أشرف غريب يكتب: قمة القاهرة للفنون
أشرف غريب يكتب: قمة القاهرة للفنون
أتابع باهتمام بالغ الجهود الطيبة التي تقوم بها الدولة للحفاظ على الهوية الثقافية والحضارية لمدينة القاهرة، وفي القلب منها منطقة القاهرة الخديوية بوسط القاهرة، تحت أعين ورعاية رئيس مجلس الوزراء د. مصطفى مدبولي وجهاز التنسيق الحضاري برئاسة المهندس محمد أبوسعدة، والدعوة إلى مشاركة الأفراد ومنظمات المجتمع المدني في هذه الجهود، وفي هذا الإطار شهدت سينما راديو مساء الخميس الماضي افتتاح ملتقى قمة القاهرة للفنون بمشاركة متخصصين ومهتمين من أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وبعض الدول العربية، وهى الدورة التي استمرت على مدى ثلاثة أيام بين التاسع والحادي عشر من يوليو الحالي، وتستمر بعض فعالياتها حتى نهاية هذا الشهر بهدف البحث في مستقبل العلاقة بين المدينة والممارسات الثقافية بمفهومها الأشمل، والتأسيس على ما اكتسبته مدينة القاهرة على مدى عقود طويلة.
وقد تلقيت دعوة كريمة من الفنان أدهم حافظ، المنسق العام للملتقي، لإلقاء محاضرة باللغتين العربية والإنجليزية عن الموروث الثقافي لمنطقة القاهرة الخديوية كمركز إشعاع حضاري وتأثير دور العرض السينمائي والمسرحي تحديداً على نمط الحياة في هذه المنطقة جنباً إلى جنب مع الأنشطة الاقتصادية، وهما الرافدان الأساسيان اللذان قامت عليهما التنمية المستدامة في هذه المنطقة الحيوية بقلب القاهرة، وقد أثارت هذه المحاضرة في نفسى كثيراً من الأفكار والتداعيات التي تخص هذا الملف المهم.
وحقيقة الأمر فإن مدينة القاهرة كموقع جغرافى بكل امتداداته القديمة والحالية يتمتع بخاصية فريدة حتى من قبل بناء مدينة القاهرة نفسها على يد القائد الفاطمى جوهر الصقلى سنة 969 ميلادية، فقد امتدت إليه يد الإضافة والتطوير فرعونياً وإغريقياً ورومانياً، وإسلامياً طولونياً وإخشيدياً وفاطمياً وأيوبياً ومملوكياً، وصولاً إلى أسرة محمد على منذ نهاية الحملة الفرنسية على مصر بداية القرن التاسع عشر، ما خلق ثراء ثقافياً وحضارياً فريداً لم تتمتع به أى من عواصم الحضارات الكبرى الموازية مثل أثينا وروما اللتين بقيتا على حالهما فقط كرمز أصيل للحضارتين الإغريقية والرومانية بعكس مدينة القاهرة التى يشهد كل حجر فيها على تتابع حضارى مذهل جعلها تستحق هذه المكانة الخاصة بين مدن العالم، وحينما فكّر الخديوى إسماعيل فى إنشاء القاهرة الخديوية لم يكن اعتباطاً أو عشوائياً أن تكون قاعدتها فى منطقة العتبة الخضراء هذه الكيانات الثقافية المتمثلة فى دار الأوبرا القديمة ومسرح حديقة الأزبكية وكافة الأنشطة الثقافية والتجارية التي وصلت إلى قصر عابدين على امتداد شارع الجمهورية حالياً، وهو الشارع الذى انبثقت منه بقية شوارع وتقسيمات القاهرة الخديوية مثل شوارع قصر النيل وعدلى وعبدالخالق ثروت وفؤاد أو 26 يوليو حالياً وتقاطعاتها فى شوارع مثل طلعت حرب وشريف وعماد الدين وغيرها، وصولاً إلى الميادين الكبرى كميدان الإسماعيلية أو التحرير حالياً، وميدان باب الحديد أو رمسيس فى عصرنا الحالى، وفي تقديرى أن منطقة العتبة الخضراء -كما هو واضح من اسمها- لم تكن فقط مجرد مدخل إلى النطاق الجغرافى للقاهرة الخديوية، وإنما كانت حداً فاصلاً بين القاهرة الفاطمية وامتداداتها فى القاهرة الأيوبية والمملوكية عند قلعة صلاح الدين التى لم تكن تميل إليها أسرة محمد على من جانب وبين توجه الخديوى إسماعيل نحو الحضارة الأوروبية والتطلع إلى آفاق القرن العشرين الذى أكدته مجموعة من الممارسات أبرزها الانتقال بمقر الحكم من قلعة صلاح الدين الأيوبى بكل ما تحمله من ذكريات دموية ارتكبها كبير الأسرة العلوية فى مذبحة القلعة سنة 1811 إلى قصر عابدين وبناء أبنية القاهرة الخديوية على طراز عصر الباروك في أوروبا مع الاستمرار في إيفاد البعثات التعليمية إلى أوروبا وإنشاء الكيانات العلمية والثقافية المهمة التي قادت مصر إلى حضارة القرن العشرين وما بعدها.
اللافت في الأمر أن الإشعاع الثقافي لمنطقة القاهرة الخديوية قد بدأ من المقاهي، فقد لعبت مقاهى وسط القاهرة دوراً مهماً ليس فقط كمكان للتلاقى والتواصل الاجتماعى والإنسانى، وإنما كنقطة ضوء حاضنة للمثقفين والسياسيين أصحاب الرأي والتأثير، ربما بداية من المقهى الذى كان يجلس عليه جمال الدين الأفغاني مع تلامذته وأبرزهم بطبيعة الحال الشيخ محمد عبده فى الأزبكية، ثم مجموعة المقاهى الأخرى مثل متاتيا وريش وإيزافيتش وستامبيلوس وبعدها زهرة البستان ووادي النيل، ثم أوديون وجريون، وغيرها من أماكن تجمعات مثقفي مصر، من «قهوة متاتيا» مثلاً انطلقت خطب وأزجال عبدالله النديم خطيب الثورة العرابية، ومن مقهى «ريش» كانت تلتقى وتنطلق مظاهرات ثورة 1919 وفي إحدى غرفه السرية كانت تطبع منشورات الثورة، وقد أكسب مثقفو مصر «ريش» تحديداً قيمة مهمة لا سيما أديب نوبل نجيب محفوظ، أحد أهم مرتادي «ريش»، وغيره من مقاهى وسط القاهرة، وشهد مقهى «إيزافيتش» الذي أسسه اثنان من صربيا كثيراً من الأحداث السياسية والثقافية المهمة، وكان صاحبا المقهى من المناهضين للرئيس اليوغسلافى تيتو الصديق المقرب من الرئيس عبدالناصر، وبلغ من تأثير المقهى أن كانت السلطات تضع صاحبيه رهن الاعتقال فى كل زيارة يقوم بها «تيتو» إلى مصر ثم تفرج عنهما بعد انتهاء الزيارة، وفى «إيزافيتش» كان يلتقى الطلبة المشاركون فى مظاهرات 1946 وهى المظاهرات التى فتح أثناءها البوليس السياسى الكوبرى على المتظاهرين، وراح ضحيتها كثير منهم، وفى «إيزافيتش» أيضاً كان يلتقى يحيى الطاهر عبدالله وأمل دنقل وعبدالرحمن الأبنودى وغيرهم من مثقفى بداية السبعينات، وعلى مقاعدها كتب الأبنودى: «أبكى أنزف أموت وتعيشى يا ضحكة مصر»، وهى الأغنية التى زيّنت فيلم «أغنية على الممر» للمخرج على عبدالخالق سنة 1972، وفى مظاهرات عام الحسم سنة 1972 أيضاً قبل حرب أكتوبر كان المتظاهرون يتجمعون على أعتاب «إيزافيتش» حيث ألقى عليهم الشاعر أمل دنقل ذات يوم قصيدته الشهيرة «أغنية الكعكة الحجرية» التى يقول مطلعها: «أيها الواقفون على حافة المذبحة، أشهروا الأسلحة، سقط الموت وانفرط القلب كالمسبحة».
وبينما كان مقهى «ستامبيلوس» يحتوى نقاشات ولقاءات الجاليات الأجنبية ظل مقهى وادي النيل المكان المفضل لنقاشات مثقفي ومستنيري العقول المصرية، وهو ما أزعج أهل الشر وأرباب التطرف والإرهاب حتى انتهى الأمر بتفجيره فى عملية إرهابية دنيئة لم يستسلم لها مثقفو مصر، الذين شهدوا إعادة افتتاحه كرسالة تحدٍّ لكل أصحاب العقول البالية والمتحجرة.
وربما يكون للحديث بقية عن القاهرة الخديوية في الأسبوع القادم.