د. عمرو صالح يكتب: الآثار ‏الخفية للحرب على مستر إكس

كتب: محرر

د. عمرو صالح يكتب: الآثار ‏الخفية للحرب على مستر إكس

د. عمرو صالح يكتب: الآثار ‏الخفية للحرب على مستر إكس

أتيحت لى خلال الأشهر الماضية زيارة عدد من الدول، ‏والاختلاف مع عدد من الوفود الأجنبية وعدد من المستثمرين حول العالم، ‏وفى كل مرة يدور الحديث حول الحرب فى إيران، ‏ ‏تكون اللهجة والنظرة واحدة: ‏نحن نخسر كثيراً بسبب هذه الحرب.. ‏كل دول العالم تئن وتعانى من إغلاق مضيق هرمز. وتُشكل أى حرب فى منطقة الخليج، خصوصاً إذا كانت مرتبطة بإيران، ليس فقط صدمة اقتصادية، بل اجتماعية وسياسية عالمية تتجاوز حدود الجغرافيا، لتطال مفاصل الاقتصاد الدولى، وعلى رأسها سلاسل التوريد، وتكاليف النقل، وأسواق الطاقة، وأسعار النفط.

‏وعند سؤالى أحد المستثمرين الدوليين من أكثر الأطراف الدولية استفادة من الحرب، ومن أكثر الأطراف الدولية المتضرّرة من الحرب؟ رد وأجاب على: «أكثر المتضررين من الحرب هو مستر إكس».. ‏ومستر إكس هنا يعنى «العالم كله»، أو «السيد سين»، بمعنى كل شخص فى العالم، سواء غنياً أو فقيراً.

إن أى تصعيد عسكرى فى الخليج يؤثر على مضيق هرمز، الذى تمر عبره نسبة كبيرة من التجارة العالمية للنفط والسلع. تعطّل هذا الممر يؤدى إلى تأخير الشحنات وارتفاع تكاليف التأمين، ويرفع مباشرة أسعار السلع الأساسية والمواد الخام فى العالم كله. كما أن الشركات العالمية، التى تعتمد على الإنتاج الفورى، ‏والمرتبطة بعقود إنتاج تواجه اضطرابات بسلاسل التوريد، تجبرها على إعادة هيكلة إنتاجها، والبحث عن بدائل أقل تكلفة وأقل كفاءة، ‏وهذا يتطلب وقتاً وتكلفة. ‏كل الشركات والمسئولين الذين التقيت بهم ‏أكدوا ارتفاع تكاليف النقل، ‏وفى النهاية المستهلك -نحن- ‏يتحمل تكلفة هذه التفاعلات ‏والارتفاعات.

لقد شهدت تكاليف الشحن البحرى والجوى ارتفاعاً ملحوظاً فى العالم كله نتيجة إغلاق المضيق، ‏وتضرّرت وتوقفت شركات الشحن البحرى، ‏وبالتالى شركات التأمين رفعت أسعارها على السفن والطائرات التى تمر بالمناطق المتوترة، ‏وهى التكلفة التى تحمّلها المستهلك، كما تضطر بعض خطوط الشحن إلى تغيير مساراتها لتجنّب مناطق النزاع، مما يزيد زمن الرحلات واستهلاك الوقود ‏ويرفع التكلفة. هذا الارتفاع فى التكاليف ينتقل تدريجياً إلى المستهلك النهائى فى شكل أسعار أعلى على السلع والخدمات.

أما قطاع الطاقة فهو الأكثر حساسية لأى توتر مرتبط بالحرب مع وعلى إيران، بسبب موقعها الاستراتيجى، كما أن إيران منتج رئيسى للنفط والغاز، وهى تتحكم بممرات الطاقة العالمية. وأى تهديد للإنتاج أو التصدير الإيرانى، ولدول الخليج، يؤدى إلى حالة من القلق فى الأسواق، تدفع الأسعار إلى الارتفاع حتى قبل حدوث نقص فعلى فى الإمدادات. كما أن ‏ما حدث من الولايات المتحدة فى ضرب البنية التحتية للطاقة، والمصافى وخطوط الأنابيب، التى أصبحت أهدافاً ‏للحرب، ليس فقط فى إيران، ولكن فى معظم دول الخليج، مما زاد من ‏توقّف الإنتاج فى قطر، وزاد من حالة عدم اليقين.

لقد أدّت الحرب إلى «ارتفاع مخاطر الإنتاج» مضافة إلى السعر الأساسى. هذا يعكس مخاوف المستثمرين من نقص الإمدادات، ويدفع الأسعار إلى مستويات أعلى من المعتاد وصلت إلى أعلى من مائة دولار للبرميل، مع قفزات حادة فى الأسعار، وهو ما يضغط بشدة على الدول المستوردة، ويزيد معدلات التضخّم عالمياً.

فى المحصلة، فإن أى حرب مرتبطة ‏بالمنطقة وبإيران لا تبقى أزمة إقليمية، بل تتحول سريعاً إلى تحدٍّ اقتصادى عالمى، يعيد تشكيل توازنات التجارة الدولية والطاقة، ويفرض واقعاً جديداً من عدم اليقين والتكاليف المرتفعة.


مواضيع متعلقة