عقدة الإخوان «كباري وميادين»
لا يوجد تفسير للعقدة، ولم يتصدَّ لها المحللون حتى الآن، ولم نقف على تفسير علمى أو اجتماعى أو نفسى للحالة التي تصيبهم كلما نما إلى علمهم أن مشروعاً على وشك الافتتاح في مصر. الحقيقة أن الحالة تصيبهم في كل المشروعات، لكنها تزيد إلى حدود غير محتملة حينما يكون المشروع كوبرى أو ميداناً بالتحديد، بما يستدعى البحث تاريخياً عن أصل الحكاية، ربما نجد التفسير ومن ثم العلاج.
حدث هذا كثيراً، مع تحولات منطقة مصر الجديدة ومدينة نصر واعتمادهما شبه الكلى على مجموعة جديدة من الكبارى، حملت أسماء رموز وشخصيات تثير حفيظة الإخوان، في البداية كان الاعتقاد أن أسماء المشير محمد حسين طنطاوى والمستشار هشام بركات والمستشار عبدالمجيد محمود وجيهان السادات والفريق محمد العصار واللواء عمر سليمان وغيرهم كثير من الراحلين المؤثرين في مواجهة الإخوان والقضاء عليهم يمكن أن تكون هي السبب في الحالة التي تصيبهم والحرب الشعواء التي يطلقونها والشائعات التي يصدرونها، لكن بدا أن الأمر أكبر من هذا، وأن مجرد افتتاح كوبرى أو الإعلان عن محور مرورى جديد حتى لو حمل اسم فنان أو شخصية عامة ليست سياسية يتسبب في الحالة المشار إليها.. حدث هذا قبل سنوات، لدرجة أنهم أسموا المرحلة بأنها «كبارى»، وشطح الخيال لدرجة اختراع حوادث ومواقف لا تحدث إلا في جزيرة البط لصاحبها ومالكها العم بطوط، ثم ترويجها باعتبارها حقائق، ورعايتها عبر صفحاتهم ومواقعهم لتصبح بالنسبة لخوارزميات السوشيال ميديا ومحركات البحث جزءاً من التاريخ أو بالأحرى النتائج الأولى في كل عمليات البحث.
لم يكن من السهل على المصريين اكتشاف الحيلة ولا اللعبة وقتها، كثيرون انخدعوا ووقعوا فريسة لما يروِّجه الإخوان، خاصة وأن السلوك المصرى الرسمى هو الرد على الشائعة رداً مقتضباً واضحاً، ثم الصمت عنها بتصوُّر أنها ستموت -أى الشائعة- بهذه الطريقة، في ظل أن الشائعة مردود عليها بالفعل من المواطنين، فكل من سلك هذه الطرق والكبارى الجديدة استشعر أهميتها، وكل من عاش على أرض مصر لمس السيولة المرورية التي آلت إليها الشوارع، فلم يُثِر الأمر حينها أكثر من ضيق الاعتياد، وصعوبة قراءة التحويلات الجديدة عبر تطبيق «GPS»، لكنه وبمجرد أن قرأها صارت الوصفة السحرية للوصول إلى أبعد مناطق مصر الجديدة خلال وقت الذروة في بضع دقائق.
خفتت النبرة بعض الوقت، وانصرف الإخوان إلى أجندتهم المعتادة، وانصرف المصريون أيضاً إلى التسلية بشائعاتهم، إما بالرد عليها أو ترديدها في سياقات ساخرة، ومع الإعلان عن تطوير ميدان السيدة عائشة وتحويله إلى محور مرورى جديد والاحتفاظ بالهوية التراثية للميدان وتحويله إلى مزار سياحى وبانوراما عرض مبهرة، انطلقت الأبواق الإخوانية مجدداً، اتهامات بهدم التاريخ والجرأة على المقابر والبيع لدول الخليج وتشويه الواقع والمستقبل، وهو الحديث الذى لا يحتاج إلى جهد نفى الشائعات، فكل من مرَّ بميدان السيدة عائشة يعلم أنه كان نموذجاً للعشوائية، وكل من سار على الكوبرى الذى تم إلغاؤه من مخطط الميدان يدرك أن القرار «كتب له عمر جديد»، وكل من قرأ وسمع تهليل الإخوان أدرك المعنى الحرفى للمثل الشعبى المهذب «مالقوش في الورد عيب».. لكن الحكومة أيضاً اجتهدت والتزمت دربها بالرد على الشائعة وتفنيد كل ما جاء فيها بصورة محترفة، ومع الرد كان العمل يتم على قدم وساق في الميدان، بحيث إذا قادت التجربة أحدهم للمرور فيه قبل افتتاحه رسمياً سينبهر ويتوقف لالتقاط صورة ستكون حينها أبلغ رد على ما يدَّعيه الإخوان ويروِّجونه مدفوعاً.
لماذا الكبارى والميادين تحديداً تلك التي تصيبهم بهذه اللوثة؟، هل يُذكرهم الكوبرى ببداياتهم، كونهم مجرد أداة أو حلقة وصل عبر كل مراحل التاريخ، أم تنغص عليهم الميادين عيشتهم كون أن نهايتهم الدرامية كانت في ميدانين شهدا كلاهما على كارثة سياسية وفشل إدارى لا بد أن يدرس في الجامعات، لأخذ العظة والعبرة وللتذكرة «حتى لا تخيب خيبتهم».. صحيح أنهم مارسوا الطريقة نفسها من تكثيف النشر والادعاء عبر وسائطهم المسموعة والمكتوبة والمرئية، لترسيخ رأى عام مغالط وكتابة تاريخ مزوَّر والسيطرة على نتائج البحث عبر المحركات، لكن الأداء المصرى الآن فطن اللعبة، وأصبح الرد والشرح والتوضيح يأخذ مسارات مختلفة ربما توازى ما يتم بثه، لمواجهة الأثر والإبقاء على الحقيقة واضحة لا تؤثر فيها خوارزميات البحث ولا المنشورات المدفوعة.
لكن يبدو أن الحالة تطورت بصورة أسرع مما نعتقد جميعاً، لم تقتصر على الكبارى والميادين، أصابت الإخوان حينما شاهدوا المونوريل وهو يسير في سماء مصر وتزدحم محطاته بالركاب شغفاً، إذ إن غالبية من استقلوه كان هدفهم التعرف عليه وزيارة العاصمة الإدارية الجديدة، وهو ما يبدو أنه تسبَّب في عودة الحالة بصورة أعنف.. تقول المصادر إن إخوانياً نشر وحده 200 شائعة في 15 دقيقة، ثم ضرب برأسه في حائط أسمنتى ضخم، وهو يصرخ بعلو صوته «يا مصر بتعمليها إزاى»، قبل أن يسقرار صريعاً ولسانه ينطق بالفشل «مفيش فايدة».