محمود مرزوق يكتب: كيف سحر القرآن العالم؟
محمود مرزوق يكتب: كيف سحر القرآن العالم؟
حين يدرس عالِمٌ غربيٌّ القرآن الكريم بوصفه نصاً مقدساً حياً يستحق الدراسة والتأمل وليس نصاً يندرج ضمن قائمة النصوص ذات الطابع التاريخي وحسب، فإن النتيجة تكون حواراً حضارياً بين الشرق والغرب تتجلى من خلاله ثنائية النسبي والمقدس.
هذا ما قدمته الباحثة الألمانية أنجيليكا نويفيرت في كتابها «كيف سحر القرآن العالم؟»، الصادر بالألمانية عام 2017م والمترجم إلى العربية عام 2022م والمنشور عبر دار البحر الأحمر للنشر بالقاهرة، أمضت عقوداً من سني عمرها المديد أستاذة لكرسي الدراسات السامية والعربية في جامعة برلين الحرة، كما قامت بالتدريس في جامعات طهران والقدس وميونخ، فجمعت بين الغرب والشرق في تكوينها الفكري قبل أن تجمع بينهما في كتاباتها.
وقد أشرفت على مشروع «Corpus Coranicum» الرقمي الضخم الذي يوثّق أقدم مخطوطات القرآن، وأثبت أن ستين سورة على الأقل يعود نصّها إلى القرن السابع الميلادي ذاته، مما يجعل القرآن واحداً من أقدم النصوص الدينية التي يمكن التحقق من تاريخها بصورة علمية دقيقة.
وما يميّزها عن كثير من أقرانها أنها تُصرّ على أن يُدرَس القرآن بوصفه نصاً مقدساً حياً لا وثيقةً تاريخية تخضع لأدوات النقد التاريخي الجاف.
قد يستوقف القارئ عنوان الكتاب للوهلة الأولى، غير أن «نويفيرت» توظّف كلمة «السحر» توظيفاً مجازياً دقيقاً لا علاقة له بمعناها الحرفي؛ فهي تعني بها القدرة الفريدة للنص القرآني على نقل الإنسان من عالمه المألوف إلى فضاءات روحية وجمالية أرحب، وإحداث تحوّل عميق في وعيه ورؤيته للكون.
وترى أن هذا «السحر» مرّ بمرحلتين متمايزتين: ففي السور المكية الأولى أضفى القرآن أبعاداً مدهشة حين تحدث عن زوال السماوات والأرض وعلامات الساعة، وزعزع اليقين الوثني بأبدية الحاضر.
ثم تحوّل في مرحلة لاحقة إلى التأسيس، فبنى منظومة قيمية ودينية متكاملة تُشكّل الإنسان من الداخل وتصنع منه عضواً في جسد واحد تسوده المحبة والمساواة والإخاء لا جزءاً من قبيلة قوامها العصبية.
كما تكشف «نويفيرت» أن القرآن غيّر التصور الوثني للزمان ذاته، فحوّله من دائرة أبدية لا بداية لها ولا نهاية إلى خط ذا بداية وغاية رابطاً الخلق بالبعث، وهذا التحوّل في فلسفة الزمن كان ثورةً جذرية في وعي الإنسان العربي بوجوده.
كما تكشف عن علاقة القرآن بالشعر الجاهلي؛ فالشاعر الجاهلي لم يكن يفهم الحياة حين يفكّر في الموت، وكان الفخر بالنسب والقبيلة شاغله الوحيد، فجاء القرآن بأدوات هذا الشعر البلاغية ذاتها لكنه قلب قيمه رأساً على عقب، وجعل الفخر بالتقوى لا بالعرق أو اللون، وصنع للموت معنى حين ارتبط بالإيمان والشهادة.
وتنطلق «نويفيرت» من فرضية منهجية جريئة مفادها أن القرآن جزء من حوار حضاري متشعّب كان يجري في القرن السابع الميلادي بين تيارات فكرية ودينية متعددة، فشبه الجزيرة العربية كانت تعيش على تخوم حضارتين عظيمتين هما البيزنطية والساسانية.
وهي تقرأ السور القرآنية بوصفها حواراً رفيعاً مع الموروث الإبراهيمي كله، وقد نقل القرآن السجالات الدائرة آنذاك إلى بُعد أكثر عمقاً وتجريداً.
كما حقق الكتاب اهتماماً أكاديمياً واسعاً؛ فأشاد به الباحث محمود عماد في مركز تفسير للدراسات القرآنية مُثمّناً تحليله الأدبي للسور وفق مراحل نزولها، فيما أبدى كثير من القراء إعجابهم بجمعه بين العمق الأكاديمي والحس الأدبي المرهف.
غير أن بعض الدراسات النقدية أشارت إلى أن بعض استنتاجاته تعكس ميلاً إلى فرضيات استشراقية قديمة، وأن القارئ الواعي ينبغي أن يتعامل مع اجتهادات «نويفيرت» بوصفها آراءً قابلة للنقاش لا يقينات راسخة، ما يعني أن الكتاب يفتح نقاشاً معمقاً عن القرآن الكريم، وربما كانت الرسالة الأعمق فيه أن القرآن بما يحمل من طاقة بيانية وروحية وحضارية لا يحتاج إلى دفاع بل يحتاج إلى تأمل، وأن السؤال الحقيقي ليس: هل سحر القرآن العالم؟ بل: كيف يمكن لمن تأمّله ألّا يُسحر؟