محمود فوزي السيد يكتب: «الغناء الشعبي» ما قبل أحمد عدوية.. وما بعده
محمود فوزي السيد يكتب: «الغناء الشعبي» ما قبل أحمد عدوية.. وما بعده
بين الحين والآخر يطل علينا نجم الغناء الشعبى الراحل أحمد عدوية متصدراً «الترند» بإحدى أغنياته؛ هو صاحب الكم الأكبر فى إعادة غناء أغنياته التى مر على صدورها أكثر من خمسين عاماً ورغم ذلك ما زالت تتمتع بنفس حالة الوهج التى صاحبت صدورها منذ سنوات طويلة؛ يسعى معظم المطربين إلى التودد للجمهور بأغنيات عدوية التى ما زالت تخضع لتقييم جماهيرى وفنى حتى اليوم فى سابقة نادرة الحدوث؛ منذ أسابيع قليلة تصدر عدوية الترند كعادته عندما قدم الصوت المصرى الأصيل «دياب» أغنيته «والله ولعب الهوى» التى عُرفت مؤخراً بترند «هوم تيكا تيكا هوم» والتى اجتاحت منصات التواصل الاجتماعى، خاصة مع تصميم رقصة خاصة لها من قبل دياب؛ وما هى إلا ساعات قليلة وانتشرت آلاف الفيديوهات القصيرة التى يؤدى فيها الجمهور الأغنية والرقصة «الترند»؛ والأغنية التى حققت شهرتها بعد تقديمها فى فيلم «يا رب ولد» رغم طرحها فى ألبوم «زحمة» من كلمات الشاعر حسن أبوعتمان وألحان الموسيقار حسن أبوالسعود؛ ورغم أن الأغنية لم تحقق وقت طرحها نفس نجاح أغنية «زحمة يا دنيا زحمة» إلا أنها صعدت بقوة الصاروخ إلى المقدمة بعدما قدَّمها عدوية فى الفيلم الشهير «يا رب ولد»، وهو ما أحدث معها تفاعلاً كبيراً من الجمهور؛ إلا أن تقديم دياب لها من جديد وبموسيقى أكثر حداثة أعاد اكتشافها من جديد لأجيال ربما لم تتعرف بالشكل الصحيح على الإرث الموسيقى والتأثير الفنى الذى أحدثه أحمد عدوية «ملك الأغنية الشعبية» فى كتاب تاريخ الأغنية المصرية؛ وربما كان هؤلاء هم المستهدفين من كتابة هذه السطور، لعلنا نُحدث بينهم وبين عدوية جلسة تعارف متأخرة.
فى البداية يجب الإشارة إلى أننى أميل دائماً إلى القول: «الغناء الشعبى قبل أحمد عدوية شىء.. وبعده شىء تانى خالص»، حيث لم يكن ظهوره فى السبعينات من القرن الماضى مجرد إضافة صوت جديد إلى ساحة الغناء المصرية مثل غيره من الأصوات الجديدة، وإنما كان ظهوره أشبه بـ«الفاصلة» فى الحياة الغنائية؛ فهو لم يأتِ شبيهاً لأحد ممن سبقوه؛ ولم يخرج حتى من رحم نفس التجارب الغنائية؛ ولم يبدأ مشواره بالشكل التقليدى من خلال أثير الإذاعة المصرية؛ بالعكس جاء عدوية ليفرض أسلوبه وطريقته ومعهما حقه فى الغناء؛ أغلقت الإذاعة أبوابها فى وجهه فلجأ إلى البديل السحرى الذى بدأ يتخذ مكانته فى ساحة المنافسة ويغير من ميزان القوى فيها وهو «شريط الكاسيت»، هذا الاختراع الجديد الذى مكَّن عدوية من فرض أسلوبه الغنائى والذى كسر سطوة الإذاعة والمسارح الكبرى وقتها على تحديد من يملك الحق فى الغناء.
وبالمناسبة لم يُهاجَم أو يُنتقد مطرب فى تاريخ الأغنية المصرية الطويل مثلما هوجم عدوية؛ اتهامات بالابتذال لاحقته وتسببت فى رفضه من الإذاعة؛ مع نقد شديد بأن ما يقدمه يتسبب فى تدنى الذوق العام؛ كل هذا وعدوية يسير فى طريق ربما لم يقصد أو يخطط أن يصل به إلى قمة هرم الغناء الشعبى فى مصر؛ وربما كانت أحلامه وقتها أبسط مما تتخيل أن يحقق يوماً؛ لكن انفجاراً حدث فى الشارع المصرى وقت ظهور عدوية ربطه بعض المؤرخين وقتها ببحث الشعب المصرى عن مخرج من الحالة النفسية المسيطرة على الناس فى الشوارع بعد هزيمة 67؛ قال بعض المؤرخين إن عدوية فى بداية ظهوره كان أقرب لحالة الهروب من الواقع من كونه سبب «السلطنة»؛ فكان أحمد عدوية شبه أيامه وتجربته، شاب مصرى ذو خلفية شعبية بدأ رحلته بالغناء فى أفراح الشوارع التى شكلت الجزء الأكبر من ملامح مشروعه؛ فكانت فكرة التواصل المباشر مع الجمهور فى الشارع ومعرفة ما يحب والقدرة على «سلطنته» مع الحرص على اختيار «الإفيهات الغنائية» من وقت للآخر، كلها عوامل ساهمت فى مرحلة التكوين لأحمد عدوية؛ وهى المرحلة التى اكتملت مع انتشار شريط الكاسيت فى السبعينات.
هنا حدث التحول الأكبر والأهم على الإطلاق فى حياة عدوية الذى لم يعد فى حاجة إلى اعتراف رسمى بوجوده من أجل الوصول للجمهور؛ فانتشر صوته فى كل مكان فى مصر «فى البيوت؛ فى السيارات؛ فى المقاهى؛ فى الشوارع»، أينما وجهت أذنيك تسمع أحمد عدوية يغنى، ليتحول فى بضع سنوات إلى صوت الطبقة المتوسطة «وتحت المتوسطة».. فى هذا التوقيت بدأ صُناع السينما ينتبهون لوجود ظاهرة جديدة مسيطرة على الشارع اسمها أحمد عدوية، وبالتالى اتجهت الأنظار إليه من أجل الاستفادة من هذا الانفجار؛ فتوالت عليه العروض بالتمثيل، وبالفعل اشترك فى بطولة عدد من الأفلام؛ ورغم أنه كان يفتقر بشكل واضح لموهبة التمثيل إلا أن منتجى السينما كانوا يعرفون أنه الورقة الرابحة ويجب استغلاله بأى شكل؛ يحكى أنه فى منتصف الثمانينات بدأ عرض فيلم جديد من بطولة عدد من النجوم الكبار؛ ولم يحقق الفيلم النجاح المطلوب ولا الإيرادات المتوقعة من صُناعه؛ وكان لعدوية أغنية يقدمها فى أحداث العمل؛ فقرر المنتج تغيير أفيش الفيلم المعلق فى واجهة دور العرض ووضع صورة عدوية بشكل أكبر من كل أبطال العمل؛ والنتيجة إغلاق شارع عماد الدين بالكامل بسبب الزحام على السينما من الجمهور لمشاهدة عدوية فى الفيلم؛ تلك الواقعة توضح مدى تأثير أحمد عدوية على «مزاج» المصريين فى ذلك الوقت، وهو التأثير الذى امتد لسنوات طويلة قدَّم خلالها عدداً من الأغنيات التى تحولت مع الوقت إلى تعبيرات راسخة فى الذاكرة الغنائية المصرية مثل «زحمة يا دنيا زحمة» و«السح ادح امبو» و«كركشنجى دبح كبشه»؛ فهو ابن الطبقة الشعبية كما ذكرنا، وبالتالى كان يستخدم نفس مفردات الشارع، وهو ما جعله يرسخ لعلاقة ودية بينه وبين جمهور الشارع؛ فحالة الألفة بين عدوية والناس كان منبعها الرئيسى أنه يقدم بكلماتهم وليس بكلمات غريبة عنهم؛ يعبر عنهم بلا تعالٍ؛ يضعهم دائماً فى مقدمة أولوياته لأنه يعلم أنهم وحدهم أصحاب «صك النجاح» وليس أى جهة أخرى عن تجربة شخصية عاشها.
كان عدوية صوت الناس الذى يعتمدون عليه فى نقل تفاصيل حياتهم اليومية؛ فى التعبير عنهم، فلم تكن تجربته منفصلة عن السياق الاجتماعى الذى ظهرت فيه، وإنما متسقة معه إلى حد كبير؛ فمنح عدوية الطبقة المتوسطة وما تحت المتوسطة مكانة خاصة فى المشهد الغنائى المصرى بعد أن كانت مهمشة إلى حد بعيد؛ وهذا ما جعل من أحمد عدوية حالة متفردة فى كتاب تاريخ الأغنية المصرية، فهو لم يغير فى شكل الأغنية فقط، وإنما تسبب فى نقلة كبيرة لها وجعل من أغانى الطبقة الوسطى والمهمشين منافساً شرساً لما كان يُعرف بأغانى «النخبة».
