كريم إمام يكتب: «بين ذاكرة الإنقاذ ومسئولية البناء»

كتب: محرر

كريم إمام يكتب: «بين ذاكرة الإنقاذ ومسئولية البناء»

كريم إمام يكتب: «بين ذاكرة الإنقاذ ومسئولية البناء»

للأمم لحظات لا تشبه ما قبلها ولا ما بعدها، تكشف فيها الشعوب عن وعيها العميق بذاتها وعن غريزتها الحضارية فى الدفاع عن وجودها، كانت الثلاثون من يونيو إحدى تلك اللحظات النادرة التى تتدخل فيها الأمة بنفسها لتعيد الإمساك بعجلة التاريخ قبل أن تنحرف عن مسارها، حاملةً إرادة شعبية جارفة للحفاظ على هوية الدولة وإنقاذ مؤسساتها من خطر الانقسام والفوضى. واليوم، بعد ثلاثة عشر عاماً، يقف جيل يونيو أمام محطة للتأمل فيما تحقق، وما ينتظره من تحديات وطموحات.

نزل ملايين المصريين إلى الشوارع والميادين لأنهم رأوا الدولة تواجه خطراً حقيقياً يهدد وجودها واستقرارها، الأمر لم يكن خلافاً سياسياً أو تنافساً انتخابياً، بل كان دفاعاً عن فكرة الدولة نفسها، وعن حق المصريين فى العيش داخل وطن آمن يحترم تنوعهم ويحافظ على هويتهم الحضارية الممتدة عبر آلاف السنين، وكان الشباب فى مقدمة تلك الحشود لأنهم أدركوا مبكراً أن الحفاظ على الدولة هو المدخل لأى إصلاح سياسى أو اقتصادى أو اجتماعى، وأن الإرادة الوطنية تبقى أقوى من أى محاولة للعبث بمقدراتها.

كان استرداد الاستقرار أشبه بإعادة تثبيت الأساسات فى بناية اهتزت أعمدتها؛ فالدول لا تبنى أدواراً جديدة فوق أرض متصدعة، على هذا الأساس جاءت الطفرة فى البنية التحتية، من شبكات الطرق إلى المدن الجديدة ومشروعات الإسكان، فضلاً عن تطوير قطاعات الطاقة والنقل والاتصالات، فى استثمارات طويلة الأجل تهدف إلى دولة حديثة قادرة على المنافسة.

ولم يعد الشباب مجرد جمهور يتابع المشهد من المقاعد الخلفية، بل انتقل تدريجياً إلى قلب المجال العام؛ يشارك فى التشريع عبر البرلمان بغرفتيه، ويقترب من دوائر القرار عبر الأحزاب وبرامج التأهيل الوطنية، فى بداية تحول حقيقى نحو مشاركة فاعلة فى بناء الجمهورية الجديدة.

غير أن جيل يونيو لا يكتفى بما تحقق، بل يتطلع إلى دولة أكثر قدرة على توفير الفرص وتحقيق العدالة الاجتماعية، يحلم بعمل لائق لا بتشغيل هش، وتعليم يواكب متطلبات العصر، ونظام صحى يرى فى المريض مواطناً، ومجتمع يتيح للشباب فرصاً متكافئة للإبداع، كما يتطلع إلى التوسع فى الصناعات التكنولوجية والذكاء الاصطناعى، لأن خريطة القوة فى العالم يُعاد رسمها الآن، ومصر بموقعها وثقلها لا يليق بها موقع المتلقى، ويمتد هذا التطلع إلى تعزيز دورها الإقليمى بوصفها قوة مؤثرة وشريكاً فى استقرار المنطقة.

ذكرى الثلاثين من يونيو فرصة لتجديد العهد على ما لم يكتمل بعد، فالأوطان لا تُبنى بالقرارات وحدها، بل بأجيال تعرف أن ما ورثته لم يأتِ مجاناً، والأجيال لا تُقاس بما تهتف له فى الميادين فقط، بل بما تتركه وراءها من مؤسسات وفرص ومساحات أوسع للحياة، وإذا كانت الثلاثون من يونيو قد مثَّلت لحظة إنقاذ للدولة، فإن التحدى الحقيقى لجيلها أن يحوِّل لحظة الإنقاذ إلى مشروع ممتد للأجيال القادمة؛ مشروع يجعل مصر أكثر قدرة على المنافسة، وأكثر اتساعاً لأحلام أبنائها، وأكثر ثقة فى موقعها بين الأمم.

ففى النهاية، لا تُخلِّد الأمم لحظات الخطر التى تجاوزتها فقط، وإنما تُخلِّد قدرتها على تحويل تلك اللحظات إلى طاقة تدفعها إلى الأمام. وجيل الثلاثين من يونيو أمام مسئولية تاريخية تتجاوز الحفاظ على ما تحقق؛ فهو الجيل الذى يمتلك فرصة الانتقال بمصر من مرحلة تثبيت الدولة إلى مرحلة تعظيم قدراتها، ومن حماية الهوية إلى إنتاج المستقبل. فالمعركة القادمة ليست معركة بقاء، بل معركة تفوُّق؛ معركة عقول ومعرفة وإبداع، وفيها سيكون الرهان على جيل يؤمن أن الوطن ليس مجرد أرض يعيش عليها، بل مشروع مستمر يشارك فى صياغته، ويحمل رايته نحو آفاق أوسع وأكثر طموحاً.

* أمين شباب حزب حماة الوطن


مواضيع متعلقة