أين ستنتهي رحلة التعليم؟
أثير -مؤخراً- موضوع عمال الديليفري في مصر، وأهمية تكوين نقابة لهم تدافع عنهم وتحمي حقوقهم، وأشار البعض إلى أن عددهم يتراوح ما بين 6 - 8 ملايين، ولست أجد في هذا الرقم نوعاً من المبالغة، إذ يكفي أن تدقق النظر في أي شارع من شوارع مصر وتحسب عدد الموتوسيكلات التي يقودها عمال الديليفري «الطيارون كما يطلقون على أنفسهم»، لتعرف أننا أمام ظاهرة متضخمة وتستحق الدراسة والتحليل. ويكفي لكي تتأكد من ذلك أن تقارن بين عدد عمال الديليفري في الولايات المتحدة (من 1.5 مليون إلى 3.5 مليون) والتي يبلغ عدد سكانها (349 مليون نسمة) وعددهم في مصر التي يبلغ عدد سكانها (حوالي 110 ملايين نسمة).
أضف إلى هذه الأعداد الكبيرة من عمال الديليفري عشرات الآلاف من الشباب الذين يعملون في خدمات التعهيد والكول سنتر، ومئات الألوف الذين يعملون في شركات نقل البشر من مكان إلى مكان، وستعرف من مجموع هذه الملايين من البشر الكثير عن أحوال التعليم والعمل في مصر، فالكثير من العاملين في هذه القطاعات من حملة الشهادات العليا والمتوسطة، الذين لا يوجد طلب عليهم في تخصصاتهم، فاضطروا إلى العمل في هذه المجالات، ولنا أن نسأل ما المهارات المطلوبة للعمل في أي من هذه المجالات، غير مهارة اللغة وحفظ كلمتين في مجال الكول سنتر، وإجادة ركوب الموتوسيكل أو الإسكوتر في الديليفري، ومهارة قيادة سيارة في شركات نقل البشر. إنها مهن لا تستلزم في أغلبها شهادة أو حتى توافر منظومة مهارات كبيرة، بل تمثل مجرد مساحات يتحرك فيها مَن لا يجدون وظائف في تخصصاتهم، أو مَن يئسوا من قيمة الشهادة.
الشغلانات الأكثر كثافة في مصر حالياً لم تعد تتطلب «تعليماً» أو «شهادات»، إنها في مجملها وظائف خدمية بسيطة، ولو أنك أضفت إلى ذلك التحولات التي تحدث في مجال الذكاء الاصطناعي وبرامجه، والتي أصبحت تتولى العديد من المهام نيابة عن الإنسان، وتقوم بأدوار وظيفية مهمة في أعقد مجالات العمل، فسوف تجد أن بعض التخصصات التعليمية المهمة قد تتراجع قيمتها خلال سنوات معدودة، وسيكفي جداً إجادة تشغيل أحد برامج الذكاء الصناعي لأداء مهمة معينة، مثل تصميم منزل، أو إجراء عملية جراحية، أو علاج الأسنان، أو إجراء بحث، أو تكوين صورة، أو صناعة فيديو، أو غير ذلك. احسب التكلفة البسيطة التي سيتحملها الفرد ليتدرب على أحد برامج الذكاء الاصطناعي، قياساً إلى التكلفة العالية التي سيدفعها نظير التعليم بإحدى الجامعات أو البرامج الدراسية المدفوعة؟
لا أحد يعلم على وجه التحديد أين ستنتهى رحلة التعليم داخل المجتمعات التي أهملت الطلب عليه طيلة العقود الماضية، ولم تستطع أن تسهم بدور محسوس في تكنولوجيا الحياة في العصر الذي نحياه، وكان الطلب الأكبر فيها على الدجل والفهلوة، والتهليب والسمسرة، والبحث عن أي جنيه دون السؤال عن الوسيلة.