علاء عابد يكتب: مصر.. قلب الأمة وحصنها الذي لا يُكسر
علاء عابد يكتب: مصر.. قلب الأمة وحصنها الذي لا يُكسر
يقول الملك رمسيس الثاني: «إني أنا رمسيس العظيم، ملك مصر، أقسم بك يا إلهي، يا من وهبتني القوة والسلطان، لأقضينّ على أعداء أرضك الطاهرة، التي زيّنتها بنورك، وملأتها من بركتك، ووهبت شعبها الحكمة، وجعلتها منارة للعلم والدين. لأحرقنّ كلَّ من تسوّل له نفسه تدنيس أرض مصر، ولأسحقنّ كلَّ من أراد بشعبها سوءاً، ولأجعلنّ أبناء أرضي وشاربي ماء نيلي فوق ملوك الأرض جميعاً، فنحن سادة العالم، ومصر هي عطيتك الخالدة لنا.
أنا ابنُ مصر، وملك خير أمة على وجه الأرض، ولن أسمح لأحد أن يعتدي عليها أو يقترب من حدودها أو يمسّ شعبها أو نيلها بسوء. سأُخضع أعدائي وأعداء وطني، لتبقى مصر دائماً الأعلى شأناً، والأقوى مكانة، والأغنى حضارة على وجه الأرض».
مصر ليست مجرد دولة على الخريطة إنما هي حضارة وتاريخ ووعي متراكم صاغته القرون والأزمنة، ورمانة ميزان لا تستقيم المنطقة من دونها كانت -ولا تزال- «أم الدنيا» وحصن الأمن والأمان الذي تلجأ إليه الشعوب حين تضطرب الموازين وتشتد المحن والأزمات.
هذا الدور ليس وليد اللحظة، إنما هو امتداد طبيعي لمكانة ترسّخت عبر التاريخ، حتى إن شاعر النيل حافظ إبراهيم يقول:
«أنا إن قدر الإله مماتي
لا ترى الشرق يرفع الرأس بعدي»
وهي ليست مجرد أبيات شعر إنما هي تعبير دقيق عن حقيقة راسخة، بأن غياب مصر -لا قدّر الله- يعني اختلال ميزان الشرق بأسره.
في التحديات تقف الدولة المصرية بثبات وقوة، مدركة حجم المسؤولية التاريخية الملقاة على عاتقها، وهنا يبرز دور القائد العظيم الرئيس عبدالفتاح السيسي في قيادة مرحلة دقيقة تتطلب صلابة القرار وحكمة الرأي والمسؤولية، لحماية الأمن القومي المصري والعربي من محاولات العبث والتفكيك، مُدركاً بحكمته عظم المسؤولية الملقاة على عاتقه، وأن مصر وجوارها العربي خط أحمر يُمنع الاقتراب منه أو التفكير بالمساس به.
أما الشعب المصري العظيم، فهو الحصن الحقيقي الذي لا يُخترق والسند الذي لا يتزعزع أبداً، فهو شعب يعرف قيمة وطنه ويعي تمام الوعي أن الحفاظ عليه يقتضى الصبر والتحمّل، والاستعداد لتحمّل الأعباء مهما بلغت، لأن الأوطان لا تُصان إلا بتكاتف أبنائها.
وقد جسّد أمير الشعراء أحمد شوقي هذا المعنى بقوله:
«وطني لو شُغِلتُ بالخلد عنه
نازعتني إليه في الخلد نفسي»
ومهما اشتدت الضغوط وعظمت المحن، تبقى مصر عصيّة على الكسر تمضي بخُطى ثابتة نحو تثبيت أركانها وحماية مستقبلها، فكل خطوة -مهما بدت شاقة- هي خطوة في طريق الحفاظ على الدولة وصون هويتها وحدودها وأركانها.
مصر هي كنانة الله في الأرض، وأهلها خير أجناد الأرض، لأنهم في رباط إلى يوم الدين، وقد كان لأنبياء الله فيها نسب وصهر ومقام وحماية لنبي الله عيسى عليه السلام عندما احتمت أمه السيدة مريم العذراء في مصر وأهلها من بطش الرومان، ووصية الرسول، صلى الله عليه وسلم، بأهل مصر عندما قال: إذا فتح الله عليكم مصر فاستوصوا بأهلها خيراً، فإن لنا فيهم نسباً وصهراً.
ويرى عبقري المكان والزمان جمال حمدان أن «مصر ليست دولة، بل هي ظاهرة جغرافية تاريخية»، وهو تعريف يُلخص الطبيعة المركبة لمصر، بأنها ليست مجرد فصل في كتاب التاريخ، إنما هي كتاب قائم بذاته تتوالى صفحاته منذ فجر الحضارة وحتى اللحظة الراهنة دون أن ينقطع خيط المعنى أو يتبدّد أثر الفعل، فهي واحدة من الأمم القليلة التي لا تُقرأ بوصفها كياناً سياسياً فحسب، إنما بوصفها ظاهرة حضارية متكاملة تتداخل فيها الجغرافيا بالعقيدة، والتاريخ بالثقافة، والإنسان بالزمان والمكان، فقد قامت على ضفاف نيلها واحدة من أقدم الحضارات الإنسانية، ولخّص «هيرودوت» هذه العلاقة الفريدة بقوله: «مصر هبة النيل»، في إشارة إلى التلازم بين الطبيعة والتاريخ في تشكيل هذه الحضارة.