كل شيء في مصر إلهي
كان الأستاذ توفيق الحكيم يستعرض شخصية مصر من أعماق تاريخها، عندما طرح سؤاله الفلسفي اللافت: «ما بال تماثيل الآدميين عند المصريين مستورة الأجساد، وعند الإغريق عارية الأجساد؟». ثم أجاب بنفسه: «هذه الملاحظة الصغيرة تطوى تحتها الفرق كله، نعم كل شيء في مصر خفي كالروح، وكل شيء عند الإغريق عارٍ كالمادة، كل شيء عند المصريين مستقر كالنفس، وكل شيء عند الإغريق جلي كالمنطق».
وأتفق إلى حد بعيد مع أستاذنا الحكيم، وأتصور أيضاً أن الحشمة اختراع مصري أصيل، وأن المرأة المصرية بطبعها أميل إلى الاحتشام. وقبل هجمة التدين المظهرية السبعينية، المتمثلة في الخمار والإسدال والحجاب وأخواتهن، كانت نساء مصر مطلع القرن 20 يرتدين اليشمك والبرقع والملاية اللف، بينما ظلت الجلابية الفلاحي هي الزي الأكثر شيوعاً بين نساء الريف المصري، بعيداً عن القاهرة وعواصم المحافظات.
ونكمل مع أديب مصر ومفكرها توفيق الحكيم تصوره الفلسفي، حيث يلفت نظرنا إلى أن المثال المصري لم يكن معنيّاً بجمال الجسد أو الطبيعة من حيث الشكل الظاهر، بقدر ما كان معنيّاً بالفكرة والمعنى، قائلاً: «إن المثال المصري لا يعنيه جمال الجسد ولا جمال الطبيعة من حيث هي شكل ظاهر، إنما تعنيه الفكرة، إنه يستنطق الحجر كلاماً وأفكاراً وعقائد». ثم يخلص إلى نتيجة تستحق التأمل: «إن ولع المصريين بالقوانين الخفية ليبلغ حد المرض، مرض إلهي، لو أن الآلهة تمرض لكان هذا مرضها: فرط البحث عن القانون»، قبل أن يختتم بعبارته الموحية: «كل شيء في مصر إلهي».
ولعل هذه الخصوصية المصرية هي ما يجعل التعامل مع الدين في مصر مسألة تحتاج إلى عمق وحكمة وفلسفة وأصالة. فالدين يجري في شرايين شعبنا الطيب ويمنحه سر البقاء، ولذلك فإن أي محاولة للتعامل معه بمنطق الصدام أو الاستفزاز أو التبسيط المخل لا تفضي إلا إلى مزيد من الارتباك.
ومن هنا تبدو المعركة الدائرة منذ سنوات حول الحجاب مثلاً وغيرها من القضايا المشابهة معركة تشتبك مع الهامش أكثر مما تنشغل بالمتن. فبين أدعياء التنوير وأدعياء التدين، تتكرر السجالات ذاتها، بينما تتراجع الأسئلة الكبرى المتعلقة بتجديد الفكر الديني وتطوير الخطاب الثقافي والمجتمعي، بما يناسب تحديات العصر. والحقيقة أن الفراغ في هذا المجال بلغ مداه، في وقت لا يتصدى فيه أحد تقريباً لمشروع جاد للتطوير أو التجديد.
وقد ناقشت في كتابي «مشكلة الإسلام» ما أسميته بـ«إرباك المرأة» وحذرت من تداعيات ذلك على استقرار المجتمع، حيث إن هذه الظاهرة جعلت المرأة وقضاياها محوراً دائماً في كثير من النقاشات العامة. فكلما هدأت قضية أُثيرت أخرى، وكلما انطفأ جدل اشتعل غيره، حتى أصبحت المرأة حاضرة بقوة في معظم الحوارات الإعلامية، وصار الحديث عنها رهاناً مضموناً لجذب الانتباه وصناعة الجدل.
وأمسى الدين حاضراً في تلك النقاشات، باعتباره طرفاً مباشراً فيها. لكن المؤسف أحياناً هو تحول النقاش إلى ساحة للمزايدات، يتراجع فيها الفقه والفكر والعقل لصالح الإثارة والبحث عن «الترند». ويخرج المتلقي بانطباع مضلل مفاده أن الإسلام منح الرجل سلطات مطلقة على المرأة، وأن الخلافات الاجتماعية كلها ذات جذور دينية، بينما الواقع أكثر تعقيداً بكثير من هذه الصورة المبسطة. وقد تجلى ذلك مؤخراً في الحوار المجتمعي حول قانون الأحوال الشخصية الجديد.
ودائماً ما تكون هناك مبالغة في إقحام الدين في هذه المناقشات، رغم أن جانباً كبيراً منها يرتبط بالعرف والتقاليد والبنية الاجتماعية والقانون أكثر من ارتباطه بالنصوص الدينية ذاتها. وهي مشكلات تتشارك في آثارها المرأة المسلمة والمسيحية على السواء، شأنها شأن كثير من القضايا المزمنة التي تعانيها النساء في مجتمعاتنا. غير أن المعالجات المختلة لهذه القضايا كثيراً ما تزيدها تعقيداً، وتدفع نحو تأجيج التوتر، بدلاً من البحث عن حلول حقيقية لها.
وأختم من حيث بدأت، بمقتطفات من كتاب «أيام العمر: رسائل خاصة بين طه حسين وتوفيق الحكيم» للأستاذ إبراهيم عبدالعزيز، والذي ينقل عن عميد الأدب العربي رأيه في رائعة الحكيم «عودة الروح»، حيث يقول الدكتور طه حسين: «وأشهد، لقد صورته (يقصد الشعب المصري) فأحسنت تعريفه، فهو شعب يجهل نفسه، وهو على جهله بنفسه يُقدر نفسه، يعرفها في ضميره الخفي، ويجهلها في ضميره الشعوري. كما يقول أستاذنا الرئيس أحمد لطفي السيد».
ثم يوضح «الحكيم»، قائلاً: «شعب غني قوي، لكنه يجهل ثروته ويجهل قوته.. ويجهل نفسه»، قبل أن يختتم بقوله: «كانت عودة الروح هذه هي التي حببتك إلى عامة الفقراء والقراء الذين يقربون من الشعب، ولا يسمون إلى أرستقراطية التفكير، ذلك لأنك اقتطعت هذه القصة من حياة الشعب اقتطاعاً.. صورت الحياة المصرية كما يحياها الأوساط من المصريين، والفقراء أيضاً، وصورت هذه الحياة في كثير من الحب والشغف بها والفناء فيها، كأنما كنت تصور نفسك».
و«عودة الروح» هي النص الأدبي البديع الذي تأثر به الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وألهمه فكرة الثورة، وكان سبباً في علاقة فكرية خاصة بينه وبين «الحكيم»، قبل أن يكفر بالناصرية بعد وفاة عبدالناصر وينشر شهادته عن عهده في كتابه الشهير «عودة الوعي».
وبين «العودتين» ظل «الحكيم» منحازاً إلى التفكير وإعمال العقل، لا إلى الادعاء أو المصادرة. رحم الله أديب مصر الكبير الذي فارقنا جسده في 26 يوليو 1987، وبقي بيننا بإرثه الإبداعي والفكري الكبير، ولا يزال أدبه يغذي العقل العربي ويثريه حتى اليوم.