الصين.. السياسة بنت الثقافة (4)

مع الرئيس الصيني دنج شياو بنج (1978 - 1992) مالت السياسة الخارجية لبلاده إلى «الواقعية»، لكنها لم تقطع الصلة كلية بالجذور الثقافية، إذ صارت براجماتية أو عملية وليست مشحونة بالشعارات الثورية، واعتمدت على الحذر الاستراتيجي وفق مبدأ «إخفاء القوة وكسب الوقت»، وجعل التنمية أولوية للدبلوماسية، وإعادة الاعتبار لمبدأ المنفعة المتبادلة، وتأكيد السيادة الوطنية، وتطبيع العلاقات مع القوى العالمية الكبرى، والاندماج في المؤسسات الاقتصادية الدولية فيما تم الانتقال من دعم المد الثوري في دول العالم الثالث إلى الشراكة التنموية مع بقاء خطاب أخلاقي يُعلن عن التضامن دون صدام، تحت لافتة تبين أن الصين «دولة نامية كبرى» وليست قطباً ثورياً عالمياً.

هذا التحول الواضح في السياسة الصينية لم يكن تراجعاً عن الاشتراكية، إنما إعادة تأصيل لها في تربة صينية، ولم يكن كذلك إحداث قطيعة مع البعدين الروحي والأخلاقي، أو بالأحرى الثقافي الموروث، فقد ظل هذا في الخلفية دوماً، يُؤخذ في الاعتبار دون ضجيج، ويقوم على مبدأين: «التناعم دون تماثل» و«الإقناع بالقدوة لا بالقوة»، وهنا يقول د. أحمد السعيد: «لم يصرح بذلك في الوثائق الرسمية، ولم يرفع شعار العودة للكونفوشيوسية، لكن من يقرأ توجّهات الدولة الصينية في تلك الحقبة بعمق يدرك أن روح كونفوشيوس كانت تهمس في أروقة وزارة الخارجية، حتى إن لم تُذكر بالاسم».

وقد قادت هذه التحولات إلى تمهيد أوضاع الصين قبل مجيء الرئيس الحالي شي جين بينج، وفق رؤية نظرية تقوم على طرح الطريق الصيني بشكل ناعم، عبر نموذج تنموي ينهض على العلم ويقيم مجتمعاً متوازناً، ويعبد الدرب لصيغة دبلوماسية ذات طابع ثقافي عالمي، راحت تتعزّز مع التحولات الدولية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفيتي، وتصنع مساراً خارج المركزية الأوروبية، يُعلي من قيمتي العدالة والمساواة، ويسندهما إلى أفكار مهمة تجعلهما منفعة متبادلة، لا إعادة توزيع سلطوي، مثل عدالة تكافؤ الفرص بين الدول، وحماية السيادة الثقافية والتاريخية، وإيجاد خطاب للسلام العالمي يجمع بين فلسفة اللاعنف، وعدم التدخّل في شئون الدول، وانتهاج انفتاح على العالم يراعي الخصوصية الحضارية.

ومع شي جين بينج تم تبني مصطلح «العصر الجديد»، حيث الرؤية الشاملة التي أعادت تعريف الذات الوطنية وموقعها من العالم، لتتبوأ الصين من خلالها دوراً قيادياً عالمياً، يستعيد سرديات المجد مقابل روايات الإذلال، وتستند فيه إلى نموذجها القيمي والتاريخي، لا إلى مجاراة الغرب أو تقليده، وتقيمه على تصور متماسك عن الشرعية والدور والمسئولية الحضارية، وتطرحه كرسالة إلى العالم، أو طموح كوني يقوم على إقامة «مجتمع المصير المشترك للبشرية» وليس مجرد خطة تهدف إلى تحقيق الاستقرار والنمو.

لم تقف الصين في سعيها إلى تحقيق طموحها هذا عند حدود التصور النظري، الذي يزاوج بين الأصالة والمعاصرة، إنما طبّقت إجراءات في الواقع قرّبتها من هدفها الكبير، ومنها وجود سردية تربط التنمية بالنهضة الحضارية عبر «طريق الحرير» و«الحزام والطريق»، حيث تستعمل الجغرافيا سبيلاً لبعث الذاكرة المشتركة للدول المحيطة بالصين، وإقامة مشروعات تنموية في اتجاهات عدة، وأيضاً «منظمة شنغهاي»، التي صنعت بنية لتكتل دولي خارج الغرب، وتوظيف اللغة الصينية كجوهر حضاري ومسار نفوذ ثقافي، وإطلاق منصات إعلامية تصنع سردية الشرق بلغات العالم، تقدّم القصص الإنسانية على الخطابات الأيديولوجية، وتعتمد على التوطين، وتطرح خطاباً متوازناً وليس دفاعياً، وتسعى إلى احتواء الدول الأخرى، وتتفاعل إيجابياً مع النقد، وكذلك تأسيس مفهوم لـ«الإنصاف الدولي» باعتباره «هوية دولية للصين» تراعي تنوع التجارب التنموية في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتستفيد منها، ويعيد توزيع الأدوار في المؤسسات الدولية متعدّدة الأطراف.

هذا التقدّم من بناء الذات، إلى التفاعل الخلاق مع الإقليم، ثم بناء قوة عالمية، لم يُهمل فيه أبداً البعد الثقافي. فخطاب الرئيس شي جين بينج، الذي يطرح نفسه زعيماً وليس مجرد الإداري الأول للبلاد، يبدو في جوهره «مرآة ثقافية»، تعكس رؤية الرئيس، فيختلف به عن سابقيه من حيث «الكثافة الثقافية، وجرأة الطرح، وتوظيف الأدوات الناعمة سلاحاً استراتيجياً، وتقديم الصين بوصفها البديل الأخلاقي للنظام الدولي القائم». كما تعكس رؤية تولف بين الثقافة التقليدية الراسخة والرغبة الاستراتيجية في بناء عالم متوازن، تكون الدولة فيها مرنة دون أن تفقد ثوابتها، ومنفتحة دون ذوبان في الآخر، أو استسلام لإغراءات الهيمنة.

من هنا لم تعد الثقافة تابعة للسياسة في عهد شي جين بينج أيضاً، إنما رافعة لها، حيث أصبحت اللغة والرمز والتاريخ والتطهر من الفساد والاتكاء على المفردات الأخلاقية، أدوات لصياغة خطاب دولي جديد، وبات الأساس الثقافي فرصة لتعيد الدولة إنتاج نفسها بوصفها حاملة رسالة، تستعيد من خلالها الصين قدرتها على التوجيه والإلهام.