علي الفاتح يكتب: ملحمة الردع المصري.. طوق النجاة الوحيد
علي الفاتح يكتب: ملحمة الردع المصري.. طوق النجاة الوحيد
عقد مفاوضات مباشرة بين رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، ونائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، في إسلام أباد قد يمثل اختراقاً حقيقياً للوضع الراهن والفرصة الأخيرة لإنقاذ الشرق الأوسط من صراع مجنون، والولايات المتحدة من حرب استنزاف طويلة تُمعن في إهانة وإذلال جيشها، وإضعافها من الداخل على نحو يهدد مكانتها كقوة دولية عظمى.
مع نهاية اجتماع الرباعية المصرية، التركية، السعودية، الباكستانية، دعا وزير خارجية باكستان، محمد إسحاق دار، إلى لقاء مباشر يجمع الإيرانيين والأمريكيين في عاصمة بلاده إسلام أباد، استثماراً لتأكيد الطرفين، واشنطن وطهران، ثقتهما في الوسيط الباكستاني.
وأكد في بيان أعقب اجتماعه مع نظرائه المصري بدر عبدالعاطي والسعودي فيصل بن فرحان والتركي هاكان فيدان أن الصين تدعم فكرة اجتماع إيراني أمريكي مباشر.
وكان قد سبق هذا البيان إعلان وزراء الخارجية الأربعة دفعهم وتشجيعهم لتدشين مسار تفاوضي موثوق بين كل من الولايات المتحدة وإيران.
التخلي عن أسلوب المفاوضات غير المباشرة، عبر وسطاء، يبدو فكرة أكثر واقعية، بإحداث اختراق حقيقي في موقف الطرفين المتصارعين، فكلاهما يتمسك بشروط تعجيزية جعلت الصراع صفرياً، ما يعني فوضى عارمة تدمر الجميع وتحرق الأخضر واليابس، وهي ما باتت شواهدها ماثلة أمام الأعين، بسبب التصعيد الخطير باستهداف مفاعلات نووية ومصادر للطاقة وحقول بترول ومصانع بتروكيماوية.
بيد أن اللقاء المباشر بين الإيرانيين والأمريكيين بحد ذاته لن يكون ذا جدوى إذا ظل صهر ترامب جاريد كوشنر ومبعوثه للشرق الأوسط ستيف ويتكوف الممثلين الوحيدين للجانب الأمريكي، بعد أن ثبت عدم نزاهتيهما، بقيادة المفاوضات بما يخدم أجندة اليمين الصهيوني المتطرف.
المسألة لا تتعلق فقط بعدم فهمهما للتفاصيل الفنية الخاصة بالبرنامج النووي، فالرجلان متهمان بتزييف الحقائق المتعلقة بنتائج المفاوضات غير المباشرة، التي عقدت مؤخراً في مسقط وجنيف، ما دفع نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس، الرافض للتورط في العدوان على إيران، إلى أن يطلب من وزير الخارجية العماني بدر بن حمد البوسعيدي إجراء حوار مع قناة سي بي إس الأمريكية يشرح فيه تطور المفاوضات، والتوصل إلى نقاط توافق، وذلك في محاولة من دي فانس لمنع هذا العدوان.
موقع إكسيوس الأمريكي كشف في تقرير 27 مارس 2026 أن دي فانس أجرى مكالمة مع رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو وصفها بالمتوترة، حيث اتهمه دي فانس بتضليل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن سهولة الانتصار في الحرب على إيران، عبر تقديم تقارير أفرطت، بحسب تعبير الموقع، في التفاؤل بإمكانية تغيير النظام في طهران سريعاً، ودون كلفة عسكرية واقتصادية تذكر.
الجانب الإيراني نفسه أعرب في الآونة الأخيرة عن تفضيله التفاوض مع نائب الرئيس الأمريكي، كونه أبدى تحفظاً على شن هذا العدوان، وامتنع عن الإدلاء بأي تصريحات يبدو فيها داعماً للخيار العسكري على حساب المسار الدبلوماسي.
لكل طرف من أعضاء ما يمكن تسميتها برباعية إسلام أباد (مصر، السعودية، تركيا، باكستان) أوراقه الدبلوماسية، وقنوات اتصاله السياسية داخل الإدارة الأمريكية والكونجرس، ودوائر صنع القرار في واشنطن، والتي تعج بأصوات رافضة للحرب، وهذه الأطراف جميعاً تستطيع، عبر جهد دبلوماسي منسق، تنظيم لقاء مباشر يضم نائب الرئيس جي دي فانس ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، في حضور وزراء الخارجية الأربعة لتقريب وجهات النظر، وصياغة اتفاق واقعي يحصل بموجبه الطرفان على الضمانات، التي يحتاجانها في سياق من الندية، التي تحفظ سيادة وكرامة الجميع.
تداعيات العدوان الأمريكي الصهيوني على إيران باتت خطيرة على نحو غير مسبوق، والنتيجة محرقة مدمرة لمصالح الجميع.
إيران ستتفكك وستنتشر فيها جماعات غاضبة تمتلك أسلحة نوعية كفيلة بهدم كل شيء في الشرق الأوسط، لكن إيران الدولة، التي نعرفها قد لا تعود أبداً.
وفي المقابل، ووفقاً لبيان جماعة أنصار الله اليمنية «الحوثي» سيتم إغلاق مضيق باب المندب، الذي تعبر منه سنوياً 21 ألف سفينة، وأكثر من 700 مليار دولار بضائع، تمثل 15% من حجم التجارة العالمية، وأي تدخل أمريكي بري، مدعوم بتوريط أطراف جديدة دولية أو إقليمية سيعني استهداف المصالح الحيوية لكل تلك الأطراف، وهذا ما سيجعلها تنخرط في الصراع بصورة لا نهائية.
حشد أكثر من 17 ألف جندي أمريكي، سواء من قوات المشاة البحرية «المارينز»، أو قوات النخبة «الفرقة 82»، لبدء عمليات إبرار للسيطرة على مضيق هرمز يبدو هو الآخر مخططاً إسرائيلياً أوهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجدداً بأنه الحل المثالي لهزيمة إيران، والسيطرة على ثروتها البترولية، علاوة على بترول الخليج، وأهم الممرات الملاحية الدولية التجارية، ممثلة في البحر الأحمر والخليج العربي، استعداداً للمواجهة الكبرى مع التنين الصيني.
يبدو أن هذا ما باعه مجرم الحرب بنيامين نتنياهو لسيد البيت الأبيض، الطامح إلى تغيير اسم مضيق هرمز ليحمل اسمه، ويصبح مضيق ترامب، قد يفعل ذلك أيضاً في مضيق باب المندب.
هلاوس سمعية وبصرية، ثبت أن قدرات الجيش الأمريكي الهائلة أعجز من أن تحقق أهدافاً أقل منها بكثير.
في النهاية قد تستغرق هذه الحرب عقداً أو عقدين بالنظر إلى حجم التهديدات الإيرانية، وقدرتها على تدمير كل الأهداف الحيوية في عموم المنطقة، بما في ذلك داخل الكيان الصهيوني، وهو ما يعني الانتقال من نقطة كسر الحاجز النفسي بشأن إمكانية المواجهة العسكرية المباشرة مع الولايات المتحدة، وإهانة وإذلال أقوى جيوش العالم إلى نقطة سقوط الإمبراطورية الأمريكية على أعتاب هرمز وباب المندب.
الحوار المباشر مع نائب الرئيس الأمريكي المتخوف من العدوان سيضع هذه الحقائق أمام عيني دي فانس، ويدفعه للبناء على التوافقات الأخيرة في جولة جنيف، والتي أخفاها كوشنر وستيف ويتكوف.
بموازاة هذا الجهد الدبلوماسي للتحالف المصري السعودي الباكستاني التركي يتعين على دول الخليج مراجعة موقفها من وجود القواعد العسكرية الأمريكية على أراضيها، واتفاقيات الدفاع المشترك، أو التعاون الدفاعي مع واشنطن وكييف، واتفاقات إبراهام، التي وقعها بعض الأطراف، وتنظر هل ساهمت كل تلك الاتفاقيات وهذا الوجود العسكري الأجنبي في حماية أمنها واستقرارها واستقلالها وسيادتها، علاوة على حماية أمن شعوبها ومصالحها الحيوية؟!
حديث ينبغي ألا نمل من تكراره، في ظل نزق البعض، وتمسكه غير المبرر بطرف ذنب المشروع الصهيوني الحريص على تدمير اقتصاد الخليج، ونسف استقراره، وتفكيكه، حرصه على تدمير إيران وتفكيكها. لا بديل عن الاستجابة لملحمة الردع المصري لصد ملاحم الغضب والفوضى الصهيوأمريكية.
في ملحمة الردع المصري قوة عربية مشتركة، الكل يحتفظ تحت مظلتها بسيادته في إطار تنسيق دائم، وفق استراتيجية تعمل لحفظ أمن الجميع، مع غلاف إقليمي أشمل يضم تركيا وباكستان وإيران والجزائر، ليجعل منطقتنا بعيدة عن مسرح الصراعات الدولية، ويسمح بعلاقة متوازنة مع القوى الجديدة الصاعدة، «الصين وروسيا».
التماهي مع مشاريع الفوضى التوسعية الغرب صهيونية، التي باتت مجرد عضلات في جسد فقد صاحبه رشده وعقله، سيجعل من الشرق الأوسط مسرحاً لحروب استنزاف تحترق فيها شعوبنا مع ذلك العملاق الغبي، لتحل محله القوى الجديدة بأدواتها الاستعمارية، وإن كانت تبدو حتى الآن داعمة ولطيفة، لكن حين تطبق سيطرتها لن تكون كذلك، وسنظل نحن نعاني القهر والفقر والجهل والاستغلال.