علي الفاتح يكتب: «30يونيو» ثورة وعي أطاحت بـ80 عاما من التدليس

كتب: محرر

علي الفاتح يكتب: «30يونيو» ثورة وعي أطاحت بـ80 عاما من التدليس

علي الفاتح يكتب: «30يونيو» ثورة وعي أطاحت بـ80 عاما من التدليس

تكمن عبقريتها في أنها لم تكن ثورة ضد محتل غاصب أو مستبد واضح ظلمه، وإنما ثورة في العقل المصري على بنيان فكري متكامل ظن أنه قد اختطف وجدان المصريين لمجرد ارتدائه عباءة الدين.

من حسن الحظ أن تنظيم الإخوان الإرهابي قد خيّب كل ظنوني عندما اعتلى كرسي الحكم في مصر، وهدم كل توقعاتي والمتشائمين مثلي حينما حول قدراته السياسية وخبراته العملية في إحكام قبضته على عقول العباد وشئون البلاد.

عندما أُعلنت نتيجة الانتخابات الرئاسية في عام 2012 لم أفكر سوى في تلك السنوات التي شهدنا فيها اختراق التنظيم الإرهابي لأغلب مؤسسات المجتمع، خلال ثمانينات وتسعينات القرن العشرين نجحت عناصر التنظيم في اختراق الحياة السياسية وبعض مؤسسات المجتمع المدني، وهو ما تجلى في دخوله تحالفات سياسية مع بعض الأحزاب لخوض المعارك في الانتخابات البرلمانية.

ورأينا كيف اخترقت عناصر التنظيم الإرهابي أهم وأعرق النقابات المهنية، ورغم أن السلطة السياسية حينها حظرت عمل التنظيم إلا أن الجماعة المحظورة ظلت حاضرة داخل المجالس النيابية ومؤسسات المجتمع المدني.

الأخطر من ذلك أنه تمكن من التسلل إلى قلب المجتمع المصري عبر المساجد والزوايا والجمعيات الخيرية والمستوصفات مستغلاً شيوع الفقر وحالة العوز، لا سيما في المناطق العشوائية.

كل تلك المنابر سواء في مجلس الشعب أو الحياة السياسية والحزبية أو النقابات تحولت إلى منصات لترويج خطاب الإسلام السياسي وأفكاره المتخلفة والمتطرفة بكل صوره وأشكاله، بما يناسب طبيعة كل مؤسسة.

في السياق، ظهرت الفضائيات لتخرج علينا ما عرفت حينها بظاهرة الدعاة الجدد، كانوا شباباً يحرصون على ارتداء الزي العصري بأحدث موضة، يستخدمون لغة شبابية تقترب من الطبقات الوسطى والعليا، لكن خطابهم كان هو ذاته جوهر الخطاب الملعون لتنظيم الإخوان الإرهابي.

أولئك الدعاة الجدد لم يكتفوا ببعض المحطات التليفزيونية الرسمية، التي وقعت في فخاخهم الشكلية، وانهالت على المصريين محطات دينية متخصصة، وكأن السماء لا تحوي سوى أقمار صناعية إسلامية بعضها يرتدي القميص المزركش، وبعضها يرتدي عباءة أزهرية، وأخرى ترتدي جلباباً وغطاء رأس بدائياً.

في تلك الحقبة تعرّض العقل المصري إلى هجمة مكثفة لا هدف لها سوى التلاعب بوعيه وإدراكه والقضاء على أي شعور وطني بداخله، خطاب الإسلام السياسي اعتمد على الجهل والفقر في جذب الأنصار والمؤيدين والمتعاطفين، والجهل هنا لا يعني أمية القراءة والكتابة لأنه في الواقع نجح في جذب الحاصلين على المؤهلات الجامعية ودرجات الماجستير والدكتوراه في مختلف العلوم، والشاهد على ذلك نجاحه في اختراق نقابات مثل المهندسين والأطباء والمحامين، كما أن أغلب قياداته كانوا من الحاصلين على أرفع الدرجات العلمية.

نشطت مساجدهم وزواياهم طوال عقود لمحاصرة عقول الشباب بأفكارهم وتصوراتهم ورؤاهم والموروث الثقافي الديني، الذي عفا عليه الزمن، وحرّموا كل مصادر الثقافة والمعرفة، التي تنمي الوعي، وتساعد على نشر التفكير العلمي والمنطقي والموضوعي.

لذلك كانت الثقافة بكل صورها بدءاً من الكتاب ومروراً بالموسيقى والأغنية وصولاً إلى السينما والمسرح العدو الأول للإسلام السياسي بكل عناوينه «إخواني، سلفي، تكفير وهجرة، أو داعشي».

في خطابهم السياسي المعارض لم تكن السياسات الاقتصادية والاجتماعية الخاطئة سبباً لتدهور أوضاع المصريين الاقتصادية، ولم يكن غياب التخطيط علة انتشار العشوائيات وتدني مستوى الخدمات العامة، وتدهور مختلف أشكال البنى التحتية.

كانت معارضتهم تقوم على شيء واحد هو أن غياب الدين سبب كل ما كان يعانيه المواطن المصري من صعوبات في حياته، من هنا جاء شعارهم الزائف «الإسلام هو الحل» عبر فضائياتهم الدينية، بدأوا يتعاملون مع الفتوى كسلعة، راحوا يروجون لها وفق خطة دعائية مُحكمة ونجحوا بالفعل في خلق طلب على هذه السلع، وبدأنا نرى ونسمع مصريين يطلبون الفتوى في أمور أتفه من التفاهة، والنتيجة طبعاً صدور فتاوى ما أنزل بها الله من سلطان، ولم ترد موضوعاتها على عقل مختل ولا أقول طفلاً صغيراً.

الإسلام السياسي جعل الدين موضوعاً للانتماء والهوية، لذلك يتحدث جنرالات الإرهاب في تنظيم الإخوان والسلفية وباقي التنظيمات الإسلاموية عن مشروعهم السياسي باعتباره مشروعاً توسعياً يتجاوز حدود الوطن يقوم بالأساس على فكرة الغزو وفرض الهيمنة على الجوار الضعيف لإحياء دولة الخلافة الإسلامية مجدداً.

ولا يتحدث جنرالات الإرهاب في تنظيم الإخوان عن مكانة مصر الحضارية ونفوذها الحيوي الممتد بحكم التاريخ والجغرافيا والعوامل الثقافية المؤثرة، وإنما كانوا يتحدثون عنها باعتبارها إمارة ضمن إمارات دولة الخلافة التي قد يقع مركزها في أي بقعة من العالم، وبحسب التعبير السلفي فإن مصر مجرد أرض من أرض الإسلام الكبرى.

عندما اعتلى الإخوان كرسي الحكم في مصر ظننت أنهم سيلعبون بورقة الاقتصاد، فأغلبهم تجار ويعرفون كيف يتلاعبون بالسوق، وحسبت أنهم سيعملون على خفض الأسعار، وجذب استثمارات أجنبية وضخ أموالهم في مشروعات توفر فرص عمل تنخفض بنسب البطالة ريثما يُرسّخون أوتادهم في مفاصل الدولة الحيوية.

اعتقدت أنهم سيبدأون في السيطرة تدريجياً على التعليم والثقافة والإعلام، حيث يمررون أفكارهم وتصوراتهم المتطرفة وكل القيم والمفاهيم المرتبطة بالقرون الوسطى، والتي ينتمون إليها فكرياً، بينما الناس فرحون بتحسن ولو نسبي في أوضاعهم الاقتصادية ولو لحين.

فإذا حاول مثقف أو سياسي أو كاتب فضحهم وكشفهم ونقد فكرهم هاجمه الناس قبل أن تحاصره أدوات القمع الإخوانية، من حُسن الحظ أنهم اعتقدوا أن بطونهم قادرة على ابتلاع دولة بحجم مصر مرة واحدة، فخرج عليهم المصريون في الثلاثين من يونيو بثورة وعي حقيقية هدمت كل مخططاتهم ومؤامراتهم على مدى 80 عاماً.

ومع ذلك ما زال خطاب الإسلام السياسي رائجاً في الفضاء العام، ولم يجد من يحاربه بأدوات النقد اللازمة، خاصة أنه يعتمد على الموروث القديم، وهو ما يفرض علينا خوض معركة تجديد الخطاب الديني وتغييره جذرياً بشجاعة وإقدام، ولعل أهم خطوة في هذا الطريق الطويل، هي العمل على الفصل التام بين الدين والسياسة، والتأكيد في خطابنا السياسي على أن الانتماء للوطن يعلو على العقيدة والمذهب.


مواضيع متعلقة