ناصر عبد الرحمن يكتب: «من هاجر إلى.. فى الشخصية المصرية» (2) كيميت

كتب: محرر

ناصر عبد الرحمن يكتب: «من هاجر إلى.. فى الشخصية المصرية» (2) كيميت

ناصر عبد الرحمن يكتب: «من هاجر إلى.. فى الشخصية المصرية» (2) كيميت

لكل بلد ملامح وصفات.. لون.. وطبع وصفة.. وكلها مستمدة من أسماء الله.. تجد بلاداً من تجلّى أسماء المنتقم والجبار.. وبلاداً من أسماء الكريم والمعطى والحليم.. وبلاداً من اسمه النور كالمدينة المنورة.

ومصر اسمها تجلّى من الرحمة والحفظ والرأفة والنفع والكرم، لذلك تجد من أسمائها القديمة «كيميت» وهى الأرض السوداء.. أرض الخير المثمرة ينتفع بها العالم.. فهى سلة غذاء العالم وهى منبع الكرم.. مهما كان حالها تستقبل كل وافد وكل مهاجر وتضمه إليها.. تعلّمه وترحب به وتعطيه منها حتى ينسى أنه جاء إليها من الغربة.. وينسى أنه جاء بلا مأوى ولا زاد ولا نسب.. ينسى أنه نُسب إليها.. ورغم ذلك تجد الكثير منهم بسبب الغيرة والحسد ينكر حضنها وكرمها ونسبها وينعتها بالمنكر كله.. بل يشكك فى نسبها.. أما ترون الأفارقة وما فعلوه فى مصر بعد استقبالها لهم ونسبتهم إليها يصرخون فى ادعاء وحسد وغيرة؟!

(ولأن كل صاحب نعمة مبتلى).. هكذا مصر مبتلاة بحضنها وأرضها الحاضنة وكرمها ورحمتها ورأفتها بكل مهاجر إليها.. مصر مبتلاة بنعمة حضورها، ولأن من معانى أسمائها «الحصن».. الحصن الذى يحتمى به كل غريب، وكل مطارد، وكل لاجئ، وكل محتاج إلى سكن.. وكأن العالم حولها يطلب ودها وينتظر ردها..

هى وسط الكون بساط كله زرع.. النيل قلبها ومهبط خيرها.. تسبح فى الأنوار.. تحيطها الجبال، ملامحها نموذج فى كل شىء.. تفاصيلها بين الجاذبية وعكسها.. يتحلق حولها الحامى ويحرسها الملاك، ويشير إليها وتجاهها كل من على رأسه تاج.. فهى جوهرة الكون التى بدونها لا ملك ولا تاج..

مصر محسودة منظورة.. لكن يمنع المكر عنها سلام وسر وقسم.. الأنبياء أنوار زادت أرضها نوراً.. والأولياء ورثة الأسرار أنبتوا فى أرضها ثمر الخير.. أسرارها لا تنتهى وعجائبها لا تنقضى.. من يُرِدها بشر يُصَب بالداء ولا دواء له، هى النقطة فى كل حرف.. وهى البسمة فى كل فم.. وهى المراد المستحيل.. يخطب ودها كل صاحب لسان.. ويُبتلَى بالعمى كل من ينظر لها بسوء وشر...

من بداية التفكير فى كتابة الجزء الثانى من كتاب (فى الشخصية المصرية).. كان عنوان الكتاب الجديد (من هاجر إلى؟!).. والهجرة إلى مصر ليست كلها إيجابية.. فالكثير ممن هاجروا إلى مصر كانوا طامعين وحاسدين وكانت السرقة والسلب نيتهم.

من هاجر إلى مصر؟!.. من أصحاب الأغراض، وأصحاب الممالك، وأصحاب البأس والقوة كُثُر.. تجد ملامحهم الحقد والحسد على (كيميت.. تامرى.. حوت كابتاح.. إيجيبتوس، إيجبت.. مصر.. المحروسة.. أم الدنيا)، ومصر التى ذُكرت فى القرآن: (اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ) البقرة، (أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا) يونس، (ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ) يوسف، (أَلَيْسَ لِى مُلْكُ مِصْرَ وَهَذهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِى مِن تَحْتِى أَفَلَا تُبْصِرُونَ) الزخرف، مصر التى شرّفها الله بنظرة.. وجعل أنبياءه فى أرضها ومن أرضها وإلى أرضها.. هاجر إليها الأنبياء (سيدنا إبراهيم).. وعاش فيها (سيدنا يوسف ويعقوب وموسى وهارون وعيسى).. وكان النبى إدريس فى مصر يبنى ويزرع ويعلّم، ومنها رُفِع.. معانى مصر أسرار ومعارف.. وذكرها أوراد وفتوحات.. مصر المدينة الحاضرة من أول الكون إلى آخره.. مصر هى المكان الذى تستقر فيه الناس.. وهى الأرض السوداء الخصبة..

هاجر إلى مصر الأنبياء بطاقة إيجابية وأنوار وأسرار.. ولعل فى الأوراق القادمة من كتابى (من هاجر إلى؟!) سوف أذكر بعضاً مما وصلنا من أسرار وأنوار أنبياء الله الذين هاجروا وعاشوا فى مصر.. كذلك هاجر إلى مصر من أحبها وعشقها وتعلم منها مثل فلاسفة اليونان والبطالمة وسوف نتعرف إليهم أيضاً.

هاجر إلى مصر.. أشراف وصحابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.. على رأسهم وفى مطلع أنوارهم رئيسة الديوان الشريفة الطاهرة ستنا زينب رضى الله عنها.. لعل الله يمن علىّ ببعض أنوار حروفهم وذكر مناقبهم فهم أنوار هاجرت إلى مصر.. ومن بعضهم التابعون والأولياء وكلهم أنوار تزيد أنوار الأرض الطاهرة بهجرتهم الطيبة.. وكلهم فى الحب ودائرة اللطف والأسرار..

أما من هاجر إلى مصر من أصحاب العداوات وأهل المكر والحسد والغيرة.. فلم يخلُ عصر من عصور مصر إلا وكانت هناك موجة عاتية من هؤلاء المغرضين المحملين بالطمع فيها.. تجد الهكسوس وهم من آسيا.. كانوا من الرعاة والبدو.. عاشوا كمهاجرين رُحّل استقروا فى أرضنا الحصن وعاشوا فيها متجمعين بعد تفرقهم وكأن من يدخل مصر يتجمع ويرتكز بعد غربة ونفور.. هذا التجمع فى حصن (بين شرق النيل وسيناء) عاش الهكسوس.. وكعادة المصريين الحصن والنسب إليهم سهل ومتاح والاستقرار فى أرضهم طيب وميسر.. استقوى الهكسوس بجمعهم بعد أن كانوا مشتتين فى أرجاء الأرض ليس لهم مكان ثابت.. تقوى شوكة الهكسوس وتظهر أنيابهم وتتعرق أبدانهم بالحقد والبغض والغيرة والطمع لتكون جدرانهم الأربعة هى المعاول التى قرروا أن يهدموا بها أسوار مصر ويحتلوا بلاد النيل فى فترة ضعف الدولة المصرية القديمة فى الفترة الانتقالية الثالثة حيث ساد الفساد وقويت شوكة الكهنة وتغلب شرهم على الحكم والبلاد..

لتكون هذه الفترة «1650ق.م» هى الفترة النموذجية ليحتل فيها الهكسوس مصر ويحكموا مصر وتصبح (أواريس) عاصمة لهم.. فجاء (ساليتيس، وخيان، وأبوفيس، وخامودى) وكان لهم الجيش المصرى بالمرصاد.. حاربهم جيش طيبة حتى كسر شوكتهم (سفن رع تاى.. كامس.. أحمس) الذى طرد الهكسوس من مصر.. عمر حكم الهكسوس واحتلالهم مصر فى شرق النيل لم يزد على مائة سنة.. مائة سنة فقط هى عمر الهكسوس فى حكم مصر.. من (1650 إلى 1550) ق.م.

كذلك المحتل الكوشى.. الكوشيون وصلوا إلى حكم مصر القديمة وقت ضعف وفساد وسيطرة من الكهنة.. هذا الضعف للدولة المصرية القديمة كان فى القرن الثامن بالأسرة التاسعة عشرة (الأسرة 19)..

وحكموا مصر من سنة (744 إلى 656) ق.م.. مائة سنة هى التى احتل فيها الكوشيون مصر القديمة بالحقد والغل والغيرة.. مائة سنة فقط هى عمر الكوشى فى مصر القديمة.. ورغم أنهم تعلموا من الحضارة المصرية البناء والكتابة والحضارة بعد العداوة والحمق والغل.. إلا أنهم ورثوا الحقد للآن، بمعنى أن الهكسوس بمصر القديمة فترة حكمهم (من 1650 إلى 1550) مائة عام.. وأن الحكم الكوشى لمصر القديمة كان (من 744 إلى 656) مائة عام.. أى إن مجموع حكم الاحتلال الهكسوسى والكوشى لمصر مائتا سنة فقط.. قرنان من الزمن من عمر الحضارة المصرية التى تتجاوز الآلاف من السنين.. أى إن مجموع حكمهم ربع الحكم العثمانى لمصر ومثل حكم الاحتلالين الإنجليزى والفرنسى وأقل من الحكم الرومانى واليونانى والبطلمى.. ورغم هذه السنوات التى لا تذكر ما زال حقدهم على مصر متوارثاً فى قلوبهم جيلاً بعد جيل..

ولعل حصوة فى قدم المصرى ألقى بها بعيداً عن طريقه ما زالت على حقدها وعلى قسوتها وعلى غيرتها من قدم الخير.. قدم مصر وحضارتها التى لن تتخلى عن كونها حضناً وحصناً فى آن واحد.


مواضيع متعلقة