«البديل الآمن للنفط».. الدول تُسرِّع الاستثمار في الطاقة المتجددة
«البديل الآمن للنفط».. الدول تُسرِّع الاستثمار في الطاقة المتجددة
فى ظل تصاعد أزمة الطاقة عالمياً وارتفاع أسعار النفط إلى مستويات قياسية، تبرز الطاقة المتجددة كخيار استراتيجى لا يحتمل التأجيل، ليس فقط لتقليل الاعتماد على الوقود التقليدى، بل أيضاً لحماية الاقتصاد من تقلبات الأسواق الدولية، فمع تزايد الضغوط على الموازنات وارتفاع تكلفة الاستيراد، تتجه الأنظار إلى تسريع التحول نحو مصادر نظيفة ومستدامة قادرة على تأمين احتياجات الدول من الطاقة بتكلفة أقل واستقرار أكبر.
يشير تقرير آخر لصحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن أزمة النفط فى الشرق الأوسط قد تدفع الدول إلى الاستثمار فى طاقة الرياح والطاقة الشمسية وغيرها من مصادر الطاقة المتجددة، لكنها قد تزيد أيضاً من الاعتماد على الفحم، الوقود الأحفورى الرخيص والملوِّث، يضيف التقرير: «بعض الدول فى أوروبا وآسيا قد تحاول تركيب المزيد من توربينات الرياح والألواح الشمسية والبطاريات لتخفيف تأثير ارتفاع أسعار الغاز الطبيعى، كما فعل الكثيرون بعد الحرب فى أوكرانيا».
يوضح التقرير أن الحرب فى الشرق الأوسط كشفت بالفعل عن ضعف أسواق الطاقة العالمية، ذلك أن نحو 20 بالمائة من النفط العالمى وجزءاً كبيراً من الغاز الطبيعى عادة ما يمر عبر مضيق هرمز، وهو ممر مائى ضيق جنوب إيران.
«السيد»: الاعتماد عليها هو السبيل لتقليل آثار ارتفاع أسعار النفط والغاز
بدوره، قال الدكتور عبدالمنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، لـ«الوطن»، إن التوسع فى الطاقة المتجددة لم يعد خياراً، بل ضرورة حتمية فى ظل التداعيات السلبية للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، والتى ألقت بظلالها على أسواق الطاقة عالمياً، خاصة مع تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز الذى يمر من خلاله نحو 20% من النفط و25% من الغاز الطبيعى عالمياً.
وأكد «السيد» أن الحل الجذرى يكمن فى تسريع التوسع فى مشروعات الطاقة المتجددة، خاصة الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، مستفيدين من مشروعات قائمة مثل «بنبان»، إلى جانب مشروع الضبعة النووى، والتوسع فى الربط الكهربائى مع دول الجوار.
ودعا «السيد» إلى الإسراع فى تنفيذ مشروعات الهيدروجين الأخضر، وتفعيل الاتفاقيات الدولية الموقعة مع شركاء دوليين، مؤكداً أن هذه الخطوات من شأنها تعزيز قدرة مصر على مواجهة أزمة الطاقة، وتحويل التحديات الحالية إلى فرصة حقيقية لبناء اقتصاد أكثر استدامة وأقل تأثراً بالصدمات الخارجية.
وأكد «السيد» أهمية جذب استثمارات جديدة فى قطاع البحث والاستكشاف، مع تحسين بيئة الاستثمار وتسوية مستحقات الشركات الأجنبية، بما يدعم زيادة الإنتاج المحلى من النفط والغاز، بالتوازى مع التوسع فى الطاقة النظيفة، لضمان تحقيق أمن طاقى مستدام خلال السنوات المقبلة.
«الطحاوى»: مصر نموذج رائد فى التحول نحو الطاقة الخضراء باعتبارها قضية أمن قومى
وقال الدكتور على عبدالحكيم الطحاوى، المتخصص فى الشئون السياسية والاقتصادية، إن العالم يواجه لحظة فارقة فى تاريخ الطاقة، حيث لم يعد التحول نحو المصادر المتجددة خياراً بيئياً أو خطة مؤجلة لمواجهة التغيرات المناخية، بل أصبح ضرورة أمنية قصوى واستراتيجية بقاء اقتصادى، فى ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية التى ألقت بظلالها على ممرات الطاقة العالمية مطلع عام 2026.
وأشار «الطحاوى» إلى أن تقارير الوكالة الدولية للطاقة كشفت عن تسجيل عام 2025 رقماً قياسياً فى حجم الاستثمارات العالمية بقطاع الطاقة، حيث بلغت نحو 3.3 تريليون دولار، استحوذت الطاقة النظيفة منها على نحو 2.2 تريليون دولار، فى مؤشر واضح على تحول جذرى فى فلسفة الاستثمار العالمى، خاصة مع تفوق الاستثمارات فى الطاقة المتجددة بنسبة 50% مقارنة بالإنفاق على النفط والغاز والفحم مجتمعة.
وأضاف أن الصين تتصدَّر هذا السباق العالمى، تليها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى، فى إطار سعيها لتعزيز استقلالها الطاقى عبر التوسع فى مشروعات الرياح البحرية والهيدروجين الأخضر، فيما ضخت الهند استثمارات سنوية تقارب 100 مليار دولار فى قطاع الطاقة المستدامة، مؤكداً أن التحدى لا يزال قائماً فى عدالة توزيع هذه الاستثمارات، خاصة فى أفريقيا وجنوب شرق آسيا.
وأوضح «الطحاوى» أن العالم لا يتجه إلى الطاقة المتجددة لحماية البيئة فقط، بل لأنها أصبحت الخيار الأرخص والأكثر أماناً، لافتاً إلى أن الطاقة الشمسية باتت الأقل تكلفة فى تاريخ إنتاج الكهرباء.
وبشأن مصر، شدَّد «الطحاوى» على أنها تبرز كنموذج رائد فى التحول نحو الطاقة الخضراء، فى ظل رؤية استراتيجية تتبناها القيادة السياسية، التى أولت هذا الملف أولوية باعتباره قضية أمن قومى.
وأوضح «الطحاوى» أن الدولة تستهدف رفع مساهمة الطاقة المتجددة فى مزيج الكهرباء إلى نحو 42% بحلول عام 2030، وهو ما يعكس توجهاً واضحاً لفك الارتباط تدريجياً بالوقود التقليدى، وتأمين مستقبل مستدام للطاقة.