سامح فايز يكتب: وقود الجماعة الخفي
سامح فايز يكتب: وقود الجماعة الخفي
استمرار أي جماعة أو تنظيم -بل وحتى أى دولة- يعتمد في جوهره على عنصر الشباب بوصفه الوقود الحقيقي للحركة والاستمرار، وقد أدرك حسن البنا، منذ اللحظة الأولى لتأسيس جماعة الإخوان المسلمين عام 1928، أهمية هذا العنصر، فعمل على توجيه دعوته مبكراً نحو فئات الطلاب والشباب عبر أطر تنظيمية مخصصة، مثل فرق الكشافة، ولجان الطلبة، والأسر التربوية داخل المدارس والجامعات.
هذا التوجه لم يكن عفوياً، بل تأسس على منظومة متكاملة من «التربية التنظيمية» التى هدفت إلى إعادة تشكيل وعى المنضمين تدريجياً، من خلال برامج متدرجة تبدأ بالتعريف العام وتنتهى بالاندماج الكامل داخل البناء التنظيمى. وقد ارتكزت هذه المنظومة على مفاهيم مركزية، أبرزها مبدأ «السمع والطاعة»، والانضباط الهرمى، وتقديم الولاء التنظيمى على ما عداه.
غير أن هذه العملية أفرزت إشكالية شديدة التعقيد، لا تتعلق فقط بمن استمروا داخل التنظيم، بل بمن مرّوا بهذه المراحل التربوية ثم خرجوا منها أو تم استبعادهم، فخلال عقود من العمل التنظيمى، مرّ آلاف من الأطفال والناشئة والشباب عبر هذه البرامج، قبل أن ينتهى الأمر ببعضهم إلى البقاء فى دوائر التعاطف أو «المحبين»، أو الخروج الكامل من التنظيم لأسباب تنظيمية أو سلوكية لا تتوافق مع معايير العضوية الصارمة.
وقد بدا أثر هذه الظاهرة واضحاً خلال فترة حكم جماعة الإخوان فى مصر عام 2012، حيث ظهرت قواعد دعم جماهيرية واسعة فى الاستحقاقات الانتخابية، رغم أن التقديرات البحثية تشير إلى أن عدد الأعضاء التنظيميين الفعليين لم يكن يتجاوز عشرات الآلاف فى أفضل الأحوال.
وهو ما يفتح الباب أمام فهم دور «الدوائر الرمادية» -أى أولئك الذين تأثروا بالفكر دون انتماء تنظيمى مباشر- فى دعم الجماعة سياسياً واجتماعياً.
فى السابق، كان تأثير هؤلاء الأفراد يتراجع تدريجياً مع الزمن، نتيجة الاحتكاك المجتمعى وتعدد مصادر المعرفة، لكن مع التحول الرقمى وثورة تكنولوجيا المعلومات، دخلت هذه الظاهرة مرحلة أكثر تعقيداً وخطورة، فقد أصبحت منصات التواصل الاجتماعى بيئة خصبة لإعادة إنتاج الخطاب الإخوانى، ليس فقط عبر الأطر التقليدية، بل من خلال محتوى متجدد يتناسب مع لغة العصر وقضاياه.
وتبرز هنا منصات مثل تليجرام وديسكورد، التى تُستخدم فى تشكيل مجموعات مغلقة وشبه مغلقة، يتم من خلالها تقديم محتوى تعبوى وتربوى يستهدف الناشئة والشباب، بعيداً عن الرقابة المباشرة.
ويتميز هذا النمط من التواصل بقدرته على خلق شعور بالانتماء والخصوصية، ما يسهل تمرير الأفكار بشكل تدريجى وغير صدامى.
الخطورة هنا لا تكمن فقط فى اتساع قاعدة المتأثرين، بل فى طبيعة هذه الفئة نفسها: شباب لا ينتمون تنظيمياً، ولا يمكن تصنيفهم ضمن هيكل واضح، لكنهم يحملون - بدرجات متفاوتة - نفس المنطلقات الفكرية، ويدافعون عنها باعتبارها «رؤية صحيحة» أو «موقفاً أخلاقياً». وهو ما يجعل مواجهتهم أكثر تعقيداً، لأنهم لا يرون أنفسهم جزءاً من تنظيم، بل أصحاب رأى مستقل.
كما أن بعض هذه المجموعات بات يستخدم -بشكل مباشر أو غير مباشر- ضمن استراتيجيات أوسع للصراع السياسى والإعلامى، حيث يجرى توظيف حالة الغضب أو الاغتراب لدى بعض الشباب فى إنتاج خطاب معارض يتقاطع فى مضمونه مع خطاب الجماعة، حتى إن اختلف فى الشكل أو التسمية.
من هنا، فإننا لا نكون أمام مجرد تحدٍّ أمنى أو سياسى، بل أمام ما يمكن تسميته بـ«معركة وعى» ممتدة، تتطلب أدوات مختلفة تتجاوز المواجهة التقليدية، فالقضية لم تعد تقتصر على منع الانضمام إلى التنظيم، بل أصبحت مرتبطة بإعادة بناء الوعى النقدى لدى قطاعات واسعة من الشباب، وتقديم بدائل فكرية ومعرفية قادرة على ملء الفراغ الذى تستغله هذه الخطابات.
إن استعادة هؤلاء الشباب -أو على الأقل تحصينهم- لا يمكن أن تتم عبر الخطاب المباشر أو التلقينى، بل تحتاج إلى استراتيجيات تعليمية وثقافية وإعلامية طويلة المدى، تعيد الاعتبار لقيم التفكير النقدى، والتعددية، والانتماء الوطنى الواعى، فالمعركة الحقيقية لم تعد حول التنظيمات فقط، بل حول العقول التى قد تتبنى أفكارها دون أن تدرك ذلك.