محمود مرزوق يكتب: اللغة المصرية القديمة في مدارسنا!
محمود مرزوق يكتب: اللغة المصرية القديمة في مدارسنا!
وسط الزخم المتصاعد للذكاء الصناعى والمهارات الرقمية التى يتسابق العالم لاحتكارها، يحقّ لنا أن نتوقف ونتساءل: لماذا لا تكون اللغة المصرية القديمة جزءاً من هذا السباق؟ لماذا لا ندرّس أبناءنا -فى مراحل التعليم قبل الجامعى- لغةَ أجدادهم الذين أبدعوا فى الكتابة قبل آلاف السنين، بينما لا يعرف كثير من أطفالنا اليوم كيف يقرأون اسم «رمسيس» منقوشاً على جدران معبد أو مقبرة؟
- تستحق الفكرة تأملاً جاداً، وتجد لها سنداً فى تجارب دول أخرى اختارت أن تُعيد إرثها الحضارى إلى قلب منظومتها التعليمية، اللغة كما يقول علماء اللسانيات، ليست مجرد وسيلة للتواصل فحسب، بل هى وعاء الفكر، وأداة رؤية العالم.
فحين يتعلم الطفل كلمة جديدة تنفتح له نافذة على عالم كامل من المفاهيم والمشاعر والروابط الثقافية.
فكيف يكون الأمر حين تكون تلك اللغة لغة أجداده؟ تلك اللغة التى كانت شاهداً على أفكار عظيمة نُقشت على الحجر فتحدّت الزمن، كانت وعاءً لفلسفة وعلم وقيم ومثل عليا، لا بد أن يتعرف الطفل المصرى على هذا الإرث من لغته الأصلية، فى عالم تسود فيه سياسات الاستيلاء الثقافى وحروب مسخ الهوية وتجريد الدول من مقوماتها الثقافية ومقدراتها التراثية.
لسنا وحدنا فى هذا الطريق.
ثمة أمم سبقتنا إلى إدراك أن التراث اللغوى والثقافى مادة تعليمية شيقة، تُدرّس المدارس اليابانية نظام الكتابة الكلاسيكى «بُنغو» كجزء من منهج اللغة الوطنية، ويتعلم الطلاب قراءة نصوص من العصور الوسطى تعود إلى أكثر من ألف سنة، وتعتمد اليونان تدريس اليونانية القديمة فى المرحلة الثانوية جسراً بين الطالب وإرثه الفلسفى الممتد من أفلاطون وأرسطو.
وتُلزم أيرلندا طلابها بتعلّم اللغة الغيلية طوال مراحل الدراسة، رغم أن المتحدثين بها لا يتجاوزون ثلاثة بالمائة من السكان، لأن اللغة هويّة وحفاظ الأمة على لغتها القديمة حفاظ على هويتها.
وفى الهند، تُدرَّج السنسكريتية -وهى لغة ميتة عمرها آلاف السنين- ضمن المناهج الرسمية فى كثير من الولايات، تحت شعار أن الحضارة لا تُورَث بالتمنّى بل بالتعلّم.
أما لغتنا المصرية القديمة فهى تُنمّى قدرات التحليل البصرى والتفكير الرمزى والربط بين الأنماط، وهى مهارات جوهرية فى عصر الذكاء الاصطناعى وعلوم البيانات، فضلاً عن أن مصر تمتلك إرثاً حضارياً كبيراً يحتاج إلى أجيال قادرة على التواصل مع هذا الإرث بعمق وأصالة.
إن إعادة إدخال اللغة المصرية القديمة إلى المدارس، حتى لو بشكل جزئى ورمزى فى البداية، تنطوى على رسائل تربوية بالغة الأثر: أن ثمة قيماً معرفية وجمالية وروحية تستحق أن تُنقل للأجيال بصرف النظر عن عائدها المادى المباشر.
وأن الاعتزاز بالذات يبدأ من المعرفة الحقيقية لا من تكرار عبارات الفخر.
فالطفل الذى يستطيع أن يكتب اسمه بالهيروغليفية، ويعرف أن أجداده أبدعوا هذا النظام الكتابى قبل خمسة آلاف سنة، سيقف أمام جدران المعابد بوعى مختلف تماماً - لا بوصفه سائحاً، بل حفيداً حقيقياً لمن رفع تلك الأعمدة.
آن الأوان أن نكفّ عن التعامل مع تراثنا باعتباره ديكوراً احتفالياً.
ما نملكه من كنوز لغوية وحضارية يمكن أن يكون جزءاً أصيلاً من تعليم متكامل، ينمى الذاكرة ويصوغ الشخصية ويمنح الطالب المصرى انتماءً راسخاً لحضارته العريقة.
فهل نحن مستعدون لفتح هذا الباب؟ الباب الذى يربط الحاضر بالماضى العريق، ويمنح أبناءنا مفاتيح لغة خُطّت بها أولى كلمات الحضارة الإنسانية؟