخ البشرية؛ سجن صلب شيدت جدرانه من لبنات اهتماماتنا الضيقة، وصنعت قضبانه من صدى أصواتنا المتكررة. ليبقى السؤال الملح الذي يفتح الآفاق على مصراعيها: ما هو ذلك الجزء الأصيل الذي يلفظ أنفاسه الأخيرة في أعماقنا حين نقرر، بملء إرادتنا، اغتيال الصدفة؟