عندما تهاجمنا الأفراح بشدة
ماذا لو اتخذنا من الفرح منهجاً للحياة، ومن الأمل مكاناً للغد، ومن الحب طريقاً، تفتح جميعها أمامنا كل الأبواب المؤصدة، وتجلى القلوب بها، وتلتمع العيون معها، وتزداد جمالاً وجدانياً ينطبع على قسماتنا، فقد شاهدنا جميعاً أجمل منهج اعتمدنا عليه في مباراة كأس العالم التي فُزنا فيها فتوحّدت قلوب المصريين أطفالاً وشباباً وشيوخاً من الجنسين، وارتفعت الهتافات، وتمايل الجميع بنشوة الفرح فقد توحّدت القلوب، كلها على الفرح وحب الوطن والانتماء.
وعادة ما تأخذنا الحياة في دوامة نغرق داخلها بإرادتنا، فتدور بنا بسرعة تزداد كل ثانية ونفشل في الخروج منها مهما حاولنا، فكل منا له حياة خاصة وأحداث ومناسبات وعائلة وأصدقاء وأعمال ومحطات يقف فيها أثناء حياته العملية وأثناء بناء مشروعه الكبير لتكوين أسرة وأبناء وأحفاد. إلا أنه رغم هذه المشاغل والضوضاء والموسيقات والأغاني والرقصات وأحياناً أصوات بكاء وألم وأنين ونجاحات للأبناء، والتي نغلق عليها خوفاً من الحسد، فإن هناك أوقاتاً تُخفي كل هذه المشاغل وتؤجل المناسبات لشيء آخر أهم وأقوى، ألا وهو الأفراح والآلام الجماعية. وإذا أردت أن تعرف ما هي، فعليك أن تتنقل بين صفحات التاريخ المصري الحديث والقديم لتقرأ وترى كيف يتوحّد المصريون في لحظات نادرة، وكيف تسجل بحروف من نور وبأشعار وقصائد وأغانٍ ورقصات وأفلام تسجيلية وأخرى سينمائية ولا يستطيع أحد أن يمحوها أو يخفيها أو حتى يزور في حقائق تضمها.
وأقرب الصور وأوضحها هي هذه التظاهرات التي تعقب مباريات كرة القدم، سواء في العالم العربي أو الغربي على حدٍّ سواء، ما هي إلا تظاهرات فرح تجوب الشوارع إعلاناً بالفوز، وهو ما يُعرف في الفلسفة بـ«الفرح الجماعي المنساب»، أي المستمر دونما توقف ولا يكترث بقوانين المرور ولا حلول الليل، وهذه النوعية من الفرح الجماعي هي المرادف العكسي للإحباطات الجماعية حول العالم بسبب العديد والعديد من الانكسارات.
وهذه النوعية من الفرح تعرف كذلك بالفرح الذي يجدّد نفسه، بمعنى أنه كامن تحت عباءة الحزن، وفجأة ينفجر ويتجدّد، وهو نوع من الفرح الهستيري حسبما يطلق عليه علماء النفس والسلوكيات، وهو فرح غابت عنه «ثقافة الفرح»، وترك للعشوائية في المشاعر الإنسانية.
الحب بكل معانيه الواسعة، ومنها الحب الرومانسي، معها جميعها تنتاب الإنسان حالة من الفرح الدائم المرتقب، وكأن الإنسان يتمسّك به حتى لا يفقد حالته المزاجية الخاصة، وهذه النوعية من الحب، يظل الفرح مواكباً لها ومعها، ويُعرف باسم «الفرح الدائم»، لا يهجر الإنسان إلا إذا زالت أسباب الفرح، مثل انتهاء قصة الحب، سواء الرومانسي أو الحب بأوسع معانيه، مثل غياب الإنسان عن وطنه الذي يستشعر حبه دائماً حتى في البعاد.
ويمكن القول إن الدعوة للفرح ليست دعوة مطلقة أفلاطونية المعنى، وإنما هي تعبير عن منهج حياة متعدّد الجوانب، الجانب الأكبر منه لا بد أن يكون مفرحاً هادئاً متفائلاً، لأن هذه القيم جميعها كما قال الشاعر العظيم صلاح جاهين ما هي إلا منظومة لحياة الإنسان وتوازناته المختلفة، وهي التي تُشكل المجمل من ردود فعله تجاه الآخر، فالإبداع بدايته تفاؤل ونهايته فرح.
مبحث الفرح واستشعاره من أكثر المباحث الإنسانية التي اهتم بها الكثير من الفلاسفة والكتاب، تقول هيلين كيلر: للفرح أهمية كبيرة في حياة كل منا، ولكن الفرح وحده لا يصنع الإنسان الذي لا بد أن يقطع مشواراً طويلاً في التعليم والشجاعة والثقافة، فالفرح جزء من مسيرة الإنسان وليست كلها. أما جون روكفلر فيعتقد أنه لا يمكن الاستمتاع بالحياة دونما فرح.
أما الشاعر جون كتيس فيقول بمزيد من التفاؤل: منظومة الجمال ترتكز على مشاعر الفرح الدائم. أما جبران خليل جبران فيعتقد أننا نختار أفراحنا وآلامنا قبل أن نعايشها.
فهل ستتوحد أفراحنا وتتغلب على أي أحزان، لنعيش قصة فرح كبيرة وسط هذا العالم الذي يغلي من الصراعات والحروب؟