يوسف زيدان ينفي قصة «أبرهة والفيل».. ودار الإفتاء ترد بالحقائق التاريخية
يوسف زيدان ينفي قصة «أبرهة والفيل».. ودار الإفتاء ترد بالحقائق التاريخية
كتب- أحمد محيي
أثارت تصريحات الكاتب والروائي الدكتور يوسف زيدان، حالة من الجدل الواسع في الشارع العربي، وذلك بعد نفيه القاطع لقصة محاولة أبرهة الحبشي هدم الكعبة بواسطة الفيلة، ووصفه للرواية السائدة بأنها مجرد اعتقاد شعبي ساذج، تزامنا مع حديثه عن تعرض الكعبة للهدم في محطات تاريخية مختلفة، وهو ما دفع دار الإفتاء للرد وتفنيد هذه الأطروحات ومناقشتها من منظور علمي وتاريخي وأثري موثق.
رواية مأخوذة من الأسفار اليهودية
وأكد يوسف زيدان في لقاء تليفزيوني، أن الرواية السائدة حول محاولة أبرهة الحبشي هدم الكعبة قبل الإسلام باستخدام الفيلة لم تحدث تاريخيا، مشيرا إلى أن هذه الأفكار البسيطة تناسب العوام وتمنحهم الراحة النفسية لكنها تفتقر إلى الحقائق التاريخية، لافتا أن أصل القصة يعود إلى سفر من أسفار «الأبوكريفا» اليهودية التي تتناول حرب المكابيين مع السلوقيين، وأن السلوقيين هم من استعملوا الفيلة في تلك الحرب وليس أبرهة.
وأشار زيدان إلى أن أبرهة كان قديسا في الكنيسة الحبشية هو وشقيقه، مضيفا أنه من غير المنطقي جغرافيا وتاريخيا أن يقطع أبرهة كل هذه المسافات الطويلة والسير لشهور وسط الرمال والصحراء من أجل هدم بناء بسيط، مؤكدا أن الكعبة كانت تتعرض للهدم باستمرار في ذلك الوقت.
وتابع أن الإسلام جاء وعظم مكان الكعبة لتكتسب قداسة بعد ذلك، مستشهدا بأحداث تاريخية لم تقدح في هذه القداسة عند المسلمين مثل مقتل الصحابي الزبير بن العوام، وما فعله الحجاج بن يوسف الثقفي وضربه للكعبة بالمنجنيق، وصولا إلى حادثة جهيمان عام 1979، موضحا أن الآيات القرآنية التي تتحدث عن أمن البيت الحرام ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: 125] - تمثل أحكاما خلقية وقيمية وليست أحكاما فعلية أو تاريخية.
دار الإفتاء ترد على قصة أبرهة
وفي المقابل، قال الدكتور هشام ربيع، أمين الفتوى ومدير إدارة الفروع الفقهية بدار الإفتاء المصرية، في تصريحات لـ«الوطن»، أن الادعاء بأن قصة أصحاب الفيل وأبرهة الحبشي لم تحدث تاريخيا وأنها مجرد أسطورة مقتبسة من أسفار يهودية، هو ادعاء يفتقر تماما إلى المنهجية العلمية، ويصطدم بحقائق التاريخ والآثار والمنطق والنصوص المقارنة.
وجاء رد هشام ربيع، بتفكيك تلك الإدعاءات إلى 4 محاور، موضحا أن المحور المنطقي والتاريخي يثبت أن الآية المكية ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ نزلت بعد الحادثة بحوالي 40 إلى 50 عاما فقط، ما يعني أن كبار السن في مكة وقتها كانوا شهود عيان عاصروا الحدث أو سمعوه من آبائهم، لافتا إلى أن قريش وهي أشد المعارضين للنبي صمتت إقرارا بالقصة ولم تسخر منها، فضلا عن اتخاذ العرب من عام الفيل بداية لتقويمهم وتأريخهم، والأمم لا تؤرخ أحداثها الكبرى بأساطير.
وفي المحور الأثري، ذكر أمين الفتوى أن وجود أبرهة وحملاته العسكرية حقيقة أثرية لا تقبل الشك، مستشهدا بنقش «مريغان» المكتشف في جنوب الجزيرة العربية والذي يعود لعام 552 ميلاديا ويتحدث عن حملة عسكرية كبرى قادها ملك سبأ ضد قبائل معد، بالإضافة إلى كتابات المؤرخ البيزنطي المعاصر بروكوبيوس القيسراني الذي وثق سيطرة الأحباش على اليمن وتولي أبرهة الحكم هناك.
الحديث عن الاقتباس من الأسفار اليهودية متناقض
وأضاف أن دعوى الاقتباس من الأسفار اليهودية تحمل تناقضا منطقيا صارخا، إذ لم تكن لليهود مصلحة في اختلاق قصة تمجد حماية الله للكعبة التي كانوا ينظرون إليها آنذاك كبيت وثني، مؤكدا أن القصة قرآنية عربية خالصة تؤكد عناية الله ببيته تمهيدا للبعثة النبوية.
واختتم مدير الفروع الفقهية تصريحاته، بالتشديد على أن قصة أصحاب الفيل حقيقة تاريخية متواترة ومثبتة بالنقوش والمصادر المعاصرة، معتبرا الزعم باقتباسها من أسفار يهودية ادعاء مرسلا لا يسنده أي نص توراتي أو تلمودي، وينم عن جهل واضح بالسياق التاريخي والجغرافي.