أيوب نصر يكتب: خرائط التهديد وإعادة ترتيب الأولويات
أيوب نصر يكتب: خرائط التهديد وإعادة ترتيب الأولويات
منذ الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وما تلاها من تحولات إقليمية عاصفة، عاد السؤال القديم ليفرض نفسه بقوة على المجال العربي: من العدو الحقيقي؟
هل تُمثل إيران الخطر الأكبر على الأمن القومي العربي؟ أم أن إسرائيل ما زالت تحتفظ بموقعها باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأعمق؟ وأين يقف تنظيم الإخوان المسلمين داخل هذه المعادلة المعقّدة؟
الحقيقة أن السنوات الأخيرة دفعت المنطقة إلى مراجعة كثير من المسلمات السياسية التي سادت خلال العقد الماضي، خصوصاً بعد أن جرى تقديم إيران والإخوان باعتبارهما الخطر الأول على العالم العربي، بينما تراجع الحديث عن إسرائيل، باعتبارها العدو المركزي. غير أن تطورات ما بعد السابع من أكتوبر، ثم الحرب الإقليمية الواسعة التي تلتها، أعادت ترتيب الأسئلة والأولويات معاً.
ففي لحظات الاضطراب الكبرى، لا يكفي توصيف الخصوم وفق الانفعال السياسي أو الاستقطاب الإعلامي، بل يصبح من الضروري قياس طبيعة التهديد، وحدود تأثيره، وقدرته على إعادة تشكيل المنطقة ومستقبلها.
وفي هذا السياق، يبدو من المهم التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة من الخطر: خطر داخلي قابل للاحتواء، وخطر إقليمي يمكن ضبطه، وخطر استراتيجي وجودي يعيد تشكيل المنطقة بالكامل.
الإخوان المسلمون، رغم الصدامات العنيفة التي وقعت بينهم وبين عدد من الأنظمة العربية منذ عام 2011، لا يمكن النظر إليهم باعتبارهم كتلة واحدة متجانسة، كما لا يمكن تجاهل حقيقة أنهم جزء من البنية السياسية والاجتماعية العربية منذ عقود.
ففي دول مثل المغرب وقطر، جرى دمجهم داخل النظام السياسي بصورة أو بأخرى، بينما مرّت علاقتهم بدول أخرى بمراحل من التحالف والتوظيف السياسي قبل الانتقال إلى الصدام. وحتى في أكثر اللحظات توتراً، ظل التعامل معهم في كثير من الأحيان مرتبطاً بحسابات داخلية وإقليمية متغيّرة، لا باعتبارهم تهديداً وجودياً دائماً.
كما أن الإخوان -شئنا أم أبينا- يبقون نتاجاً عربياً خالصاً، تشكل داخل المجال السني العربي، وتفاعل مع أزماته وتحولاته السياسية والاجتماعية. ولذلك، ورغم الخلافات الحادة معهم، فإن خطرهم يبقى في إطار الصراع السياسي الداخلي القابل للاحتواء والمعالجة، وليس في إطار مشروع خارجي يستهدف إعادة تشكيل المنطقة وهويتها الاستراتيجية.
أما إيران، فهي تُمثل حالة أكثر تعقيداً. فهي دولة إقليمية كبرى تمتلك مشروع نفوذ واضحاً، وتسعى لتوسيع حضورها السياسي والأمني داخل المجال العربي عبر أدوات متعدّدة، من بينها الشبكات العقائدية والميليشيات المسلحة والتحالفات العابرة للدول.
لكن، ورغم خطورة المشروع الإيراني، فإن التعامل معه يظل مختلفاً عن التعامل مع إسرائيل. فإيران، في النهاية، جزء من الجغرافيا السياسية للمنطقة، ولا تستطيع الانفصال الكامل عنها، كما أن قدرتها على التمدّد مرتبطة أساساً بحجم الفراغ العربي القائم.
لقد تمدّدت إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن، مستفيدة من انهيار الدولة الوطنية أو تراجع الدور العربي، لا باعتبارها قوة قادرة وحدها على فرض الهيمنة الكاملة. كما أن التجربة الأخيرة أظهرت حدود القوة الإيرانية، خصوصاً بعد الضربات التي تعرّض لها نفوذها الإقليمي خلال السنوات الأخيرة.
إضافة إلى ذلك، فإن إيران لا تمتلك الغطاء الغربي الكامل الذي تتمتّع به إسرائيل، بل تخضع بدورها لحسابات القوى الكبرى وتوازناتها. فروسيا والصين، رغم شراكتهما مع طهران، تتعاملان معها من منظور المصالح، وليس باعتبارها حليفاً استراتيجياً مطلقاً.
لكن الخطر الإسرائيلي يبدو مختلفاً في طبيعته وحدوده وأهدافه.
إسرائيل ليست مجرد دولة تخوض صراعاً سياسياً أو تنافساً إقليمياً عادياً، بل مشروع استراتيجي تأسس منذ البداية على إعادة تشكيل المنطقة العربية وإبقائها في حالة تفكك دائم.
ومنذ نشأتها، لم تتوقف إسرائيل عن لعب دور «الوظيفة الاستراتيجية» للقوى الغربية داخل الشرق الأوسط، سواء في إدارة الصراعات، أو منع تشكل قوة عربية متماسكة، أو تكريس التبعية الأمنية والعسكرية والاقتصادية للمنطقة.
وإذا كانت إيران تسعى لتوسيع نفوذها داخل الإقليم، فإن إسرائيل تعمل على إعادة هندسة الإقليم نفسه.
وهنا تبرز أهمية العودة إلى التصورات التي طرحها شمعون بيريز في كتابه الشهير «الشرق الأوسط الجديد»، حيث دعا مبكراً إلى إنشاء منظومة إقليمية تقودها إسرائيل اقتصادياً وأمنياً، عبر دمج المنطقة في سوق مشتركة وترتيبات دفاعية تجعل تل أبيب مركز الثقل السياسي والعسكري في الشرق الأوسط.
ما يجري اليوم في المنطقة يعكس جانباً كبيراً من هذه الرؤية، فإسرائيل تسعى لتقديم نفسها باعتبارها الضامن الأمني للعرب في مواجهة إيران، تماماً كما لعبت الولايات المتحدة دور الحامي الأوروبي في مواجهة الاتحاد السوفيتي.
وفي المقابل، يتم الدفع نحو ترتيبات إقليمية تجعل الأمن العربي معتمداً على إسرائيل، بينما تتحول الاقتصادات العربية إلى مجال مفتوح للتطبيع والتبعية التكنولوجية والأمنية.
وهنا يكمن جوهر الخطر الحقيقي.
التهديد الإيراني، مهما بلغ حجمه، يبقى تهديداً يمكن احتواؤه داخل معادلات التوازن الإقليمي، أما إسرائيل فتُمثل مشروعاً طويل المدى لإعادة صياغة المنطقة سياسياً واقتصادياً وأمنياً، بما يضمن تفوقها الدائم وهيمنتها الاستراتيجية.
ولهذا, فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه المنطقة العربية ليس مجرد الصدام العسكري، بل التحول التدريجي إلى فضاء تابع أمنياً واقتصادياً لإسرائيل تحت شعارات السلام والاستقرار والازدهار. ومن هنا، فإن إعادة طرح سؤال: «من هو الأخطر؟» بعد سنوات طويلة من التركيز على إيران والإخوان، يعكس في جوهره إدراكاً عربياً متزايداً بأن إسرائيل لا تزال التهديد الاستراتيجي الأعمق والأكثر قدرة على إعادة تشكيل المنطقة وموازين القوة فيها. وقد تختلف التقديرات حول حجم المخاطر القادمة من إيران أو من تيارات الإسلام السياسي، لكن يبقى الثابت أن إسرائيل هي المشروع الوحيد الذي يقوم وجوده واستمراره على إبقاء العالم العربي ضعيفاً ومفكّكاً وعاجزاً عن إنتاج توازن إقليمي مستقل.
باحث في الشأن الأوراسي والفكر الجيوسياسي - المغرب