أشرف غريب يكتب: في ذكراه.. عبدالحليم حافظ ممثلا

كتب: محرر

أشرف غريب يكتب: في ذكراه.. عبدالحليم حافظ ممثلا

أشرف غريب يكتب: في ذكراه.. عبدالحليم حافظ ممثلا

أوشك عبدالحليم حافظ أن يُتم نصف قرن على رحيله، فبعد غد -الثلاثون من مارس- تمر الذكرى التاسعة والأربعون على غياب العندليب، هذا الرجل الذي استفاد كثيرا من كل الفرص التي أتيحت له حتى لو كانت قد عاندته في البدايات، نعم كانت البدايات صعبة وربما محبطة أيضاً لكن ابن الحلوات شرقية كان لديه الذكاء على التعامل مع الصعاب، والعزيمة على التحدي، واحدة من هذه الصعاب كانت وُلوجه إلى عالم السينما التي أصبحت بعد ذلك إحدى أهم أدواته للنفاذ إلى قلوب الجماهير، فقبل شهر مارس 1955 حينما طالع الجمهور وجه «عبدالحليم» للمرة الأولى على شاشة السينما بطلاً لفيلمي «لحن الوفاء» و«أيامنا الحلوة» لم يكن هذا الفتى الأسمر أكثر من مجرد مطرب يشق صوته طريقه بعناء نحو آذان المستمع العربي الذي كان لا يزال يقاوم الإرث الموسيقي التركي المتجذر في موسيقانا الشرقية رغم كل محاولات الرواد سيد درويش والقصبجي ومحمد عبدالوهاب.

كان «عبدالحليم» بالكاد قد فتح لنفسه طاقة صغيرة في هذا الجدار الصلب من خلال مجموعة أغنياته الأولى، لكنه لم يكن قد حقق شيئاً على شاشة السينما، كانت تجاربه منقوصة أو مبتورة لا تنبئ بأي مستقبل لهذا الشاب، ففي عام 1951 حينما قام المخرج أحمد كامل مرسي بدبلجة الفيلم العالمي «علاء الدين والمصباح السحري» استعان فقط بصوت «عبدالحليم» ليشارك بالغناء فيه، وهو الأمر الذي تكرر عام 1953 في فيلمي «بعد الوداع» إخراج أحمد ضياء الدين و«بائعة الخبز» إخراج حسن الإمام، بل إنه في أواخر عام 1954 حينما كان يُجري التجهيز لفيلم «فجر» رفض المخرج عاطف سالم الاستعانة بـ«عبدالحليم» صوتاً وصورة في هذا الفيلم ووافق فقط على أدائه لإحدى الأغنيات بالفيلم معللاً ذلك بعدم صلاحية «عبدالحليم» للظهور كممثل على شاشة السينما، وهو الرأي الذي شاركته فيه المنتجة ماري كوينى.

إذن فقد كان السينمائيون لا يرحبون بالعندليب ممثلاً على الشاشة حتى وإن آمنوا بموهبته في الغناء، فقط كان الموسيقار محمد عبدالوهاب الوحيد في ذلك الوقت المؤمن بقدرات «عبدالحليم» التمثيلية أو على الأقل باستطاعته اجتذاب الجماهير من خلال صوته، فقد أبرم عبدالوهاب مع عبدالحليم في أبريل 1952 عقد احتكار يمثل بموجبه فيلمين لصالح شركة أفلام عبدالوهاب، صحيح أن الموسيقار الكبير لم ينفذ وعده إلا بعد أن أصبح «حليم» نجماً معروفاً لكنه كان اعترافاً من خبير بأن هذا الشاب النحيل يصلح للظهور على الشاشة صوتاً وصورة، غير أنه بعد عرض فيلمي «لحن الوفاء، وأيامنا الحلوة» في مارس 1955 تغير كل شيء في حياة «عبدالحليم» بل لا أبالغ إذا قلت إن السينما المصرية نفسها قد شهدت كثيراً من التغير بفضل هذا النجاح الطاغي الذي حققه «حليم» والذي أصبح بعده فرس الرهان الأعظم الذي تتهافت عليه شركات الإنتاج، وأحد نجوم الشباك الخمسة الذين عرفتهم السينما المصرية على مدى تاريخها كله.

وبعيداً عن النجومية الكاسحة التي حققتها السينما للعندليب ماذا عن التغيير الذي أحدثه ظهور هذا الفتى النحيل على المزاج السينمائي العام؟ وهنا أستطيع أن أؤكد أنه حتى ظهور «عبدالحليم» على الشاشة لم تكن السينما المصرية تقبل أو تستسيغ أن يكون بطل الميلودراما رجلاً وإلا فماذا تفعل فاتن حمامة ومريم فخر الدين وشادية وماجدة؟ لم يحدث أن قدمت السينما المصرية قبل «عبدالحليم» بطلاً ميلودرامياً يدمن أبوه الخمر ويطلق أمه، فتتزوج بآخر يربيه بدلاً من أبيه، ثم يرتكب أخوه غير الشقيق جريمة يتم فيها اتهام أعز أصدقائه مثلما حدث لعبدالحليم في فيلم «أيام وليالي» سنة 1955، لم يحدث أن ظهر بطل ميلودرامي يفقد حبيبته ثم يقع في غرام شبيهة لها ويتزوجها، فيشعر بالتعاسة قبل أن يكتشف عدم وفاة حبيبته الأولى مثلما وقع لعبدالحليم في فيلم «دليلة» سنة 1956، لم يحدث قبله أن كان البطل الميلودرامي مصاباً بمرض خطير، فيخبره طبيبه المعالج الذي هو في الوقت ذاته خال حبيبته أنه لن يعيش طويلاً ثم تتحقق المعجزة، ويعود سالماً مثلما حدث له في فيلم «حكاية حب» سنة 1959، لم يحدث لغيره حتى ظهوره أن وُجد بطل ميلودرامي هو ابن سِفاح تُدخله أمه إلى بيت الزوجية على أنه لقيط من الملجأ، فيصبح طيلة حياته موصوماً بخطأ لم يرتكبه كما وقع للعندليب في فيلم «الخطايا» سنة 1962.

صحيح أن كل هذه الأحداث أو شبيهة لها وقعت بالفعل على شاشة السينما المصرية لكن كانت البطولة فيها لفتاة بائسة ظلمها القدر واستعصت عليها الأيام على طريقة فاتن حمامة ومريم فخر الدين وماجدة، أما البطل الرجل فكان دائماً المنقذ أو المخلِّص لتلك الفتاة من مآسيها ومصادفاتها القدرية، ومن ثم لم تستطع السينما المصرية تقبل أن يتبادل الطرفان دوريهما، ويصبح البطل الرجل في الموقف الأضعف حتى يستدر عطف الجمهور، لذلك كانت السينما المصرية بحاجة إلى بعض الوقت كي تعيد تأهيل خيالها لتقبل أن يكون البطل الميلودرامي رجلاً، وهذا ما فعله ظهور «عبدالحليم» وكرّس له في أفلامه فخلق تياراً كاملاً حتى مع أسماء أخرى مثل محرم فؤاد وفريد الأطرش في بعض الأحيان.

أما السينما الرومانسية التي كانت الأقرب إلى طبيعة «عبدالحليم» وتكوينه الجسدي، فلم تكن هي الأخرى قد حققت بعد نضجها الفني على يد المخرج عزالدين ذوالفقار تحديداً بداية بفيلم «إني راحلة» سنة 1955 عام ظهور عبدالحليم على الشاشة، فإذا بنجاح العندليب في سلسلة أفلامه الرومانسية المتتالية مثل «أيام وليالي، وموعد غرام، وبنات اليوم» يكرس لهذا التيار الرومانسي الذي أصبح حاضراً بقوة في سينما ما بعد منتصف الخمسينات بفضل وجود عبدالحليم حافظ.


مواضيع متعلقة