«عقوبة الأمهات».. القطاع الخاص لا يفضل تشغيلهن

كتب: محرر

«عقوبة الأمهات».. القطاع الخاص لا يفضل تشغيلهن

«عقوبة الأمهات».. القطاع الخاص لا يفضل تشغيلهن

تحقيق: سارة جمال

تعمل «نورا» منذ تخرجها مترجمة، وخلال نحو عشر سنوات من العمل طوّرت مهاراتها وخبراتها لتتولى إدارة فريق صغير فى مؤسسة خاصة، ولكن كل شىء تغيّر بعد أن تزوجت وأنجبت طفلها الأول. فرغم أنها عادت بعد فترة إجازة قصيرة، أقل من تلك المقرّرة قانوناً، بدعوى حاجة العمل، بدأت «نورا»، فى تلقى التلميح والتصريح بأنها لم تعد مؤهّلة لإدارة فريقها، وأنها باتت مشغولة بعد أن أصبحت أُماً. قابلت الأم الشابة ذلك ببذل جهد أكبر فى العمل، ولكنها أُحبطت بعدما سحب منها مديرها إدارة فريقها الصغير وأعادها فرداً ضمن الفريق مع راتب أقل، بعد أقل من شهر من عودتها للعمل.

«عقوبة الأمومة».. هى مشكلة عالمية ومصطلح اجتماعى يشير إلى التحديات المهنية والاقتصادية التى تواجهها النساء فى سوق العمل بعد أن يصبحن أمهات، والتى تشمل حرمانهن من التدريب والترقى وزيادة الأجور، وصولاً إلى حرمانهن من العمل، وهى مشكلة تبرز أكثر فى بعض منشآت القطاع الخاص، حيث يتم التهرّب من الضمانات التى يوفرها القانون للأمهات.

ويكشف التحقيق التالى عن معاناة جانب من الأمهات فى القطاع الخاص، من رفض التوظيف، والاستبعاد من العمل، والحرمان من الترقى، والتضييق عليهن، لدفعهن لترك العمل، كما يكشف عن توجّهات بعض مؤسسات القطاع الخاص وسياسات التوظيف التى تستبعد النساء، خصوصاً الأمهات والمقبلات منهن على الأمومة، لتتحمل النساء وحدهن المسئولية المجتمعية والاقتصادية للأمومة بينما يستبعدهن سوق العمل، كعبء يجب تجنبه، وكيف يؤثر ذلك على تمكينهن وأمنهن المهنى والاقتصادى وسلامتهن النفسية.


كانت أمل «آنسة» حينما حصلت على عملها فى أحد مصانع الملابس الجاهزة، وكانت حالتها الاجتماعية أحد شروط الالتحاق بالعمل الذى التحقت به دون عقد عمل، أو تأمين اجتماعى، أو صحى.

بعد 3 سنوات من العمل تزوجت «أمل»، ورُزقت بطفلها الأول، وكان مطلوباً منها أن تعود للعمل بعد شهر واحد من ولادتها، وحينما طلبت إجازة إضافية تم الاستغناء عنها، وكان أجرها فى ذلك الوقت 3500 جنيه شهرياً، وهو ما يقل عن الحد الأدنى للأجور المحدّد بـ6000 جنيه فى عام 2024، الذى وافق نهاية عملها.

و«أمل» ليست وحيدة فى تعرّضها لهذه العقوبات الخفية، إذ تبدأ رحلة الاستبعاد أحياناً قبل التوظيف نفسه، برفع لافتات «مطلوب آنسة»، ثم يتّسع الاستبعاد بعد الزواج، ويتمدّد أكثر، ليبلغ ذروته بعد الإنجاب، لينتهى بإلقاء النساء بعيداً عن سوق العمل، وبعيداً عن تحقيق اكتفائهن وأمنهن الاقتصادى.

«مطلوب آنسة»!

أحمد، هو صاحب مشروع صغير يبيع فيه الملابس الحريمى، ويعلق على بابه الزجاجى لافتة مكتوبة على عجل «مطلوب آنسة للعمل»، وهو يدفع للعاملات لديه 3500 جنيه شهرياً. سألته محررة التحقيق إن كان يمكن لسيدة أن تتقدّم للعمل، فرد بحسم «لا والله معلش»، وكان السبب هو أن السيدة المتزوجة أو الأم لن تتمكن من العمل من العاشرة صباحاً وحتى العاشرة مساءً، وستُكثر من الاعتذارات «أصل جوزى وأصل ابنى عيان... إلخ».

حال «أحمد» ليس بعيداً جداً عن بعض المؤسسات الخاصة، وبعضها مؤسسات كبرى، والتى تضع سياسات داخلية تُفضّل استبعاد النساء، خصوصاً الأمهات منهن.

يقول «على»، وهو الاسم الأول لمسئول توظيف بإحدى شركات بيع الإلكترونيات الكبرى، والذى طلب عدم الإفصاح عن اسمه لدواعٍ مهنية، إن سياسة الشركة التى يعمل بها هى أن تكون الأولوية المطلقة فى التعيين للرجال، وإن كانوا أقل كفاءة من الإناث المتقدمات للعمل، والسبب فى رأيه أنهم أكثر مرونة وإتاحة من النساء، ويمكن تشغيلهم لساعات متأخرة وفى ورديات مختلفة، بخلاف النساء اللاتى لا يرغبن فى العمل لوقت متأخر، لارتباطاتهن الأسرية، وكذلك الثقافة المجتمعية التى تلزمهن عادة بعدم التأخر.

وأضاف «على» أنهم يضطرون فى بعض الأقسام، مثل أقسام منتجات وأجهزة التجميل والتصفيف وإزالة الشعر وغيرها من المنتجات النسائية، إلى توظيف عدد من العاملات، حيث لا يفضل بعض العميلات التعامل مع الذكور فى تلك الأقسام، ويشعرن براحة أكبر فى الاستفسار عن مواصفات الأجهزة والمنتجات التجميلية عبر موظفة، مُشيراً إلى أن السياسة الداخلية غير المعلنة أن تكون الموظفات فى تلك الحالة آنسات وغير مرتبطات بخطبة، ويحصلن فى تلك الحالة على أجور أقل من زملائهن الذكور، باعتبارهن أقل احتياجاً للمال.

سألنا «على» عن التزامات مؤسسته تجاه الأمهات الموظفات، فرد قائلاً: «بصراحة إحنا مابنفضلش تشغيل الأمهات، غير لو كانت معانا من الأول وقدرت تستحمل ظروف الشغل فترة الحمل ورجعت على طول بعد الولادة، فبنحاول نمشّى الدنيا شوية.. أصل هنمشيها ليه؟!. بس الأمهات عموماً مابيعمروش معانا.. الشغل ضاغط وبيستمر ساعات طويلة، صعب الأمهات تلتزم بيها غير لو مضطرة أوى».

لا تمنح مؤسسة «على» العاملين، خصوصاً النساء، عقود عمل، بدعوى أنهن يتسرّبن سريعاً من العمل عند الزواج أو الإنجاب، وليسهل التخلص منهن أيضاً إذا ما ارتأت الإدارة ذلك، كما لا توفّر للأمهات المعدودات دار حضانة لأطفالهن أو أجراً مخصصاً لإلحاق صغارهن بحضانة، حسب تأكيده.

يقول «على» إنه لا يدعم تلك السياسات بشكل شخصى، وإنها غير مهنية ولكنه مضطر لتطبيق السياسات التى يُقررها أصحاب المؤسسة الذين يعتبرون النساء عموماً والأمهات خصوصاً «خسائر محتملة» بدرجة كبيرة.

وتعكس هذه السياسات غير المعلنة نمطاً أوسع من التأثيرات الاقتصادية على النساء تؤكده البيانات الرسمية والدولية.

عقوبة الأمومة.. ظاهرة عالمية

نشر المنتدى الاقتصادى العالمى تقريراً بعنوان «عقوبة الأمومة: كيف يمكن لرعاية الأطفال وإجازة الأبوة تقليل فجوة الأجور بين الجنسين؟»، ليكشف أن عقوبة الأمومة هى ظاهرة عالمية، مسئولة عن 80% من فجوة الأجور بين الجنسين، حيث يتم استبعاد النساء الأمهات من العمل المدفوع الأجر، بالإضافة إلى تحمل النساء عموماً ثلثى الأعمال غير مدفوعة الأجر، وهو ما يعمق من فجوة الأجور بين الرجال والنساء.

ويُعرف التقرير «عقوبة الأمومة» بأنها مصطلح صاغه علماء الاجتماع لوصف الحرمان الممنهج الذى تواجهه النساء فى أماكن العمل عندما يصبحن أمهات، وذلك من حيث الأجر وتصورات الكفاءة والمزايا التى يحصلن عليها مقارنة بالعاملين الآخرين، وكذلك كل العوائق التى تواجهها النساء عندما يقررن أن يصبحن أمهات ويحصلن على عمل فى الوقت ذاته.

المنتدى الاقتصادى العالمى: حرمان الأمهات من العمل ظاهرة عالمية مسئولة عن 80% من فجوة الأجور بين الجنسين

وتُشير بيانات الجهاز المركزى للتعبئة والإحصاء الصادرة عن الربع الأخير من عام 2025، إلى أن النساء يمثلن 21% من إجمالى المشتغلين فى مصر، وذلك مقابل 79% من المشتغلين الذكور، كما تتفاوت نسب المتعطلين الذين يبحثون عن العمل بين الذكور والإناث، حيث تبلغ نسبتهم بين الذكور 47% مقابل 53% من الإناث.

«التعبئة والإحصاء»: النساء يمثلن 21% من إجمالى المشتغلين فى مصر مقابل 79% من الذكور

ورغم تراجع معدل البطالة ليبلغ إجماليه 6.3% فى 2025، فإن نسبة النساء والذكور تتفاوت داخل هذا المؤشر، حيث تبلغ نسبة البطالة بين الذكور 3.7% مقابل 15.3% من النساء اللاتى يبحثن عن عمل، وهو ما يفوق أربعة أضعاف معدل البطالة بين الذكور.

وتقوم النساء بالنسبة الأكبر من العمل غير المدفوع فى المشروعات الأسرية، فبينما يعمل 3% من الذكور فى هذا النوع من المشروعات، تعمل 25% من النساء فى المشروعات الأسرية دون أجر، بحسب نشرة القوى العاملة عن الربع الأخير من العام 2025.

وزارة العمل تُنظم حملات تفتيش وتوجّه بالتحقيق فى «تجاوزات» وتطبيق القانون الجديد بحزم

ويؤثر غياب فرص العمل والاستبعاد من سوق العمل بالنسبة للنساء، وكذلك تحملهن للعبء الأكبر من العمل الرعائى غير المدفوع، والعمل فى المشروعات الأسرية دون أجر، على ما يملكنه وتمكينهن اقتصادياً وحمايتهن من المخاطر الاقتصادية والعوز، إذ يكشف المسح الصحى للأسرة أن 5% فقط من النساء فى مصر يملكن مسكناً وتتضمن هذه النسبة من يملكن مساكن بالمشاركة مع آخرين، أما من يملكن مساكن منفردات فتقل نسبتهن عن 2%، وبالمثل تملك نسبة محدودة من النساء تقدر بـ2% أراضى.

كارثة بسبب رفض إجازة

فى سبتمبر من العام الماضى توفيت رضيعة ذات ثلاثة أشهر بينما تحملها أمها العاملة بمصنع نسيج بالإسكندرية، وذلك فى أعقاب رفض مديرتها منحها إجازة لرعاية طفلتها المريضة، وأثارت الواقعة غضباً كبيراً، وسلّطت الضوء على ما تلاقيه الأمهات فى أماكن عمل لا تقوم بدورها المجتمعى وتحملهن وحدهن مسئولية الأمومة وتعاقبهن عليها.

وزير العمل أصدر بياناً رسمياً، وقتها، أكد فيه التحقيق فى الواقعة، وأصدر مجموعة من القرارات شملت مزايا مالية واجتماعية للعمال تخص غلاء المعيشة، والأجور، والعلاوة السنوية، والمنح الاستثنائية، وتشغيل النساء، ومبادئ السلامة والصحة المهنية والإسعافات الأولية، مُشدداً على تطبيق قانون العمل الجديد رقم 14 لسنة 2025 بكل حزم.

قانون العمل.. هل يقدم الحل؟

فى مايو من العام الماضى، نشرت الجريدة الرسمية نص قانون العمل المصرى الجديد رقم 14 لسنة 2025، ويحمل الفصل الثالث من القانون عنوان «تشغيل النساء»، وينص فى المادة 53 على عدم التمييز، والمساواة فى الأجر بين الذكور والإناث عن الأعمال المتساوية.

ويتضمن القانون مجموعة من الضمانات التى تستهدف حماية حقوق الأمهات العاملات، ومن بينها المادة 54 التى تنص على حق العاملة فى إجازة وضع لمدة 4 أشهر، تشمل المدة التى تسبق الوضع والتى تليه، على ألا تقل مدة الإجازة بعد الوضع عن 45 يوماً، وتكون هذه الإجازة مدفوعة الأجر، بحد أقصى ثلاث مرات طوال فترة خدمتها.

وينص القانون كذلك على تخفيض ساعات العمل اليومية للمرأة الحامل ساعة على الأقل بدءاً من الشهر السادس للحمل، كما لا يجوز إلزامها بساعات عمل إضافية طوال مدة الحمل وحتى نهاية ستة أشهر من تاريخ الوضع.

وتنص المادة 55 من القانون على حق العاملة بعد انتهاء إجازة الوضع فى العودة إلى وظيفتها أو وظيفة مماثلة لها دون الإخلال بأية مزايا كانت مقررة لوظيفتها الأصلية، ويحظر القانون فصل العاملة أو إنهاء خدمتها أثناء إجازة الوضع، كما يحظر فصلها أو إنهاء خدمتها عقب عودتها من هذه الإجازة، ما لم يثبت صاحب العمل أن الفصل أو إنهاء الخدمة لسبب مشروع.

وتنظم المادة 56 من قانون العمل حق الطفل فى الرضاعة، فتنص على الحق فى فترتين للرضاعة لا تقل كل منها عن نصف ساعة مع جواز ضمهما، وتحتسب تلك الفترتان ضمن ساعات العمل ولا يترتب عليهما أى تخفيض للأجر. وتُجيز المادة 57 للعاملة فى المنشأة التى تستخدم 50 عاملاً فأكثر الحق فى الحصول على إجازة دون أجر لرعاية طفلها وذلك لمدة لا تتجاوز عامين، على أن يكون الحد الأقصى لاستحقاق هذه الإجازة هو ثلاث مرات طوال فترة خدمتها وبشرط مرور عام على الأقل على وجودها فى المنشأة، وألا تقل المدة بين الإجازة الأولى والثانية عن سنتين.

بين ضمانات القوانين والواقع

كانت «نهى» مُدرسة فى واحدة من المدارس الخاصة حيث كانت تعمل دون عقد عمل وبأجر 3500 جنيه، وهو ما يعادل نصف الحد الأدنى للأجور، ودون تأمين اجتماعى أو صحى.

وأعلنت الحكومة فى أبريل الماضى زيادة الحد الأدنى للأجور ليكون 8000 جنيه يبدأ تطبيقها فى يوليو 2026، وذلك بعد أن أقرت فى العام الماضى 7000 جنيه حداً أدنى للأجور، ويتفاوت التزام مؤسسات القطاع الخاص بتطبيق الحد الأدنى للأجور، كما يتفاوت التزامها بتحرير عقود عمل تتوافق مع قانون العمل رقم 14 لسنة 2025.

فبحسب بيان لوزارة العمل أعقب حملة تفتيش واسعة أعلنت عنها الوزارة فى أكتوبر الماضى شملت 6192 منشأة، فقد منحت الوزارة مهلة لـ2353 مُنشأة لتصويب أوضاعها المتعلقة بعقود العمل، كما حررت 1858 محضراً لمنشآت غير ملتزمة بتطبيق الحد الأدنى للأجور، وتكشف بيانات الوزارة أن 38% من المؤسسات التى تم التفتيش عليها لم تلتزم بتحرير عقود عمل قانونية، كما أن 30% من المؤسسات التى تم تفتيشها لم تطبق الحد الأدنى للأجور على العاملين.

القانون ومشكلة دور الحضانة

بعد أن أنجبت «نهى» طفلتها بذلت قصارى جهدها حتى لا تضطر لمغادرة عملها، ولكن محاولاتها باءت بالفشل عندما بدأت رحلة البحث عن حضانة لرعاية طفلتها فى وقت عملها، حيث كانت تكلفة استضافة طفلتها 1500 جنيه شهرياً، وهو ما يعادل 43% من راتبها المحدود.

كان قرار «نهى» أن تغادر العمل الذى لم يكن يكفى متطلبات أسرتها، ولكنها كانت تتعامل معه كما تصفه «نواة تسند الزير»، ولكن بعد احتساب نفقات حضانة طفلتها وانتقالاتها وحاجاتهما الأساسية فلم يكن باقياً من «النواة» شىء يستحق عناءها وشعورها الدائم بالضغط لتلبية كل متطلبات العمل والمنزل والصغيرة.

وتلزم المادة 60 من قانون العمل صاحب العمل الذى يستخدم مائة عاملة فأكثر فى مكان واحد أن ينشئ داراً للحضانة، أو يعهد إلى دار للحضانة برعاية أطفال العاملات، كما تلتزم المنشآت التى تقع فى منطقة واحدة وتستخدم كل منها أقل من مائة عاملة أن تشترك فى تنفيذ ذلك الالتزام، ويجيز القانون لصاحب العمل أن يتحمل تكاليف رعاية الأطفال بدار الحضانة، وذلك وفق الضوابط التى يصدر بها قرار من الوزير المختص.

وأصدر وزير العمل، فى مارس الماضى، القرار المنظم للمادة 60، وهو القرار رقم 46 لسنة 2026، الذى يلزم كل صاحب عمل يستخدم 100 عاملة فأكثر فى مكان واحد بإنشاء دار حضانة، أو التعاقد مع دار حضانة قائمة لرعاية أطفال العاملات ممن لم يبلغوا سن الرابعة، مع ضرورة أن تكون الحضانة مُجهزة لاستقبال الأطفال ذوى الإعاقة.

كما ألزم القرار المنشآت التى يقل عدد العاملات بها عن 100 عاملة، وتقع فى نطاق جغرافى واحد لا يتجاوز نصف قطره 500 متر، بالاشتراك فيما بينها لإنشاء دار حضانة، أو التعاقد مع حضانة مُرخصة.

وحدد القرار عدداً من الاشتراطات الواجب توافرها فى مقار دور الحضانة، من بينها أن تكون قريبة من مكان العمل، ومُخصصة لرعاية الأطفال، وملائمة لاستقبال ذوى الإعاقة، وألا تقع فى أماكن مُعرضة للتلوث أو الضوضاء الناتجة عن الأنشطة الصناعية.

وألزم القرار الوزارى العامل أو العاملة الراغب/ة فى الاستفادة من خدمات الحضانة بسداد اشتراك شهرى بنسبة 4% من الأجر عن الطفل الأول، و3% للطفل الثانى، و2% للطفل الثالث، كما أجاز القرار لصاحب العمل، فى حال تعذر الاشتراك فى دار حضانة، أن يتحمل تكاليف رعاية أطفال العاملات فى حضانة مرخصة تتولى تقديم الخدمة.

وسألت محررة «الوطن »50 أماً تعمل فى مصانع ومؤسسات خاصة وتتفاوت فى أحجام العمالة بخصوص وجود دار حضانة تابعة لأعمالهن أو يلتزم أصحاب الأعمال بتحمل تكلفتها كما ينص القانون، ولم تكن من بينهن واحدة تحظى بهذا الحق المنصوص عليه قانوناً، كما تفاوتت تكلفة ما يدفعنه من مصروفات لدور الحضانة بين 21% و45% من أجورهن.

حقوق قانونية تنتظر النفاذ

وترى انتصار السعيد، وهى محامية بالنقض ورئيسة أمناء مُؤسسة القاهرة للتنمية والقانون المعنية بحقوق النساء، أن «عقوبة الأمومة» تظهر فى صور عديدة بعضها يبدأ قبل الحمل نفسه بل وأحياناً قبل الزواج، وهو ما يبرز بوضوح فى أسئلة مقابلات العمل، التى تستهدف فى كثير من الحالات استبعاد النساء سواء كن متزوجات أو مقبلات على الزواج باعتبارهن سيُرتبن تكلفة مستقبلية.

واعتبرت «السعيد» أن «تلك العقوبة تصبح أكثر بروزاً بعد الحمل أو الولادة من خلال الممارسات التى تستهدف الضغط على الأمهات للاستقالة، أو عدم تجديد عقودهن فى حال كن يعملن بعقود من الأساس، وكذلك استبعادهن من الترقيات أو التدريب، أو التعامل معهن باعتبارهن أقل التزاماً بسبب مسئوليات الرعاية الأسرية، ما يضر بصورتهن الذاتية عن أنفسهن».

وأكدت المحامية بالنقض أن تلك الممارسات تبرز فى الفجوة بين «الحقوق التى ينص عليها القانون» و«الواقع الذى تعيشه النساء فى سوق العمل»، مشيرة إلى بعض الحيل التى يلجأ إليها بعض أصحاب الأعمال للتهرب من الالتزام بمسئولياتهم المجتمعية تجاه العاملات الأمهات، حيث قد لا تلجأ بعض المؤسسات لإجراء الفصل باعتباره قد يرتب آثاراً قانونية، وفى المقابل يتم تقليل مهام العاملة أو استبعادها من المشروعات المهمة، واستبعادها من التدريب، وحرمانها من الترقى وفرص زيادة الأجر، أو خلق بيئة عمل ضاغطة لدفع الأم العاملة لترك العمل بنفسها.

وأشارت «انتصار» إلى التحديات الإضافية التى تواجهها النساء الأمهات فى سوق العمل، مثل غياب خدمات رعاية الأطفال أو دور الحضانة التى ينص عليها القانون، بينما تغيب بدرجة كبيرة عن أرض الواقع، وكذلك ارتفاع تكلفة دور الحضانة التى توفر بيئة ملائمة وآمنة للطفل، فضلاً عن تحمل النساء أعباء الرعاية المنزلية بشكل شبه كامل ما قد يدفع كثيراً من النساء لترك العمل لأن الاستمرار يصبح تكلفة وعبئاً بلا عائد.

وأكدت المحامية أن القانون المصرى يتضمن حقوقاً واضحة نسبياً للعاملات الأمهات مثل إجازة الوضع مدفوعة الأجر، وفترات الرضاعة والحماية من الفصل أثناء الإجازة، فضلاً عن النصوص المرتبطة بالحضانات، ولكن تبقى المشكلة الأساسية هى ضعف التنفيذ والرقابة، فضلاً عن عمل نسبة كبيرة من النساء فى القطاع غير الرسمى بدون عقود أو تأمينات، وبالتالى يصعب إثبات علاقة العمل من الأساس.

وترى «السعيد» أن السبب الرئيسى فى شيوع «عقوبة الأمومة»، خصوصاً فى القطاع الخاص، هو أن الأمومة تُعامل فى كثير من أماكن العمل باعتبارها عبئاً فردياً تتحمله النساء فقط وليس دوراً مجتمعياً تتحمله النساء ويجب أن يقابل بمسئولية اجتماعية واقتصادية وتطبيق سياسات حماية حقيقية تنفذ على أرض الواقع.

جهات ترفض توظيف النساء

خرجت «أسماء» من سوق العمل قبل نحو 6 سنوات لرعاية طفلها، ولم تتمكن، رغم محاولاتها العديدة، من العودة للعمل منذ ذلك الحين، وترى أن مقابلات العمل التى تحضرها تنتهى عند سؤالها عن حالتها الاجتماعية وما إن كان لديها أطفال، مضيفة: «القطاع الخاص لا يريد أمهات.. ولا أعرف ما الجريمة التى ارتكبتها حينما أصبحت أماً، ليتم حرمانى من العمل، حتى توقفت عن البحث».

مستشارة تمكين اقتصادى: بعض جهات العمل ترفض توظيف النساء حتى لا تضطر لأداء الالتزامات المرتبطة بتوظيفهن لاحقاً

وتؤكد منى عزت، رئيس مجلس أمناء مؤسسة النون لرعاية الأسرة، واستشارى التمكين الاقتصادى للمرأة، أن شعور النساء بالإحباط بعد محاولات عديدة للحصول على العمل دون أن يتمكن من ذلك، يدفعهن للتوقف عن البحث عن العمل، وهو أحد أسباب ضعف مشاركة النساء فى قوة العمل.

وترى استشارية التمكين الاقتصادى أن بعض جهات العمل ترفض توظيف النساء بشكل عام حتى لا تضطر لأداء الالتزامات المرتبطة بتوظيفهن لاحقاً، بينما تواجه الأمهات والمتزوجات المرشحات للإنجاب هذا النوع من التمييز بصورة أكبر.

وأضافت «عزت»: «النساء عموماً والأمهات خصوصاً يواجهن مجموعة من التحديات فى سوق العمل، خصوصاً فى القطاع الخاص، ومنها تدنى الأجور وعدم الالتزام بحدها الأدنى والتمييز فى الأجور، ما يجعل العمل بلا جدوى مادية حقيقية، بعد تغطية الانتقالات والحاجيات الأساسية ومصروفات الحضانة».

وأشارت استشارى التمكين الاقتصادى إلى عدم استجابة بيئة العمل لاحتياجات النساء ومراعاة التزاماتهن المجتمعية، من خلال عدم تطبيق القانون وحرمانهن من إجازات الوضع الكافية وإجازات رعاية الطفل، التى يتهرب منها بشكل أساسى جانب من القطاع الخاص، ما يُعيق استمرار عملهن وتطورهن المهنى وترقّيهن.

مخاطر صحية أيضاً

لم تكن «رحمة» تتحصل فى أفضل الأحوال على ست ساعات من النوم يومياً، كما كانت تضطر للبقاء مستيقظة ليوم تالٍ فى حال مرض طفلتها أو مرورها بمرحلة نمو مضطربة أو مجرد مزاج سيئ، لتواصل الأم عملها الذى يستمر ثمانى ساعات تخرج منه مهرولة لتسلّم طفلتها من الحضانة.

تواصل «رحمة» هرولتها اليومية لإعداد الطعام لأسرتها وتنظيف المنزل قبل أن يحين موعد عودة زوجها؛ لتجنب الاتهامات التى يكيلها لها بأنها مقصرة فى الاهتمام به وبمنزلها رغم كل الجهد الذى تبذله يومياً.

الوضع فى العمل ليس بحال أفضل، فحسبما تقول الأم الشابة: «اسمى مكتوب بالرصاص أو مش مكتوب خالص»، فى إشارة لعملها دون عقد عمل يضمن حقوقها، وهى السياسة التى تتبعها المؤسسة الخاصة التى تعمل بها، ليكون البديل فى حال الاعتراض هو المغادرة.


شعور النساء بالإحباط بعد محاولات كثيرة فاشلة للحصول على العمل يدفعهن للتوقف عن البحث

زادت الضغوط على «رحمة» بعد أن أصبحت أماً، حيث تم استبعادها من جميع المشروعات المهمة التى كانت جزءاً منها فى السابق؛ بدعوى أن ظروفها غير مضمونة، كما تم استبعادها من زيادة الراتب، وأصبح راتبها أقل من أولئك الذين يقومون بنفس المهام.

حين احتاجت «نهى» إجازة لأن طفلتها كانت ستخضع لعملية جراحية، وهى ضمن رصيدها السنوى من الإجازات، تعرضت لمضايقات ومحاولات لتقليص أيام إجازتها وتلميحات بأن وضعها المهنى بات سيئاً بسبب إنجابها، ورافق ذلك شعورها بصداع مستمر وآلام جسدية ومزاج سيئ مستمر.

تقول «نهى»: «تعبت من الجرى طوال الوقت ومحاولة إرضاء الجميع دون جدوى رغم عدم تقصيرى فى أى من مهام عملى أو أمومتى أو بيتى.. أشعر بالفشل وأننى قد أفقد عملى وبيتى وحتى حياتى فى أى وقت».

«القلق والاكتئاب» أبرز التأثيرات

لا تتوقف تأثيرات «عقوبة الأمومة» على الجانب الاقتصادى والمهنى فقط، إذ ترى نهال زين، أخصائية الطب النفسى، أن قطاعاً من الأمهات اللاتى تعانين من مشكلات صحية مثل بعض الآلام الجسدية والنفسية يكون ذلك نابعاً من الضغوط اللاتى يعانين منها فى العمل.

مسئول توظيف بشركة خاصة: الأولوية للرجال.. ونستعين بالآنسات فقط فى الأقسام التى تتطلب نساء.. صاحب مشروع خاص: «مطلوب آنسة» لأن المتزوجة أو الأم لن تعمل 12 ساعة يومياً

وأشارت «زين» إلى أن مواجهة الأمهات العاملات لضغوط تُهدد استقرار أعمالهن واحتمالات فقدها قد يتسبب فى إصابتهن باضطراب القلق، ويمثل مصدراً بالغاً للضغوط، خاصة للنساء اللاتى يحتجن أعمالهن لسد احتياجاتهن الأساسية، وهو ما يجعل القلق مضاعفاً وتأثيره أكبر خطراً.

وأضافت أن «الشعور بالذنب» من بين الاضطرابات الشائعة بين الأمهات بسبب شعورهن بالتقصير وعدم كفاية ما يقدمنه للأبناء والزوج والأسرة والعمل، وأن الأمهات تقعن بين خيارات صعبة تدفعهن للشك بقدراتهن وأنفسهن وما يقدمنه، بسبب ما يصدره البعض من توقعات وأحكام عليهن بأن أداءهن المهنى سينخفض ما دُمن أنجبن، بدعوى أنه لا يمكنهن أن يكن أمهات وعاملات ناجحات فى نفس الوقت.

محامية: عمل نسبة كبيرة فى القطاع غير الرسمى بدون عقود
أو تأمينات يُصعّب إثبات علاقة العمل

ولفتت الأخصائية النفسية إلى أن خطورة انطباعات وتعميمات الآخرين يتعاظم تأثيرها إذا تبنتها الأمهات أيضاً، ما يُسبب انخفاض تقديرهن الذاتى ويعظم الشعور بالنقص والتقصير وجلد الذات، ما قد يعرضهن للإصابة بأعراض اكتئابية.

وأشارت إلى أن بعض الأمهات العاملات يتعاملن بشكل مختلف مع تلك الضغوط فيقمن انطلاقاً من تلك التصورات السلبية ببذل جهد أكبر بكثير فى مختلف المناحى سواء فى العمل أو مع الأبناء أو فى المنزل، وهو ما يعرضهن للإصابة بما يعرف بـ«الاحتراق النفسى».

ما الحل؟

ترى انتصار السعيد، المحامية بالنقض ورئيسة أمناء مؤسسة القاهرة للتنمية والقانون المعنية بحقوق النساء، أن الحلول للمشكلات التى تواجهها الأمهات فى سوق العمل لا تتوقف عند تعديل القوانين، ولكن يجب أن تمتد لتضمن تفعيل تلك القوانين وما تتضمنه من حقوق للنساء والتزامات على المؤسسات، وتفعيل مستوى أعلى من الرقابة على مؤسسات القطاع الخاص، وتوفير حضانات وخدمات رعاية بأسعار مناسبة، وتبنى سياسات عمل أكثر مرونة تمنع تحول الأمومة إلى سبب لخسارة النساء لمسارهن المهنى وقدراتهن الاقتصادية.

القانون ينص على حق العاملة فى إجازة وضع 4 أشهر.. وإجازة مدفوعة الأجر بعد الوضع لا تقل عن 45 يوماً.. ويخفّض ساعات العمل اليومية للمرأة الحامل ساعة على الأقل بدءاً من الشهر السادس

أما نهال زين، أخصائية الطب النفسى، فترى أن الخطوة الأولى لتقليل الآثار النفسية للصعوبات التى تواجهها الأمهات العاملات هى أن يطلبن المشاركة من الآباء فى المهام المتعلقة بالأطفال والمنزل، كما يمكنهن طلب المساعدة من الأقارب المقربين، وألا يتحملن وحدهن كل العبء.

أخصائية نفسية: القلق والاكتئاب أبرز التأثيرات النفسية للصعوبات التى تواجهها الأمهات فى بيئة العمل.. والضغوط الناتجة عن احتمالات فقد أعمالهن قد تصيبهن بـ«اضطراب القلق».. و«الشعور بالذنب» من بين الاضطرابات الشائعة التى تصيبهن بسبب شعورهن بالتقصير مع الأبناء والزوج والأسرة والعمل

وأكدت ضرورة ألا تتبنى النساء أنفسهن الأفكار النمطية عنهن ووصفهن بالتقصير وعدم التمكن من الموازنة بين العمل والأمومة وغيرها من الأفكار السلبية، وأن تتوقفن عن حرق أنفسهن على جميع الأصعدة لكى تنفين تلك الأفكار التى يلصقها بهن الآخرون، وأن تقوين حدودهن النفسية وصورتهن الذاتية عن أنفسهن، وأنهن لسن مُضطرات للمفاضلة بين أمومتهن ومسارهن المهنى.


قانون العمل المصرى الجديد يضم فصلاً خاصاً عن «تشغيل النساء» ينص على «المساواة فى الأجر مع الذكور»

وأشارت إلى أن المجتمع مسئول عن دعم الأمهات وحمايتهن وليس فقط مطالبتهن بأن يكن قويات ويقمن بدورهن المجتمعى كأمهات وعاملات وزوجات دون أن تحصلن على أى دعم أو مشاركة وتحمل للأعباء فى المقابل، فمطالبتهن بالقوة والتحمل فى مواجهة كل هذه الظروف والضغوط والأعباء المستمرة هو فى حد ذاته أحد أشكال الضغط والقسوة.

الأمومة تُعامَل فى كثير من أماكن العمل الخاص باعتبارها عبئاً فردياً تتحمّله النساء فقط وليست دوراً مجتمعياً

وترى منى عزت، استشارية التمكين الاقتصادى والاجتماعى، أن الحل يبدأ بتفعيل حوار مجتمعى بين وزارة العمل وأصحاب الأعمال للتأكيد على دورهم المجتمعى وأهمية تفعيل ذلك الدور والتأكيد أن الأمومة ليست عبئاً فردياً تتحمله العاملات ويفقدن فرصهن المهنية مقابله، وتشجيع المؤسسات التى توفر بيئات عمل مستجيبة لاحتياجات النساء والأمهات بتقديم حوافز لها.

وشددت «عزت» على ضرورة تفعيل آلية قانونية للتعامل مع التمييز ضد النساء واستبعادهن من سوق العمل، وزيادة حملات التفتيش على المنشآت لضمان تفعيل عقود العمل القانونية وتطبيق الحد الأدنى للأجور وضمان تفعيل وتطبيق الحقوق القانونية للنساء والأمهات العاملات مثل إجازات الوضع ورعاية الطفل وتوفير دور الحضانة التى تراعى مواعيد عمل الأمهات.


روشتة للحل


تفعيل حوار مجتمعى بين وزارة العمل وأصحاب الأعمال للتأكيد على أهمية تفعيل دورهم المجتمعى، وأن الأمومة ليست عبئاً فردياً تتحمله العاملات فقط ويفقدن فرصهن المهنية مقابله.

تشجيع المؤسسات التى توفر بيئات عمل مُستجيبة لاحتياجات النساء والأمهات بتقديم حوافز لها.

تفعيل القوانين المعنية القائمة وما تتضمنه من حقوق للنساء والتزامات على المؤسسات.

تفعيل مستوى أعلى من الرقابة على مؤسسات القطاع الخاص، وزيادة حملات التفتيش لضمان تفعيل عقود العمل القانونية وتطبيق الحد الأدنى للأجور والحقوق القانونية للنساء والأمهات العاملات.

توفير حضانات تراعى مواعيد عمل الأمهات وخدمات رعاية بأسعار مناسبة للأمهات العاملات.

تبنى سياسات عمل أكثر مرونة تمنع تحول الأمومة إلى سبب لخسارة النساء مسارهن المهنى وقدراتهن الاقتصادية.

1234567









مواضيع متعلقة