سامح فايز يكتب: الإخوان والاقتصاد
سامح فايز يكتب: الإخوان والاقتصاد
خسر الإخوان معركة السياسة قبل سنوات، لكنهم لم يغادروا المشهد. فقط غيّروا سلاحهم. فبعدما كان خطابهم يدور حول «الشرعية» و«العودة إلى الحكم»، أصبحت الأسعار والدولار والتضخم والديون هي العناوين الأكثر حضوراً في منصاتهم الإعلامية. لم يكن هذا التحول عابراً، بل يعكس إدراكاً بأن المواطن قد يختلف معك في السياسة، لكنه لا يستطيع تجاهل فاتورة الكهرباء أو أسعار الغذاء أو تكلفة المعيشة. وهكذا انتقلت الجماعة من محاولة إسقاط الدولة في مستنقع الحرب الأهلية عن طريق الجماعات الإرهابية المسلحة إلى محاولة التأثير في الرأي العام عبر الملف الاقتصادي.
تابع ما تنشره المنصات المحسوبة على الجماعة خلال الفترة الأخيرة، ستلاحظ أن الاقتصاد لا يُطرح باعتباره ملفاً يحتاج إلى قراءة أو نقاش، وإنما باعتباره وسيلة لبناء رواية واحدة تتكرر بصيغ مختلفة، مفادها أن الدولة تتجه إلى الفشل الاقتصادي، وأن كل أزمة، مهما كان حجمها أو سببها، ليست سوى دليل جديد على هذا الفشل. هنا لا يصبح الخبر الاقتصادي خبراً مستقلاً، بل يتحول إلى حلقة داخل قصة مكتملة، سبق أن حُددت نهايتها قبل قراءة تفاصيلهما.
ولا يعني ذلك أن الاقتصاد المصري لا يواجه تحديات، فهذه حقيقة لا تنكرها الدولة، ولا المؤسسات المالية الدولية، ولا وكالات الأنباء الاقتصادية. فقد مرت مصر، مثل غيرها من دول العالم، بتداعيات جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، ثم اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر، وأخيراً التوترات الإقليمية التي أثرت في حركة التجارة والطاقة والاستثمار. لكن الفارق أن التقارير الاقتصادية الرصينة تتعامل مع هذه التطورات باعتبارها جزءاً من صورة أكبر، فتتحدث عن التحديات كما تتحدث عن فرص النمو، وتناقش الضغوط كما ترصد مؤشرات التحسن، بينما يقوم الخطاب التعبوي غالباً على انتقاء ما يؤيد روايته وإغفال ما سواه.
ولعل مشروع العاصمة الإدارية الجديدة يقدم مثالاً واضحاً على تغير الخطاب نفسه. ففي السنوات الأولى لإطلاق المشروع، روّجت منصات محسوبة على الإخوان لفكرة أنه مشروع وهمي لن يكتمل، وأنه مجرد دعاية سياسية. ومع انتقال الوزارات والبرلمان وعدد من مؤسسات الدولة إلى العاصمة الجديدة، تغيرت الرسالة. لم يعد التشكيك منصباً على وجود المشروع، وإنما على جدواه، لتظهر عبارات من قبيل أنه «مدينة للأغنياء» أو أنه جاء على حساب أولويات أخرى. تغيرت الحجة، لكن الهدف ظل واحداً؛ وهو نزع أي دلالة إيجابية عن المشروع، أياً كان تطوره على أرض الواقع.
وتظهر الآلية نفسها في ملفات أخرى. فالخبر الاقتصادي لا يُناقش داخل سياقه الكامل، وإنما يُفصل عن بقية المؤشرات. فإذا ارتفعت أسعار سلعة معينة، يصبح ذلك دليلاً على انهيار الاقتصاد كله، وإذا تراجعت إيرادات قطاع بسبب ظروف إقليمية، يُقدَّم الأمر باعتباره نتيجة حتمية لفشل السياسات الاقتصادية، بينما تغيب الإشارة إلى بقية المؤشرات التي قد ترسم صورة أكثر توازناً. وهنا لا تكمن المشكلة في صحة الخبر، بل في طريقة تأطيره، لأن الخبر الواحد يمكن أن يقود إلى استنتاجات مختلفة بحسب الإطار الذي يوضع فيه.
وهذا هو الفارق الجوهري بين النقد الموضوعي والخطاب التعبوي. فالنقد يبدأ من الوقائع، ثم يناقشها ويصل إلى استنتاجاته، أما الخطاب التعبوي فيبدأ من النتيجة، ثم يبحث عن كل ما يؤيدها. ولهذا قد يستخدم الطرفان الأرقام نفسها، لكن كلاً منهما يصل بالقارئ إلى صورة مختلفة تماماً. ومن هنا تصبح مسئولية القارئ ألا يكتفي بعنوان مثير أو مقطع متداول، بل أن يبحث عن السياق الكامل الذي يضع كل معلومة في مكانها الصحيح.
ولهذا لم يعد السؤال اليوم: كيف يتحدث الإخوان عن الاقتصاد؟ بل: لماذا أصبح الاقتصاد هو الساحة الرئيسية في خطابهم الإعلامي؟ والإجابة، في تقديري، واضحة؛ لأن الاقتصاد هو الطريق الأسرع إلى وجدان الناس، ولأن معركة كسب الثقة أو هدمها تبدأ غالباً من تفاصيل الحياة اليومية، لا من الشعارات السياسية الكبرى.